دروس تربوية من القرآن الكريم - (أن أرضعيه) - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

الحلقة الثانية: (أن أرضعيه)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) كان هذا هو المعلَم الذي تكلمنا عنه في الحلقة السابقة ولا شك أنه معلم مهم جدا لأنه عبارة عن تعليم وكل تغيير كل إصلاح كل بناء يحتاج إلى تهيئة وتعليم من البداية، فلعل معلم (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) هيأنا الأمهات، أوصلنا إلى الأمهات القيم، أعددنا الأمهات الإعداد المناسب وأنا مؤمن إيمانا أنه لا شك أن مسألة إعداد الأم مهمة جدًا في التربية. أحيانًا في واقع التربية والتعليم تنفق أموالا طائلة وتبذل جهود كبيرة جدا في إعداد مربين رجال مع أننا نهمل الأصل وهو الأم وأنا واثق أنه لو استطعنا أن ننجح في بناء الأم لاختصرنا الطريق كثيرا ولوفّرت علينا الأم أشياء كثيرة لا يستطيع غيرها أن يقوم به خاصة لما يتلقى الابن المبادئ التربوية من الصغر فإن المدرسة في المستقبل ستأخذ ابنًا مهيأ، المصلحون، الدعاة سيجدون ابنًا صالحًا لغرس القيم وبناء القيم لأنه أصلًا معدّ من البداية لكن لو كانت الأم مقصرة ولم تقم بواجبها فإننا إذا أردنا أن نربي هذا الابن سنقوم بعملية إصلاح لخلل سابق وقد يصلح هذا الخلل وقد لا يصلح ثم بعد هذا الإصلاح نبدأ في غرس قيم وقد يكون الوقت قد فات والأوان انتهى لم يعد هناك مجالًا لغرس القيم لأن وقتها انتهى أما الأم فهي تغرس من البداية وأعيد وأكرر وأرجو أن لا أكون قد أمللتكم بهذا التكرار لكني على قناعة بأهميته أن نعيد النظر في واقعنا مع الأمهات في مجال التربية والتعليم وأن نركّز على الأمهات ولعل هذا يأتي له إشارات في المستقبل إن شاء الله.

هنا يأتي أيضًا مسألة في إعداد الأمهات هي نظرة كثير من الذين عندهم نقص في الرؤية للأم مع الأسف الشديد، المعلمة لها اهتمام وتشجيع، الموظفات يكون لهن شيء من التقدير والاهتمام أما الأم المربية مع الأسف الشديد لا تعطى الاهتمام لأنها أم مربية وإنما لا بد أن يكون لها وظيفة أخرى دنيوية! وهنا يأتي إشكال في الوعي التربوي وخاصة لدى الكثير من القائمين على المشاريع التربوية، القائمين على الدول لو كان الأمر يعطى كل أحد كمكافأة دنيوية على دوره وما يقوم به في إصلاح المجتمع فإن الأم هي أهم العناصر في المجتمع وأولى من ينبغي أن يشجع وأن يكافأ وأن يكون لها اهتمام كبير جدًأ تصرف لها رواتب لكن لما أُغفِلت الأم صارت صارت تقصر في جوانب الأمومة وتبحث لها عن أشياء أخرى تسدّ بها حاجتها لأنها تشعر بأنها عضو غير فاعل في المجتمع بسبب التعامل الذي يحصل من المجتمع، نظرة وسائل الإعلام، نظرة الكثير من القائمين على التربية والتعليم مع الأسف الشديد وهذه مشكلة كبيرة جدًا مع أنها لا تتوافق مع تعاليم الإسلام ولا مع المبادئ التي ينبغي أن تكون عليها كل دولة مسلمة ولعل هذا يأتي إليها إشارات في بعض التوجيهات القرآنية للأمهات.

لا نزال مع قول الله تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) وانتهينا من معلَم (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى). المعلم الثاني (أَنْ أَرْضِعِيهِ) (أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ). (أَنْ أَرْضِعِيهِ) هذا وحي من الله لأم موسى وتوجيه لها أن ترضع ابنها (أَنْ أَرْضِعِيهِ) التربية بناء متكامل وهذا مما ينبغي أن تعيه الأم سابقًأ وأن يوحى إلى الأم به أن التربية ليست بناء أجسام ولا اهتمام بأجساد وإنما التربية بناء متكامل يبنى فيه الجسد ويبنى فيه العقل ويبنى فيه الروح وتبنى فيه العواطف البناء الكامل لأن التربية الناجحة هي التربية المتكاملة التي تبني شخصية متكاملة متوازنة بناء تدريجيًا مستمرًا. فالأم من واجباتها التي لا شك فيها أن تقوم برعاية ابنها رعاية جسدية صحية حتى ينشأ هذا الابن ويكون ابنًا قويًا فاعلاً في المجتمع، فيأتي قول الله تعالى (أَنْ أَرْضِعِيهِ) الإرضاع هذا أمر مهم في البناء الجسمي البناء للطفل، (أَنْ أَرْضِعِيهِ) وقد جعل الله هذا الأمر متعلقًا بالأم لأنها هي أولى من يقوم بالإرضاع. وها يأتي السؤال الكبير جدًا: أين حرص النساء الأمهات على إرضاع أبنائهم وأطفالهم؟! مع الأسف الشديد هذه القضية التي لها أثر كبير جدًا على تكوين الطفل صار عندنا في الأزمان المتأخرة بسبب اشياء كثيرة وتغير في المفاهيم وقلب للموازين صار هناك إغفال لها مع أن الله عز وجلّ جعل هذا الأمر أول نوجيه للأم في تهيئة النبي العظيم المصلِح الذي كان له الأثر الكبير في تغيير واقع (أَنْ أَرْضِعِيهِ) تهيئة جسمية تهيئة صحية (أَنْ أَرْضِعِيهِ) (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) من أعظم واجبات الأم أن تقوم بها: إرضاع الأبن. الإرضاع أو الرضاعة لها أثر كبير جدا في تكوين الإبن ومن تأمل القرآن ثم نظر إلى البحوث والدراسات التي أجريت وقام بها باحثون في مختلف دول العالم عن فوائد الرضاعة وأهمية الرضاعة للطفل سيجد عجبًا سيتبين له عظمة هذا القرآن العظيم في البداية بالوحي (أَنْ أَرْضِعِيهِ) أوحينا إليها قائلين لها أرضعيه زالله تعالى يقول في سورة البقرة (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [البقرة: 233] وعند بيان حق الأم ومنزلة الأم يأتي من أهم الأسباب التي جعلت للأم المنزلة الكبيرة عند الإبن وأنها أعظم الناس بعد حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس حقًا على المسلم أمه لأنها ترضعه لكن الواقع مع الأسف الشديد بسبب قلة الوعي وعدم الفهم أصبح كثير من الأمهات في هذا الزمن لا يعطين هذه القضية الاهتمام اللائق بها بل صارت الأم تحرص على نفسها وبعض الشكليات التي تتعلق بها وتقول الإرضاع صعب لا أستطيع إرضاع الولد وعندي وظيفة والوظيفة أخذت الأم عن ولدها فأُهمل وأنا أتأمل هذه الآية قلت أبحث أكثر عن فوائد الرضاعة فوجدت بحوثًا تتعلق بفوائد الرضاعة ليس فقط على الإبن بل لها فوائد كبيرة جدًا على الأم نفسها على صحتها على استقرارها الرضاعة الطبيعية لها فوائد كبيرة جدًا على الطفل صحيًا جسديًا عاطفيًا ذكاء، لها فوائد على المجتمع نفسه ولها فوائد على الأمة وعلى الاقتصاد، حتى من الفوائد أن الرضاعة الطبيعية التي جعلها الله شيئًا طبيعيًا للأم ترضع أبنها توفر ملايين بل مليارات الريالات لأيّ أمة لأنه عندما نترك الرضاعة الطبيعية فسنأخذ الرضاعة الصناعية وسنستورد الحليب الصناعي هذا لو نظرنا إليه اقتصاديًا لوجدنا أنه يكلف الأمة المسلمة ميزانيات ضخمة جدًا مع أنه كان بالإمكان أن تقوم الأم بدورها وله فوائد كثيرة جدا (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) تعلّق الابن بأمه من أعظم أسباب غرس تعلق الإبن بأمه الرضاعة لذلك نجد الآن نوعًا من الجفاء بين الأبناء وأمهاتهن لأنه لا يوجد رابطًا قويا لكن لما تستمر الأم ترضع ابنها حولين كاملين تضمه وتقبله وتمسح رأسه ويقترب من جسدها يُبنى بناء عجيبا يتكون عنده مناعة من الأمراض يكون سويًا صحيحًا ونحن في تربيتنا للأجيال لا بد أن نعتني بالعقول والأجساد كما نعتني بالمبادئ والقيم لأنها لها الأثر الكبير وديننا يقول المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف هذه لفتة ينبغي أن نهتم بها ونعيد النظر في حساباتنا مع إرضاع الأبناء. قليل جدا نرى الأم ترضع ولدها ولا بد للدولة المسلمة أن تربط الأم بابنها حتى لا يسقط هذا الحق من حقوقها. من أكثر الأسباب التي جعلت الأمهات تترك إرضاع ابنها أنها موظفة وتعمل ولم يوفر لها في مكان عملها تأتي بابنها لترضعه. من أهم حقوق لهذا الإبن أن يرتبط بأمه أينما كانت فلا بد أن نستشعر هذا المعنى وأن نبني بهذا الاهتمام إبنًا سيكون له الأثر الكبير في إصلاح المجتمع وبنائه وينبغي أن نعين على ربط الأم بابنها وأن تشجع الأمهات اللآتي يرضعن الأولاد وأن يكون هناك حملة توعوية كبيرة جدا للأمهات حتى تعلم أنها هي نفسها تحافظ على صحتها، على رشاقتها، على عواطفها عندما ترضع ابنها الصغير (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ).

من اللطائف وأنا أتأمل في هذا الموضوع ما جاء في قول الله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف: 15] العلماء كما يعلم أهل العلم يستنبطون من هذه الآية مع آية (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) مسألة تتعلق بمدة الحمل فيقولون إن مدة الحمل ستة أشهر لأن الرضاعة حولين كاملين والله تعالى يقول حمله وفصاله ثلاثون شهرا يرضع لمدة حولين، ثلاثون شهرًا إذا أخذنا منا حولين 24 شهرًا يبقى ستة أشهر إذن هذه أقل مدة الحمل. اللفتة هنا أن العلماء وهم يتكلمون عن هذه الآية لم يدخل في بالهم ولم يقولوا لماذا لا يكون النقص في الرضاع؟ لماذا لا يكون الحمل تسعة أشهر ننقص من ثلاثين شهرًا تسعة أشهر مدة الحمل ويبقى بعدها 21 شهرًا أقل من سنتين مدة الرضاع، لم يقولوا هذا كأن اللفتة هنا مدة الرضاعة حولين كاملين شيء مستقر لا يناقش فيه الرضاع حولين كاملين ما نتكلم فيها مع أن الغالب أن الحمل لا ينقص ولكن جعلوا النقص في الحمل وجعلوا الرضاعة حولين كاملين فكأن مسألة اهتمام الأم بابنها وإرضاعه حولين كاملين كأنه أمر مستقر ولا يناقش فيه لأن له الأثر الكبير على بناء هذا الطفل وصلاحه وتكوينه في المستقبل وأيضًا تقوم الأم بدورها الأمثل عندما تقوم بهذا.

أنصح كل من يسمعني الآن أن يبحث في الشبكة ويكتب فوائد الرضاعة ويقرأ والاعجاز القرآني في الاهتمام بالرضاعة والحولين الكاملين، ليس هذا مجالًا للتفصيل، فقط أنبه أن الرضاعة واهتمام الأم بها له أثر كبير جدا في بناء هذا الطفل وفي تربيته تربية جسمية تربية صحية وتربية عاطفية وجدانية كبيرة جدا لها أثر كبير جدًا لأنها تنشئ أجيالًا أصحاء أسوياء أسأل الله أن يعيننا على ذلك وأن يوفقنا للاهتداء بالقرآن والانتفاع به وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 رابط الحلقة:

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل