دروس تربوية من القرآن الكريم - (وأوحينا إلى أم موسى) - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

الحلقة الأولى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فنسأل الله جلّ وعلا أن يهدينا بهذا القرآن العظيم وأن ينفعنا به وأن يجعلنا من أهل الله وخاصته.

تربية القرآن لبُناة الأجيال هذا ما سنتحدث عنه وسنبدأ في هذه الحلقات بالأم لأنها هي الأصل في التربية وهذا من معاني الأم في اللغة لأن أم كل شيء أصله ومرجعه ومن ذلك (أمّ القرى) (فأمّه هاويه) أي مرجعه. الأم هي مرجع الإنسان، أصل الإنسان، وهي في التربية كذلك الأصل وإنا في الحقيقية ينبغي أن نهتم اهتماما كبيرا بالأم لأننا سنجد بإذن الله تعالى ثمار هذا الاهتمام في المستقبل وسنرى أثر هذا التركيز على الأم في تربية الأجيال وسيتضح لنا ذلك من خلال المعالم التي ذكرها القرآن وسأعلّق عليها إن شاء الله تعالى.

الحقيقة نحن قصرنا كثيرا في جانب الاهتمام بالنساء على وجه العموم وفي جانب الاهتمام بالأمهات على وجه الخصوص ولو أن القائمين على التربية والمهتمين بها والمعتنين بها والمتخصصين فيها ركزوا على الأم لكان هذا له الأثر الكبير جدًا في نجاح التربية حيث سيكون هناك توفير للجهود ونتائج أكبر وثمرات أكثر مما كنا نتصورها ولكننا مع الأسف الشديد لما قصّرنا في جانب الاهتمام بالنساء وفي جانب التركيز على الأم على وجه الخصوص في الجانب التربوي صرنا نعاني كثيرا في تربية الأجيال لأننا سنستقبل ابنًا فاته الكثير من القيم والكثير من المبادئ والتوجيهات التي كانت ستختصر لنا الطريق لو أننا ركزنا بداية على الأم.

نبدأ بتوفيق الله تعالى بذكر بعض المعالم القرآنية التي تفيدنا في هذا الموضوع وهو ربية القرآن لبناة الأجيال وسنقف مع قصة في القرآن العظيم تكررت كثيرا وهي قصة عظيمة مليئة بالدروس والعبر وفيها فوائد كثيرة ينبغي أن نعتني بها وهي قصة موسى عليه السلام.

موسى عليه السلام له أهمية خاصة في جانب التربية لأن الله سبحانه وتعالى ذكر جميع جوانب حياته في القرآن العظيم منذ ولادته إلى أن أهلك الله عدوه وإلى ما بعد ذلك من مواقفه مع قومه فموسى عليه السلام كما ذكر الله عز وجلّ صنع على عين ربه (ولتصنع على عيني) والتربية كما هو معلوم صناعة. فالله جلّ وعلا صنع موسى عليه السلام وصُنع موسى على عينه ورعابته جلّ وعلا وهذا له ما له من الدلائل حتى نهتم بقصته عليه السلام لنستجلي ما فيها من الدروس والعبر.

في سورة القصص التي هي من السور التي ركزت على الجانب الأولي في حياة موسى عليه السلام حيث جاء فيها نشأة موسى عليه السلام منذ بداية حياته سنقف مع آية عظيمة حول الموضوع الذي نحن بصدده وهي قوله جلّ وعلا في بداية سورة القصص (وأوحينا  من المرسلين) سورة القصص حقيقة هي تبين قصة إصلاح عظيمة، قصة نبي أرسله الله عز وجلّ ليصلح واقعًا امتلأ بالفساد وانتشر فيه الخبث والشرك والظلم والطغيان الذي كان يتمثل في فرعون وملئه فذكر الله عز وجلّ في سورة القصص بداية هذا المشروع الإصلاحي وكيف بدأ موسى عليه السلام وكيف نشأ وكيف تربى وكانت أول إشارة إلى نشأة موسى ابتداء من قول الله تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) قبل هذه الآيات قول الله تعالى (طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٤﴾) واقع غاية ما يكون في الفساد والظلم والطغيان قال الله عز وجلّ بعدها (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾) هذه إرادة الله الدائمة التي لا تتخلف (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴿٦﴾) هنا تأتي البداية (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ) لا شك أن بداية تحقيق إرادة الله جلّ وعلا في القضاء على الفساد والتمكين للمستضعفين في الأرض أهل الإيمان إرادة الله تبدأ تطبيقيًا من هنا (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) حقيقة تحتاج هذه الاية إلى وقفة وتأمل كبير خاصة ممن يعنون بالتربية وصناعة الإصلاح والتهيئة لإصلاح المجتمع.

نأخذ جزء الآية الأول (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ) الله سبحانه وتعالى أوحى والوحي هو الإعلام في خفاء وحيًا إلهاميًا ليس وحي نبوة لأن الصحيح من أقوال العلم وهو الذي عليه جماهير العلماء أن النبوة لا تكون في النساء وإنما هو وحي إلهام. أوحى الله أعلم الله أم موسى هذه التوجيهات (وأوحينا  أرضعيه) فأول معلم قرآني من معالم تربية القرآن لبُناة الأجيال تربية القرآن للأم التي هي الأصل في التربية هو (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) - وبالمناسبة أنا لا أقصد بهذه المعالم في ظلال هذه الآيات التفسير، لا، أنا أبيّن معالم تأملت الآيات واستقيت هذه المعالم من خلال الآيات فأنا لا أفسر وإنما أبين ما يمكن أن يؤخذ من دلائل هذه الآيات وما فتح الله عز وجلّ به من التأملات التي تؤخذ من هذه الآيات والقرآن لا تنقضي عجائبه وكنوزه – ماذا نريد من (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى)؟ كيف نستثمر هذا المعلم القرآني في تربية الأجيال؟ ماذا يمكن أن يكون هذا المعلم (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) كشعار لنا في حياتنا التربوية التي نحرص على تربية الأجيال فيها؟

نقول: ايها الدعاة، أيها المربّون، أيها المصلحون، إذا كان الله عز وجلّ قد أوحى إلى أم موسى هذه التوجيهات وهذه الأمور التي كان لها الأثر الكبير في صناعة موسى عليه السلام فينبغي لنا أن نوحي إلى الأم أن نُعلم الأم أن نوصل إلى الأم كل أم مبادئ التربية والواجبات التي ينبغي لها أن تستشعرها وتكون على بينة منها. نحن بحاجة ماسّة أيها المربّون، أيها القائمون على التربية على أن نبني هذه الأم بناء يؤهلها لتقوم بالمهمة العظيمة التي ينبغي أن تقوم بها. الأمهات مع الأسف الشديد في كثير من الأحيان ينقصهن جوانب رئيسية في التربية، أكثر ما يكون اهتمام النساء بالجوانب الشكلية، بجوانب عاطفية بجوانب لا تؤثر تأثيرا كبيرًا على هذا الإبن وعلى الأجيال التي نريد أن نربيها، فلا بد أن نوحي أن نُعلم أن نوصي الأم ماذا  ينبغي لها أن تكون عليه كأم مربية، نحن نعيش أزمة وعي مع الأسف الشديد وهذه من المصائب التي نعيشها، أكثر المسلمين الآن لا يعي ولا يعرف ما له وما عليه وماذا يجب عليه وماذا ينبغي له أن يقوم به، الأم ماذا يجب عليا أن تقوم به هل المسألة مسألة حمل وإرضاع هذا إن أرضعت كما سيأتي وقيام بشؤونه التي يحتاج إليها وتقوم بها كل الأمهات في الأرض أصلًأ أو أن هناك أمورا أخرى أعظم؟! فلا بد أن نُعلم الأم ما هي التربية أصلًا.

التربية باختصار وبدون تعاريف منطقية وإطالة في الكلام هي غرس مبادئ غرس قيم غرس معاني تغرس في هذا الجيل منذ أن تكون في بطنها، منذ أن خرج من أمه، التربية مبادئ تغرس ، قيم تغرس فإذا لم تكن هذه الأم على علم بما يحتاج إليه هذا الطفل من قيم، من مبادئ، من أساسيات ليكون هذا الطفل، هذا الابن عبدًا صالحًا لله في المستقبل أو يكون قائدًا في المستقبل مصلحًا له أثر كبير على نفسه  على مجتمعه وعلى أمته كلها فلا بد أن تعي الأم أنها مسؤولة ونحن نقوم بمهمة تعليم الأم، تثقيف الأم، أين هو التوجيه التربوي للأمهات في أوساطنا الدعوية التربوية؟ لما نتأمل الواقع نحزن كثيرا ونتأمل إن وجدنا شيئًا من الاهتمام بالأمهات فهو في إطار معين واشتغلنا كثيرًا بالمؤامرات التي تحاك ضد النساء ولم نهتم بالنساء أنفسهن وإنما شغلنا بما يحاك ضدها والنساء تركناهنّ وهذه أزمة نعيشها في واقعنا لذلك نجد أن كثيرا من النساء والأمهات يجهلن أشياء هي من الأساسيات والضروريات وهذا واقع ومشاهد إلا من رحم الله. فنحتاج (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) أن نوحي إلى الأمهات أن نعلّم الأمهات أن نوصل إليهن ما ينفعهن ما يبنيهن ما يؤهل الأمهات حتى يكن مربيات على المستوى المطلوب بإذن الله تعالى إذا استطعنا أن نهتم بالأمهات وأن نوجد محاضن التي توصل هذه الأمور للأمهات: أزواج، رجال، كل من له صلة بالمرأة، الأب وهو يهيئ ابنته للزواج، هذا معلم مهم جدًا.

أسأل الله  أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يعيننا على القيام بهذا الواجب وأن يعين الأمهات على استشعار دورهن بالتربية.

 

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل