آية وتفسير - (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) الفرقان)

آية وتفسير

فقرة من البرنامج الإذاعي: بك أصبحنا

تفريغ الأخت الفاضلة دلال غازي لموقع إسلاميات حصريًا

(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) الفرقان)

هاهو ربيع المؤمن قد أقبل علينا، إنه فصل الشتاء، جاء في الأثر أن الشتاء ربيع المؤمن وذلك لأن نهاره قصير فلا يشق صيامه وليله طويل فيمكن للإنسان أن يأخذ كفايته من النوم ثم يقوم للتهجد وقيام الليل بيسر ونشاط ولذلك جاء في الحديث: "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة"نسأل الله أن تعالى أن يوفقنا فيه لصالح الأعمال.

هذا مدخل جميل لحديثنا اليوم عن الصفة الثالثة من صفات عباد الرحمن التي ذكرها الله عز وجل في  سورة الفرقان بقوله سبحانه: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) الفرقان)

يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) ينتصبون لله على أقدامهم، ويفترشون وجوههم سجداً لربهم، تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم.

ما أجمل هذا الوصف!! وما أشرفه!! فقيام الليل شرف للمؤمن كما قال صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ماشئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به وأحبب من شئت فإنك مفارقه وأعلم أن شرف المؤمن صلاته بالليل وعزه استغناؤه عن الناس.

"واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل" يا له من شرف عظيم أن يقوم المؤمن بين يدي ربه وقد رقد الناس فيدعوه ويناجيه.

دعونا نتدارس حديث القرآن عن قيام الليل فإنه حديث لو تأملناه يهز القلوب ويشوق النفوس، يشوقها لإدراك فضلها العظيم، اُنظر إلى وصف الله عز وجل لعباده الصالحين في قوله: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) السجدة) تدعوهم مضاجعهم ومفارشهم للنوم والراحة لكن جنوبهم تتجافى عنها فتنهض وتقوم لعبادة الله ودعائه والوقوف بين يديه سبحانه لماذا تفعل ذلك؟ لأنها تخاف من عذاب الله وغضبه وترجو رحمة الله ورضاه يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.

وقال سبحانه في آية أخرى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (9) الزمر)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: من أحب أن يهوِّن الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في سواد الليل ساجداً أو قائماً، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. اللهم هوّن علينا ذلك اليوم ويسّر حسابه.

تأمل وصف الله تعالى لعباده المتقين في جنات النعيم: (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18) الذاريات) يقضون ليلهم في عبادة الله ودعائه ومناجاته حتى إذا ما جاء السحر انطرحوا بين يديه يستغفرونه ويسألونه العفو مغفرة الذنوب.

ذكرني هذا بقول علي رضي الله عنه في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "والله لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا يُشْبِهُهُمْ، كَانُوا يُصْبِحُونَ ضُمْرًا شُعْثًا غُبْرًا بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ أَمْثَالُ رُكَبِ الْمَعْزَى، قَدْ بَاتُوا لِلَّهِ سُجَّدًا وَقِيَامًا، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ، وَأَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا أَصْبَحُوا ذَكَرُوا اللَّهَ مَادُوا كَمَا تَمِيدُ الشَّجَرُ فِي يَوْمِ الرِّيحِ، فَهَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبْتَلَّ ثِيَابُهُمْ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ الْقَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ". رضي الله عنهم وأرضاهم

مما يدلنا أيضاً على أهمية قيام الليل للمؤمن وماله من الأثر العظيم في حياته وقيامه بأمر ربه أن الله عز وجل حث نبيه صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة منها قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) المزمل)

وقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (79) الإسراء)

وقوله عز وجل: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) طه)

اللهم وفّقنا لطاعتك وتولّنا برحمتك وخُذ بنواصينا لما تحب وترضى يا أرحم الراحمين..

 رابط الحلقة الصوتي:

 

http://www.tafsir.net/lesson/6036



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل