تفسير سورة آل عمران - المجلس 12 والأخير - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس 12 والأخير - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

قال الله تعالى : )وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ( .

هذه الآية فيها إشارة إلى بعض أخلاق أهل الكتاب ، والإِشارة هُنا خُصُوصاً إلى عُلماء أهل الكتاب من اليّهود والنّصارى فقال الله U : )وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ ( أي اذكر أيُّها النّبي e حين أخذ الله الميثاق أيّ : العهد المُؤَّكَد، وهذا التَّأكيد قد يكون تأكيداً لفظِّياً وقد يكون تأكيداً كتابيّاً وكُلُّ ذلك يُسمّى توثيق للعهد . )وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ( أخذ الله ميثاقاً وعهداً مُؤكداً على عُلماء أهل الكِتاب من اليَّهُود والنَّصارى ، أن يُوَّضِحُوا الكتاب وأن يُبيِّنوه وألاَّ يكتموه ، لا يكتُمُوا شيئاً جاءَ في هذا الكِتاب من الحقِّ الذّي أنزلَهُ الله U ومن الحقِّ الذِّي أنزله الله U في تلك الكُتُب مَا ورد من صفة النّبي e ولذلك قال

)الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ( فصفّة نبيّنا e موجودة عندهم ، بل يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . كما جاء عن أَحدهم لمّا قَدِمَ النّبي إلى المدينة .قال : أَهُوَ هُوَ . [1] يعني هذا الرَّجُل هو النّبي الذّي نُوعَد به ؟ قال : هُوَ هوَ .قال : فما أنتَ صَانع ؟ قال : عداوُتُه مَا بَقِي . لم يرضى أن يَتَّبع . وعبد الله بن سَلاَم لمّا سأله أحدُ الصّحابة : هل تعرف صفة النّبي ؟ قال : إنّي لأعرفه أشّد من معرفتي بولدي ، فإنّي أجدُ صفته في الكتاب ، ولا أدري ما صَنَعت الأُمَّهات أو كلمةً نحوها قد يقع من الأُمّ خيانة فلا تدري أَوَلُدك حقيقةً أم لا ؟ لكن هُم يعلمون يقيناً صفة النّبيّ e كما هُو عندهم في التّوراة .

هذا العَهد الأكيد الذّي أخذه الله U عليهم . ما الذِّي فَعَلُوه بعد ذلك وانظُروا العهد على عُلمائهم يعني أشرف النّاس فيهم وليس على عامَّتهم . لأنَّهم هُم أهل العلم هُمُ الذِّين يُبيِّنُون الكتاب ويُوَّضحُونه ، وهُمُ الذِّين قد يكتمُونه فماذا فعلوا ؟ قال الله : )فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ( لم يكتَفُوا فقط بالإعراض عنه . بل نبذُوه وراء ظُهُورهم دلالة على شِدَّةِ الإِعراض . الإنسان حينما يُلقي الشيء أمامه رُبَّما في حالةٍ من الحالات رُبّما ينظر إليه فلعلَّه أن يسترجعه ، يعني مظنَّة أن يسترجع هذا الشّيء . لكن إذا ألقى الشّيء وراء ظهره رُجوعه إليه ونظره إليه مرّة أخرى بعيد ، وهم مع أنّهم نبذُوا الكتاب وراء ظُهُورهم لم يكتفُوا بهذا بل اشتروا به ثمناً ، يعني استبدلُوا بآيات الله ثمناً قليلاً ، هذا الثَّمن القليل سمّاه الله قليلاً لأنّه حقير ، مهما يكن حتى لو كان الدُّنيا كُلَّها وهذا الثَّمن الذّي أخذوه هو الرئاسة ، والمال ، وما يأخذونه على أتباع ديانتهم من المُكُوس والضَّرائب الكَبيرة التّي يأخذونها . هذا هُو الثّمن الذّي أخذوه مقابل كِتمان الحقّ وعدم بيانه ، والإعراض عنه ، وبئس هذا الثمن ولذلك قال : )فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ( يعني بئس ما يستبدلون لأنَّ الشِّراء بمعنى الاستبدال .

هذه الآية من أعظم الآيات التّي تُحذِّر أهل العلم من كِتمان الحقّ ، وعدم توضيحه للنّاس ، وغِشَّهِم فيما أنزل الله عزّ وجل والتَّلبيس بسبب الأهواء أو الخوف أو الأَطماع فإنَّ من كتم شيئاً من العلم من علماء هذه الأُمّة فإنّ فيه مشابهة لليَّهود ، فإنّه يُشابههم في أخلاقهم ، فإنّ كتم الحقّ هو صفة اليَّهود . فإنَّ من كتم الحقّ من أهل العلم من هذه الأُمّة فإنّه قد شابه اليَّهُود في صفاتهم وفي أخلاقهم .

يقول - عزّ وجل - بعد ذلك )لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( .

يقول U لنبيِّه لا تَظُنَّنَّ أيُّها النّبي u أنّ الذّين يفرحُون بما فعلوا من القبائح )وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ( أن يحمدهم النّاس ويُثنُوا عليهم بخير لم يفعلوه ، )فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ( المفازة النّجاة أي بمكان نجاةٍ من العذاب وسلامةٍ منه ، بل لهم العذاب المقيم ولذلك قال الله )وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( على هذا الأمر .

هذه الآية الحقيقة فيها إشارة إلى خطورةِ أن يتلبَّس الإنسان أو أن يتشَّبَع بما لم يُعطى ، [2] فإنَّ المُتَّشَّبع بما لم يُعطى كلابس ثوبي زُور كما قال عليه الصّلاة والسّلام . فالإنسان تجده بعيد عن الله U بعيد عن طاعته ومع ذلك يُحبّ النّاس أن يحمدوه على تقواه وعلى زهده وعلى ورعه ، فهو قد جمع السَّوأتين سوأة التّقصير ، وسوأة محاولته أن يُشابه أهل الكمال وهذه من أقبح الصّفات وأخَسِّها ، ولذلك ذمَّها الله - عزّ وجل - كما في هذه الآيات ، وتوّعد عليها بالعذاب الأليم عليها يوم القيامة .

وقد استشكل هذا بعض النّاس،استشكل أن يُقال كما جاء في الرِّواية أظُّنّه مروان أو نحوٍ منه إن كنت لم أَهِمْ ، أنّه بعث إلى أحد الصَّحابة يسألهم - ولعلّه أبو سعيد - قال : إن كانَ كُلُّ رجُلٍ فرَحَ بما أوتي وأحبَّ أن يُحمدَ بما لم يفعل أنّه مُعذَّب لنُعَذَّبَنَّ أجمعون . فأجابه : إنّ هذا ليست فيك وإنَّما في أهل الكتاب خُصوصاً . وهذا جواباً على هذا الاستشكال ، وإلاَّ فالحقيقة إنّ الآية كما هو مُقرّرٌ في أصول الفقه أنّ العبرة بعموم لفظها لا بخصوص سببها لو صحَّ أنَّ فيها سبباً خاصّاً نزل بها ، ولكنَّنا لو تأَمَّلنا لفظ هذه الآية وجدناها عامّة لأنّ الله قال )لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (لكن كيف نُجيب عن هذا الإشكال : أن يُقال : إنَّ الفرح هنا ليس بما أُعطيَ الإنسان من النّعمة والمال ، وإنّما فرحُهم هنا بفعلهم للقبائح واستبشارهم بها ومع فعلهم للقبائح يتَزَّيَنُون بزينة التّقوى ، من تخلّق بهذا الخُلُق وتشبَّعَ بهذا الأمر فإنّه حقيقةً مستَحِقٌ لهذا العذاب لأنّه جمع السَّوأتين جمع فعل المنكرات والتَّظاهر بالصَّلاح ، ولذلك كما قال عليه الصّلاة والسلام : « المُتَّشبع بما لم يُعطى ، كلابس ثوبي زُور » .

ثمّ قال الله عزّ وجل بعد ذلك : )وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( يعني لله وحده دون سواه مُلكُ ما في السّماوات وما في الأرض ، مُلكُهُمَا خلقاً وإيجاداً ، وتدبيراً وإحكاماً سبحانه وبحمده ، فَلَهُ الخَلق وله الأمر . وهذا التَّعليل لمناسبة الآية لأنّ له ملك السموات والأرض، ولا يملك السّموات والأرض إلاّ من هو على كُلِّ شيءٍ قدير.

قال تعالى : )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) ) هذه الآيات الكريمة من الحسَن أن نختِم بها هذا اللِّقاء الذِّي أسأل الله U أن يجعله لقاءً مباركاً , هذه الآيات فيها دعوةٌ للتَّفكُر والنَّظر في ملكوت الله U في بديع صُنعه وجليل خلقه وتقديره سبحانه وبحمده

ولهذا استفتحت الآيات بقوله : )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ( في هذه السَّماوات التي خَلَقها وهذه الأرض التي أوجدها وما بينهما من اختلافٍ في اللَّيل والنهار ينتج عن حركة هذه النجوم والأفلاك , في هذه كلّها ومضمونها آيات بيّنه ظاهرة لأُولي الألباب , لأصحاب العُقول والنُّهى , فهذه الآية لو الإنسان أراد أن يجلس فيتفكّر في خَلق الله Uومُلكه وسَعته , كم يحتاج من النَّظر والتأمّل والتدبّر ؟! لو قضى دهره يتأمّل في آيات الله Uفي الآفاق وفي الأنفس لانقضى عُمره دون أن ينقضي هذا النَّظر في هذا الملكوت العظيم , ولذلك الحقيقة إنَّ النظر في ملكوت الله والتأمّل فيه من أعظم ما يُقوِّي الإيمان في القلب ويُعظّمه ولذلك كان التفكّر في ملكوت الله من أعظم العبادات التي دَعت إليها نصوص الكتاب والسنّة , لأنّ التفكر يُورث الإيمان في القلب والخشية والخضوع لله , ولذلك جاء في الأثر أنّ أكثر عبادة أبي ذرّ كانت التفكّر والنظر في هذا الملكوت , فالذي يقضي وقته في التفكّر في ملكوت الله Uوبديع صُنعه وجليل خَلقِه وجمال خَلقِه سبحانه يُورث ذلك إيماناً في القلب وخشيةً له وخشوعاً وخضوعاً لله Uهذا الكون العظيم الذي لا يَقدُر قَدره أحد , وما ذكروه الآن في العلم الحديث عن سعة هذا الكون لا يكاد الإنسان يُصدّقه , نحن الآن الواحد منّا كم يُشكّل من نسبة في الأرض ؟ كم قدرك في الأرض ؟ لا شيء ! هذه الأرض كم تُشكّل بالنسبة للشمس ؟! لا شيء ! والشمس كم هي في المجموعة الشمسية نفسها ؟ وفي مجرّتها ؟ ثم هذه المجرّة فيها غيرها ملايين المجرّات , حتى إنَّ بعض علماء الفلك أراد أن يُقرّب الصورة للناس فقال : الإنسان نقطة على حرف من كتاب من خمسمائة مجلد !!!

كم يُشكّل الإنسان بالنسبة لهذا الكون العظيم ؟! ولذلك كلما ازداد الإنسان تأمّلاً في هذا الكون كلما ازداد إيماناً بالخالق جلّ وعلا .

ولذلك لمّا سُئل الأوزاعي عن غاية التفكّر في هذه المخلوقات : ما الغاية منها ؟ قال : ( أن يقرأها وهو يعقلهنّ ) بأن تقرأ هذه الآيات وأنت تعقلها , هذه الآيات التي سنتدارسها أن يقرأها الإنسان وهو يََعقل معناها ودلالتها وما تُشير إليه وتدُل عليه .

قال الله U : )لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ( لأصحاب العقول , من هم أصحاب العقول الذين يتذكّرون منها ؟ هل هم الذين يُتقنون علم الرياضيات أو علم الفيزياء أو غير ذلك من علوم الناس ؟ كلاّ , انظروا ما هي صفات هؤلاء أصحاب العقول والنُّهى :

قال : )الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( .

قال : )الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ( أي يُديمُون ذكر الله U في قلوبهم وعلى ألسنتهم وعلى جوارحهم , يذكرون الله U على كلّ أحيانهم , ولهذا قال : )الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا ( في حال قيامهم )وَقُعُودًا ( حال قعودهم )وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ( أي وهم مُضطّجعون , وذِكـر هذه الأحوال التفصيلية دلالة على الاعتناء بمبدأ ذِكـر الله U أنّ الإنسان يكون ذكره لله على كل أحيانه سواء كان قائماً أو قاعداً أو مُضّطجعاً , فإذا ذكر الله على هذه الأحوال دلّ على أنّ ذِكر الله مُصاحبٌ له في كل أحواله , وهذا هو الذي ينتفع بتفكّره , الذِّي يُديم ذكر الله U واستحضار عظمته , وأعظم مـا يَبعث في الإنسان استحضار عظمته - عز وجل - أن يتأمّل في ملكـوت الله U)يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ (ذكـر الله يُورث أي شيء ؟!)وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ( يعني يُعملُون فِكرهم ونظرهم في خلق السَّماوات والأرض , كيف خَلَقَ الله السماوات والأرض وكيف أوجدها وكيف بثّ فيها هذه الكائنات العظيمة المتنوعة التي لا يُحصِيها أحد , وهذا النظام البديع الذي تجري عليه هذه النُّجوم غايةً في الإتقان وغايةً في الدقّة على نحوٍ لا يَميل ولا يَحيد )وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا(ذِكـر الله والتفكّر في خلقه يُورث الإيمان به والتسليم له ولذلك قالوا : )مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا( التفكّر وذِكر الله يُورث اليقين والإيمان )مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا( مُحَـال أن يكون هذا الخلق العظيم خُلق عبثاً وخُلق باطلاً لغـير غـاية )مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ ( تنزّهت عن العبث , تنـزّهت أن تخلق هذه المخلوقات العظيمة دُون حكمة ودُون غاية , ثمّ سألوا الله عز وجل أن يقيهم عذاب النّار فقالوا : )فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(بمعنى جنبّنا عذاب النار وذلك بأن يُوفقهم إلى عمل الصالحات , فإنّ من وُفّق إلى عمل الصالحات وأُعين على ترك السيئات فقد جُنّب عذاب النار .

ثم قالوا : )رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( هؤلاء المُتفكِّرون الذاكِرون المُتدبِّرون الذِّين يسألون الله U يقولون يُخاطبون ربهم مُتذلّلين إليه خاشعين له يقولون : )رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ( يعني من دخل النار فقد خَزِي , نعم والله إنّ النار هي الخزي العظيم لأهله , لا خزي بعده , ومن سلِم منها فقد نجا وفاز فوزاً عظيماً ومن دخلها فقد خزي الخزي العظيم الذي لا خزي بعده )إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( والإشارة إلى الظالمين هنا إشارة أنّ الذين يدخلون النار هم الظالمين , فالظالمون هم الذين يستحقّون ويستوجبون دخول النار , وهؤلاء الظالمون المُعتدون ليس لهم أنصار ينصرونهم من الله ولا أنصار يمنعونهم من دخول النار )وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( .

ثمّ قال U : )رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ(انظروا غاية التذلّل والخضوع لله U وانظروا عِظم التوسّل إليه والتقرّب منه U بأعظم ما يتقرّب به العبد من ربه, فقالوا : )رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا ( يعني سمعنا داعياً , المُنادي هو الداعي )سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ ( يعني داعٍ يدعو إلى الإيمان , وقوله : )مُنَادِيًا يُنَادِي ( لاشكّ أنّ المُنادي أنّه يُنادي ومن يُنادي فهو مُنادي فالجمع بين الأمرين من باب التأكِيد لأنّ هذا الرجل الذي يُنادي كأنّه ليس له مَهمّة إلا النداء إلى الإيمان )سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ ( سمعنا داعياً يدعوا إلى الإيمان , يعني لا يدعو إلاّ إلى الإيمان , معناها أنّ كل ما جاء به الرسول e هو دعوة للإيمان وكل ما شرعه عليه الصلاة والسلام هو دعوة إلى الإيمان بالله U وهذا معنى قوله : )وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى( .

)سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ ( هذا المُنادي يقول : )أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ ( انظروا هذا التأكيد لمَهمّة النبيّ ذَكَر الداعي مرتين )مُنَادِيًا يُنَادِي ( ذكر المُنادي مرتين , والإيمان ذكره مرتين أيضاً )يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ ( فهو تأكيد على أنّ مهمّة النبيّ u هي الدَّعوة إلى الإيمان وأنّه لا يدعو إلاّ إلى الإيمان بالله )أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا( اتبّعناه صدّقناه أقررنا بما دعا إليه وانقدنا إليه ، واتبّعنا شريعته واستجبنا لأمره ونهيه فقنا عذاب النار هذه أعظم ما يتوسّل بها المؤمنين إلى ربهم , يتوسلّون إليه بإيمانهم نحن لا نملك شيئاً نتوسّل إلى الله به أعظم من الإيمان به ، لا نملك شيئاً نتوسّل إلى الله به أعظم من قولنا لا إله إلا الله , هذه الكلمة التي نرجو إن شاء الله بها أن نُعصم وأن نسلم وأن ننجو , هذه أعظم ذخيرة يدخرّها المؤمن عند الله - عز وجل - كلمة التوحيد وإيمانه بالله U , لذلك هؤلاء المؤمنون لم يتقربّوا إلى الله عز وجل ولم يتوسلّوا إليه بغير إيمانهم وتصديقهم بالنبي eليس بأعمالهم وليس بجدّهم واجتهادهم ولا جهادهم ولا الخير الذي بذلوه , وإنما تقربّوا إليه وتوسلوا إليه بإيمانهم وتصديقهم للنبيّ e وهذا أعظم ما يُتوسل به المؤمنون بإيمانهم بالله وتصديقهم لرسوله , وهذه هي التي نرجو بها أن يُكفّر عنا ربّنا سيئاتنا)فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا (الغَفْر : بمعنى التغطية والستر , اغفر ذنوبنا أي استرها لنا وتجاوز عنا )وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ( فاستر ذنوبنا بفضلك وكفّر سيئاتنا وذلك بتوفيقنا للعمل الصالح , فقوله : )فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ( هذا كما تقدّم معنا في الدرس السابق أنّها ألفاظ مُتقاربة في المعنى مُتباعدة في لفظها , فبعض أهل العلم يقول إنّ التكفير والمغفرة بمعنى واحد وبعضهم يحمل هذه على معنى وتلك على معنى , فمغفرة الذنوب سِترها ، والتَّكفير يكون بعمل الصالحات )وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ( انظروا كمال الخضوع لله U ومعرفة مَقَامِه U أنّهم سألوا الله أن يتوَفَّاهم مع الأبرار بأن يكونوا من الأبرار الذين يتوفاهم , فهم لم يثِقوا بما عندهم من العمل ولا بما عندهم من العلم بل علِموا أنّ ذلك قد يحول ويزول وأنّ ذلك قد يتقلّب ويتصرّف ويتحوّل ولهذا فزِعوا إلى الله U أن يتوفاهم مع الأبرار أي أن يُثبتِّهم على الإيمان حتى يموتوا كما يموت الأبرار . هذا معنى)وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ( فالتوفّي مع الأبرار أن يُوَّفقوا للعمل الصالح وأن يموتُوا على العمل الصالح .

ثمّ قال الله U عنهم : )رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( ثمّ سألوا الله U بعد ذلك أن يُعطيهم ما وعدهم على ألسنة رسله وقد وعد الله عباده المؤمنين على ألسنة رسله بأمور :

وعدهم أولاً بهدايتِهم إلى الحقّ وسبيل الرشاد والطريق المُوصل إليه .

وعدهم أيضاً بالنصر على عدوّهم والتمكين لهم في الأرض .

ووعدهم أيضاً بدخول الجنّة والسلامة من النار , وهذه أعظم الموعودات التي وعد الله بها عباده المؤمنين الذين اتبّعوا رسله )وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ( في الدنيا من التوفيق والهداية والنصر )وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( أي لا تفضحنا يوم القيامة , ومعنى ذلك أي لا تفضحنا بذنوبنا التي ارتكبناها في الدنيا ، ولا تفضحنا بعذابك لنا يوم القيامة ولا تفضحنا بدخول النار يوم القيامة )إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( فالله U لا يُخلف وعده لأنّه القادر والمالِك فلا يمنعه شيء من الوفاء بما وعد سبحانه وبحمده وتبلغ هذه الآيات العظيمة وهذا التذلُل لله U ومناجاة الله والخضوع بين يديه هذا المبلغ , فتنزل الآيات للإجابة عليه .

وتأمّلوا أنّ الإجابة تأتي مُبتدئةً بحرف الفاء )فَاسْتَجَابَ لَهُمْ (يدلّ على أنّ هذه الإجابة جاءت بعد الدعاء مُباشرة, قال الله U : )فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ( وانظروا اللفظ في الآية حيث قال الله : )فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ( فذكر لفظ الربوبية , ولفظ الربوبية مرتبطٌ بالإنعام والإحسان ولذلك ناسب أن يُذكر , ما قال فاستجاب لهم الله , وإنما قال : )فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ (لأنّ لفظ الربوبية يتعلّق بالإنعام والخلق والإيجاد والعطاء , ولذلك قال : )فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ( أي استجاب لهم دعاءهم وما سألوا الله , ثم قال سبحانه وبحمده : )أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ ( يعني استجاب دعاءهم قائلاً لهم : )أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ (أي لا أُضيع ثواب عاملٍ عمل منكم سواء عَمِل قليلاً أو كثيراً سواء كان العامِل ذكراً أو أُنثى )بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ( يعني أنتم مِثل بعض في أصل خلقكم , أنتم كلكم أبناء آدم من ذكرٍ وأنثى ، وأنتم )بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ( يعني مُتساوون في التكليف , فأنتم مُتساوون في أصل الخلق مُتساوون في التكليف , ولذلك لا يضيع الله أجر العاملين من الرِّجال ومن النِّساء , وهذا من فضل الله U ورحمته وعدله , فلا يزيد لذكرٍ لأنّه ذَكَر ولا ينقص لأنثى لأنَّها أنثى , بل الله يُوفّي لكل عاملٍ عمله ولا يُضيع أجره .

ثم قال U

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل