روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الرابعة - الدرس الثالث - د. محمد علي الشنقيطي

مساق تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

 

منصة زادي

الوحدة الرابعة: قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخر السورة

الدرس الثالث: قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

في هذا اللقاء الأخير من هذا الدرس من دروس التفسير لفاتحة الكتاب عند قوله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

سبق أن تحدثنا عن هذا الدعاء العظيم الذي ذكر في سورة الفاتحة (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فتكلمنا وتحدثنا عن قوله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) هذا الصراط الذي بيّن في القرآن وبيّن في السنة وبقي أن نعلم ما سوى الصراط المستقيم وأن ما سوى هذا الصراط المستقيم هي السُبُل، سبل الضلالة وسبل الغواية. وهذه السبل الكثيرة من أبرزها صراط اليهود وهو صراط المغضوب عليهم وصراط النصارى وهو صراط الضالين، رغم أنه يدخل تحت مسمى المغضوب عليهم طوائف كثيرة تبع لليهود، ويدخل تحت مسمى الضالين طوائف كثيرة ساروا على خطى النصارى.

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع سبل اليهود والنصارى وقال عليه الصلاة والسلام: "لتتبعن سننن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جُحر ضبّ لاتبعتموهم، قالوا اليهود والنصارى؟ قال إذا فمن". فدلّ على أن هذه الأمة منها من يتبع اليهود على منهجهم وعلى طريقتهم، ومنهم من يتبع النصارى، واليهود والنصارى طرفي نقيض وهما طرفا الوسط، والوسط هو الإسلام، ولهذا هذا الدين وسط ليس فيه تطرف كتطرف اليهود وليس فيه تساهل كتساهل النصارى، وليس فيه أيضًا إلا الوسط وخير الأمور الوسط والحسنة بين سيئتين.

يدخل في هذا الصراط المستعاذ منه صراط المغضوب عليهم (صراط الزيادة في الحد) وهي ما تسمى بالطغيان. وهذا الطغيان هو مخالف لصراط الذين أنعم الله عليهم ولهذا قال تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:112) لا تطغوا أي لا تزيدوا على الحد لأن الطغيان هو الزيادة. وأيضا لا تنقص عن الحد والنقص هو ظلم وهو أيضا ضلالة. فعلى ذلك، اليهود أصحاب زيادة والنصارى أصحاب نقص، فاليهود أصحاب علم ولم يعملوا بهذا العلم فعندهم علم ولم يعلموا به فحقّ عليهم الغضب، بينما النصارى أصحاب عمل بلا علم، والعمل بلا علم نقص، والعلم زيادة ولكنه إن تخلف عنه العمل كان أيضا نقصا وترتّب عليه الغضب، ولذلك ذكر الله اللعنة على العلماء الذين يكتمون العلم قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (59) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (60) البقرة).

فاليهود كتموا العلم – كتموا معرفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)، وكتموا ما جاء به موسى عليه السلام من الأحكام الموافقة للإسلام كحكم الرجم وغيرها وقالوا إنها ليست من أحكام الله، والنبي صلى الله عليه وسلم بين لهم أنها في التوراة  (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران: 93) وغير ذلك من الأحكام التي هي في توراتهم وفي أناجيلهم وكتموها وبدّلوها وغيّروا وحرفوا، لذلك هم ظالمون لأنفسهم مغضوب عليهم بفعلهم رغم العلم الذي عندهم من الله سبحانه وتعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الشريعة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا هذه الشريعة التي جاءت في القرآن لا تختلف عما جاء بها موسى وعيسى عليهما السلام إلا في بعض الأمور التي هي من باب التخفيف والنسخ الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من باب الرحمة بهذه الأمة (وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) (أل عمران:50).

اليهود طائفة تنسب لموسى عليه السلام وهو بريء منهم لأن موسى عليه السلام بعث بالإسلام، وعيسى عليه السلام بعث بالإسلام، وكل الأنبياء بعثوا بالإسلام، ولهذا إبراهيم عليه السلام وهو أبٌ لجميع المسلمين (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) (الحج:78).وجميع الأنبياء من بعد إبراهيم هم من أبنائه كما قال الله تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) (العنكبوت:27) فجميع أبناء إبراهيم مسلمون والأنبياء الذين بعثوا فيهم أيضًا مسلمون، ولهذا فإنه لا ينبغي أن يوصف أحد من الأنبياء بغير الإسلام ولا يوصف أحد من أتباعهم إلا بالإسلام، وشهد على ذلك القرآن فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام في سورة البقرة يقول الله عز وجل عنه (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) البقرة) هذا إبراهيم يوصي ويعلن إسلامه ويوصي أيضًا أبناءه بالإسلام وهذا إسماعيل عليه السلام وإبراهيم يعلنان إسلامهما بعد بناء البيت (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) البقرة).

وهذا يعقوب عليه السلام وهو إسرائيل يطمئن على أن أبناءه على الإسلام عند موته، قال الله جل جلاله (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة:133) فدلّ على أن الإسلام هو دين إسرائيل وهو دين بني إسرائيل الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام، وإسماعيل عليه السلام، وإسحاق عليه السلام، ويعقوب عليه السلام، وحتى أبناء يعقوب عليه السلام أيضا أشهدوا الله على أنهم مسلمين وأشهدوا والدهم (واشهد بأنا مسلمون) كما قال أيضا الحواريون لعيسى عليه السلام.

وهذا يوسف عليه السلام يعلن إسلامه وهو يدعو ربه قال تعالى على لسان يوسف (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101).

وهذا عيسى عليه الصلاة والسلام يعلن إسلامه ويعلن أيضًا الحواريون الإسلام بين يديه، قال تعالى في شأن عيسى عليه السلام وقومه (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:52) ولم يقولوا اشهد بأنا نصارى. وغير ذلك من الشواهد الدالة على إسلام الأنبياء جميعًا. وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن إسلام الأنبياء جميعًا لله سبحانه وتعالى في عموم قوله تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران:19) وفي قوله تعالى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)

فالمسلم يقول في صلاته "اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم " من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وهؤلاء هم المسلمون منذ بدء الخليقة إلى قيام الساعة. هؤلاء هم المسلمون ملتهم واحدة وأمتهم واحدة إلى قيام الساعة (أمة الإسلام). وأما اليهودية فهي طريقة باطلة مغضوب على أهلها، والنصرانية طريقة باطلة ضالة مغضوب على أهلها.

(اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم ) بالهداية للإسلام (غير المغضوب عليهم) الذين لم يهتدوا للإسلام (ولا الضالين الذين أيضا لم يهتدوا للإسلام. فكل من علم ولم يعمل بعلمه فقد سار على طريق المغضوب عليهم، وكل من عمل بلا علم فقد سار على طريق الضالين، فوجب للخروج من الغضب أن نعمل بما علمنا وللخروج من الضلالة أن نعلم قبل أن نعمل، فمن عمل بلا علم كان ضالًا، ومن علم ولم يعمل كان في طريق المغضوب عليهم.

 

أعاذنا الله وإياكم من غضبه ووفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل