روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الرابعة - الدرس الثاني- د. محمد علي الشنقيطي

مساق تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

 

منصة زادي

الوحدة الرابعة: قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخر السورة

الدرس الثاني: قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم)

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ما زلنا مع فاتحة الكتاب. يقول الله عز وجل (صراط الذين أنعمت عليهم)

تقدم معنا في الدرس الماضي (اهدنا الصراط المستقيم) وهذا الصراط المستقيم هو صراط الله عز وجل، الصراط الموصل إلى الله، هذا الصراط الذي من سار عليه وصل إلى الله ونظر إلى الله وجلس في مقعد عند مليك مقتدر عند الله سبحانه وتعالى في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) (القمر:55) (إن ربي على صراط مستقيم) (هود: 56).

إذن هذا الصراط الذي يوصلك إلى الله لا يهدي إليه إلا الله سبحانه وتعالى ولا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه وتعالى، فالله يعلمك من هذا الصراط ما يدلك عليه، ثم إنه جلّ جلاله يأخذ بناصيتك إلى هذا الصراط ويثبتك عليه. ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت في الدنيا والآخرة.

(اهدنا الصراط المستقيم) هذا الدعاء هنا جاء بعد عبادة، وهذه العبادة انقسمت إلى قسمين.

القسم الأول: العبادة العلمية وهي التي دلت عليها الآيات الثلاث (الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين) هذه كلها علم عن الله عز وجل.

ثم العبادة العملية جاءت بعد العبادة العلمية وهي (إياك نعبد)

ثم العبادة بعد ذلك الثالثة وهي عبادة الدعاء والطلب - عبادة الاستعانة بالله عز وجل بعد العلم به وبعد العمل له ومن أجله وبأمره تأتي العبادة الثالثة التي هي الدعاء ومن أهم الدعاء الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم لأن الله عز وجل يهدي من يشاء ولا أحد يستطيع أن يهدي أحدًا فلا يملك هذه الهداية إلا الله (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) (القصص: 56). وأجلّ المطالب وأفضلها وأعظمها طلب الهداية، ولذلك أهل الجنة في الجنة إذا دخلوا الجنة لا يتذكرون من نعم الله التي أنعم عليهم في الدنيا وهي كثيرة إلا الهداية، ولهذا قال الله عز وجل عنهم (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: 43). فبين لنا ربنا سبحانه وتعالى أن هذه النعمة من أجلّ النعم ومن أجلّ المطالب وأن من هداه الله عز وجل فقد أنعم عليه وأكرمه ولذلك يقول الله عز وجل (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) (الأنعام: 125). فانشراح الصدر للإسلام هو معنى الهداية. (اهدنا الصراط المستقيم) اشرح صدورنا للصراط المستقيم وحبب الصراط المستقيم إلينا واجعلنا نسير عليه ونثبت عليه ونصبر عليه ولا نلتفت عنه البتة ولا ننحرف عنه البتة.

وهذا الصراط المستقيم هو الطريق المستقيم والذي أحيط بالسُبُل عن يمينه وعن شماله. وقد جلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ذات يوم على الأرض وخطّ خطًّا في الرمل مستقيمًا ثم خط خطوطًا عن يمين هذا الخط وعن شمال هذا الخط ثم تلى قول الله عز وجل (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) (الأنعام: 153) لأن السبل تتفرق عن سبيل الله، وتصد عن سبيل الله، وجعل الله من أخطر الأمراض ومن أخطر الذنوب: الصد عن سبيل الله. ومن اعتقد اعوجاجًا في الشريعة الإسلامية أو في هذا الدين فقد كفر لأن هذا الدين صراط مستقيم لا إعوجاج فيه بدايته الدنيا ونهايته الجنة. وهذه الهداية لا تُطلب إلا من الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يملكها ولا يملكها أحد سواه. وهذه الهداية نعمة من الله ابتداء والتثبيت عليها نعمة منه أخرى، والدعوة إليها نعمة أخرى منه. ولا يزال الناس في زيادة من الهداية ما داموا يقولون (اهدنا الصراط المستقيم).

(صراط الذين أنعمت عليهم) والذين أنعم الله عليهم هم درجات: النبيون أنعم الله عليهم بهداية ليست كهدايته للصديقين، والصديقون أنعم الله عليهم بهداية ليست كهدايته للشهداء، والشهداء أنعم الله عليهم بهداية ليست كهدايته لبقية الصالحين، فكل يهدي الله عز وجل (أولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (الأنعام:90)

والنعمة كما تنسب إلى الله (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم) هنا نسبت نعمة الهداية إلى الله عز وجل وحده لأنه لا يملك هذه النعمة إلا هو، والله عز وجل ينعم على من يشاء بما يشاء ومن أنعم الله عليه بنعمة الهداية ساق له الدنيا بحذافيرها والآخرة بحذافيرها " وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ"(محمد: 17) إذا آتاهم تقواهم، آتاهم بسبب التقوى الدنيا والآخرة (ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب)

هنا بين لنا الله سبحانه وتعالى أن النعم التي أنعم الله عز وجل بها من الأدب معه أن تنسب إليه (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النحل:53) ومن نسب النعم إلى الله فقد أحسن الأدب مع الله أما من نسي أن ينسب النعم إلى الله ونسبها لنفسه أو لغير الله فهذا قد كفر بالنعمة كحال قارون. قارون آتاه الله الملك وآتاه المال، ولما آتاه الله المال نسي وجحد أن ينسب ذلك الفضل لله عز وجل قال (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) (القصص: 78) والله عز وجل يقول (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) (القصص:76). فعلى ذلك آتيناه من الكنوز – الله الذي آتاه لكن هو قال إنما أوتيته على علم عندي فنسب ذلك الإيتاء لعلمه ونسي أنه فضل من الله عليه.

(اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم) وبين الله عز وجل أن النعمة الكبرى هي الهداية وقد ذكر الله ذلك في قوله تعالى "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3). والخلق لهم أحوال مع هذه الهداية ومن أحوالهم معها:

أن هنالك من يهدى إلى الصراط علمًا، ويحرم من السير عليه عملًا، فيكون عنده علم وتفاصيل الصراط (عالم بتفاصيل الإسلام) لكن لم يهدى للعمل بما علمه، هذا صنف.

وصنف جاهل لكن يعمل بلا علم.

والصنف الثالث عالم وعامل. ثلاثة أقسام:

1.      علِم الصراط وعمل بالمقتضى فهذا منعَم عليه بالعلم، ومنعم عليه بالعمل، ومنعم عليه بالثبات. كم نعمة؟ ثلاثة (علم الصراط والسير على الصراط والثبات على ذلك السير إلى لقاء الله) وهذا أفضلهم.

2.      الثاني: أنعم عليه بعلم الصراط، وأنعم عليه بالسير على الصراط لكن لم ينعم عليه بالثبات فتارة تزل قدمه وتارة يزل وتارة يرجع.

3.      الثالث: أنعم عليه بعلم الصراط فقط ولكن ضلّ عن العمل فلا يعمل بما علم.

فهؤلاء الثلاثة: الأول منعم عليه كمال النعمة وهو الأول (عَلِمَ عِلْمَ الصراط وعمل وثبت) هذا سابق بالخيرات. الثاني علم وعمل ولم يثبت خلط عملًا صالحًا وآخر سيئا. الثالث علم ولم يعمل (ظلم نفسه). وهنالك من لم يعلم وعمل وهنالك من علم ولم يعمل فانقسموا إلى ثلاثة أقسام هي خلاصة أحوال الناس مع الصراط:

·         ناكب عن اليمين

·         وناكب عن اليسار

·         ومستقيم في الوسط (كَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143) هذه الأمة الوسط أمة الاستقامة على الصراط لا تميل ذات اليمين ولا تميل ذات الشمال، لا شرقية ولا غربية. هذه الأمة أمة الاستقامة، أمة الوسط. الطرفان اليهود من ناحية والنصارى من ناحية، فاليهود علموا الصراط ولم يثبتوا عليه ولم يعملوا بمقتضاه، والنصارى جهلوا الصراط فعملوا بجهل فكان هؤلاء مغضوب عليهم لوجود العلم عندهم وعدم العمل به، وكان هؤلاء ضالون لعدم وجود العمل وأنهم يعملون ما لا علم لهم به. بينما أهل الإسلام علموا وعملوا واستقاموا ولهذا قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:112) فلا زيادة على صراط الله وشرعه ولا نقص منه بل استقامة عليه كما جاء لا زيادة ولا نقص وثبات حتى لقاء الله (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23) ذلكم هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

 

جعلنا الله وإياكم منهم ومعهم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل