روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الرابعة - الدرس الأول - د. محمد علي الشنقيطي

مساق تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

منصة زادي

الوحدة الرابعة: قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخر السورة

الدرس الأول: قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)

(تفريغ وتنقيح بعض الأخوات المشاركات في الدورة)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مازلنا وإياكم مع فاتحة الكتاب وقد توصلنا إلى هذ الآية (اهدنا الصراط المستقيم).

هذه الآية هي الآية الرابعة من آيات الفاتحة ، وسنتناول الحديث عن هذه الآية من عدة جوانب:

أولا من خلال مفردات الآية (اهدنا) والحديث عن الهداية، (الصراط) والحديث عن لفظ الصراط، و(المستقيم) وصفة الاستقامة، ثم نعود ونتحدث عن مراتب الهداية وما يتعلق بها، والاستقامة وما يتعلق بها.

أما قوله (اهدنا) فهذا هو طلب الهداية من الله عز وجل، والهداية كما تعلمون تنقسم إلى أربعة أقسام في القرآن، هنالك:

هداية الإلهام:وهي هداية عامة، وقد ذكرها الله عز وجل في سورة الأعلى فقال تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ (3)) أي قدرالرزق فهدى له: قدر الرزق المخلوق كائنًا من كان وهداه لرزقه، فهدى السمك لرزقه في البحر، وهدى الحيوانات لأرزاقها في البر، وهدى النحل إلى الجبال وإلى البيوت وإلى الشجر، وهدى كل مخلوق لما يصلحه. فتجد أن غذاء الأسد ليس كغذاء الحمار - ولله المثل الأعلى- السباع تأكل اللحوم والأنعام تأكل النباتات ولا تأكل اللحوم. والطيور أيضًا لها رزقها (الحبّ وغير ذلك، فكلٌ له رزق هدي إليه، ولو قدم له أفخم أنواع الرزق الثاني الذي ليس مقدر له لا ينظر إليه. هذه الهداية تسمى الهداية الغريزية أو الهداية العامة التي جعلها الله عز وجل في جميع مخلوقاته. ويدخل فيها هداية الخروج من الرحم: من الذي هدى الطفل في بطن أمه إلى أن يجعل رأسه إلى أسفل ويضرب برأسه على الرحم حتى يخرج؟ هذه هداية، ثم الله عز وجل يقول (إنا هديناه السبيل) ويقول (ثم السبيل يسره). ثم كذلك الهداية إلى الرضاعة، من الذي هداه إلى أن يرضع من الثدي الأيمن والثدي الأيسر؟ كل هذا يسمى الهداية العامة وهي الهداية للزرق.هذه الهداية العامة منّة من الله ومنحة لجميع خلقه.

هداية الإرشاد: وهذه الهداية تنقسم لقسمين:

هداية إلى الخير وهي إرشاد إلى الخير،

وهداية إلى الشر.

والله عز وجل ذكر هداية الخير عن النبي صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)) (الشورى) وذكر أيضا هداية الشر عن فرعون (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر: 29) وطبعًا ما هداهم إلا إلى سبيل الدمار والهلاك والعذاب الأليم يوم القيامة. هذه الهداية بشطريها الخيرية والشرّية.

هداية التوفيق: وهي هداية ملك لله عز وجل خاص بالله لا يملكها سواه ولا يهبها إلا هو كما قال سبحانه وتعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56)

الهداية الرابعة: هداية اختيار الخير: أن يختار الله لك الخير من الأخير من الشيئين وهي ما يدخل في باب الاستخارة، أن يختار الله لك ويهديك إلى رشدك، وهذا من باب أيضًا التوفيق وهو اختيار الله عز وجل لك فيما بين أمرين لا تدري أيهما أهدى وأيهما أخير.

************

(اهدنا الصراط المستقيم) معنى الهداية لغة مشتق من هاد إذا مال ومنه قوله تعالى "هدنا إليك" أي ملنا إليك، والميل عن الطريق الذي كانت النفس تسير عليه وكان الشيطان يسوّله، فالإنسان منحرف، ضالّ حتى يهديه الله كما ورد في الحديث "كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم".

أما (الصراط) فهو لغة مشتق من الصرط وهو البلع فالإنسان عندما يأكل ويمضغ يصرط. هذا الطريق الذي هو المرّي/المريء يسمى صراطًا فاللقمة إذا دخلت معه لا تستقر إلا في المعدة، فكذلك الإنسان إذا سار على هذا الطريق الذي هو الصراط المستقيم لا يستقر إلا في الجنة بإذن الله – بداية هذا الصراط في الدنيا ونهايته في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ولذلك أطلق الله عز وجل وعليه الصراط المستقيم.

وهذا الصراط ذُكر في القرأن معرّفًا، وذكر أيضا مُنكّرًا. معرّفًا بالإضافة ومعرّفًا بالألف واللام، فهنا ذكر معرّفًا بالألف واللام (الصراط المستقيم) وذكر في الآية التي بعدها معرفا بالإضاقة (صراط الذين أنعمت عليهم) فهو الصراط المستقيم معرف بذاته وهو صراط الذين أنعم الله عليهم. وهذا الصراط ذكر في القرآن:

تارة مضاف إلى الله (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (الشورى: 53)

وتارة مضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) (الأنعام: 153)

وتارة مضاف للمؤمنين "صراط الذين أنعمت عليهم" وتارة غير مضاف مثل "الصراط المستقيم" فتكون أحوال الصراط في القرأن أربعة:

1.      أن لا يكون مضافًا مثل: (الصراط المستقيم)

2.      أن يكون مضاف لله: (صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض)

3.      أن يكون مضاف للنبي صلى الله عليه وسلم (وأن هذا صراطي مستقيما)

4.      أن يكون مضاف للمؤمنين (صراط الذين أنعمت عليهم)

 

إذا كيف نجمع بين هذه الإضافات؟ هو مضاف لله لأن الله الذي شرعه، ومضاف للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أول من سار عليه وبينه وفصّله، ومضاف للمؤمنين لأنهم السائرون عليه الثابتون عليه المستقيمون عليه فهو صراطهم الذي يسيرون عليه وهو صراط النبي الذي سار عليه وبيّنه وهو صراط الله الذي شرعه وهدى إليه (اهدنا الصراط المستقيم).

أما قوله "المستقيم" فهو صفة لهذا الصراط لأن الصراط لا يكون صراطًا حتى يكون واسعًا مستقيمًا نيّرًا. يكون فيه نور واسع يشمل المارة، فإذا كان فيه اعوجاجات لا يسمى صراطًا، وإذا كان ضيقًا لا يسمى صراطا، وإذا كان مظلمًا لا يسمى صراطًا. إذا هذا الصراط هو المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

ما هي مكونات هذا الصراط؟ هي كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، كتاب الله وسنتي.(اهدنا الصراط المستقيم) أي اهدنا كتابك واهدنا سنة نبيك لأنهم الصراط المستقيم. فالقرآن وحده صراط والسنة صراط وهما معا يكوّنان الصراط المستقيم (صراط الذين أنعمت عليهم) لأن الذين أنعم الله عليهم هم السائرون على كتاب الله وسنة رسوله لا يحيدون عنها قيد أنملة.

عندما قال (اهدنا الصراط المستقيم) فالهداية تكون هداية التوفيق أي وفقنا لهذا الصراط، وهداية تثبيت أي بعدما هديتنا ثبتنا عليه ومن ذلك قوله تعالى (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: 8] ومنها أيضا هداية الإرشاد – أرشدنا ونورنا وعلمنا عن معالم هذا الصراط حتى نعلمه ونتبين – فأصبح السائرون على هذا الصراط منهم العالم به وهذا في قمة هذا الصراط وفي مقدمة السائرين، ولذلك الله عز وجل قال عن هؤلاء العلماء (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11]. فالسير على الصراط يقتضي:

·         عِلمًا بهذا الصراط

·         ويقتضي صبرًا على السير على هذا الصراط

·         ويقتضي رفقةً يسير معهم على هذا الصراط ولهذا لا يقبل الله السائر وحده بعيدًا عن الناس بل أمر الله عز وجل الناس أن يسيروا مع بعضهم في هذا الصراط. وهذا المعيّة لا تقتضي الزمان ولا تقتضي المكان فنحن اليوم وفي هذا العصر وفي هذا القرن العشرين ونسير مع ركب الصراط المستقيم الذي في مقدمته النبيين، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، والله عز وجل يقول (فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69]. النبيون جميعًا على صراط مستقيم، والصديقون جميعًا على صراط مستقيم، والصالحون وهم كذلك على صراط مستقيم، وحسن أولئك رفيقًا.

 

قبل النهاية أبين أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الصراط هناك سُبُل تحرفه وتحرّف عنه لعلنا نبينها في الدرس القادم بإذن الله.وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وثبتنا وإياكم على الصراط المستقيم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل