دورة سحر البيان في تعدد القرآءات - المجلس 48 - آل عمران - د. محمود شمس

دورة سحر البيان في تعدد القرآءات القرآنية – 1437هـ

المجلس 48 – توجيه القرآن من الآية 97 في سورة آل عمران

د. محمود شمس

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

توقفنا عند قول الله تبارك وتعالى: (وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).والقرآءة الأخرى بفتح الحاء: (وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) والعلماء في توجيه هاتين القراءتين على فريقين:

- منهم من يرى أن الحَج والحِج بمعنىً واحد.

- والفريق الثاني يرى أن بينهما فرقا، واستدلوا بأدلة قوية، ما الفرق بين الحَج والحِج عند من يُفرّق؟

أولًا: كلمة (حَج) بفتح الحاء هي مصدر من (حَجَّ حَجًّا)، أي: قصد البيت الحرام، فهي تدل على معنى القصد وقصد بيت الله الحرام. هذا معنى الحج.

أما (الحِج) بكسر الحاء فهو اسم للعمل، أي: هو قصد للبيت الحرام مع أعمال يؤديها الحاج، وهي الأفعال التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلموقال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم".

إذن الحِج: هو قصدٌ مع أعمالٍ يؤديها الحاجُّ إذا قصد بيت الله الحرام، لا بد أن يؤدي أعمالا خاصّة وأفعالا خاصّة؛ ولذلك فإنّ بعضهم يرى أن الحِج مأخوذة من (الحِجة)، ولأن الحجة في السنة مرة، فهي تُطلق على الأعمال المعروفة التي يؤديها الحاجُّ في فريضة الحج المعروفة. لذا نَجِدُ ابن فارس في مقاييس اللغة يذكر أن كلمة (حج) لها أربعة معانٍ، منها:

-                    الحج: بمعنى القصد.

-                    والحِج: مأخوذ من (الحِجة) بكسر الحاء، فهي تدل على الأفعال التي يؤديها الحاج في حجه، ولذلك ورد في قول الله -تعالى ذكره- في قصة موسى مع الرجل الصالح: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) أي: ثماني سنوات، فلماذا لم يستعمل القرآن هاهنا كلمة (سنة) مع أنه استعملها في مواطن كثيرة، كقوله: (وَلَبِثوا في كَهفِهِم ثَلاثَ مِائَةٍ سِنينَ وَازدادوا تِسعًا)، وقوله: (فَلَبِثَ فِي السِّجنِ بِضعَ سِنينَ). (حِجَجٍ) هنا جمع (حِجَّة): استئجار مع أعمال يؤديها، كأنه يقوله له: ستعمل عندي ثماني سنوات، ليست القضية قضية إيجار فقط وتجلس في البيت، لا، أنت مستأجر لتعمل عندي أعمالًا لمدة ثماني سنوات؛ ولذلك سميت (ثَمَانِيَ حِجَجٍ).

وأما الأدلة على أن بينهما فرقا:

 أن كلمة (الحَج) وردت في مواطن أخرى كثيرة، كقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّـهِ )، وقوله: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)، وقوله: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، وكلُّ هذه المواضع بالفتح، ولم ترد القرآءتان إلا في آية آل عمران التي معنا: (وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، وهناك إجماع من المفسرين على أنّ تلك الآية هي التي تدل على فرضية الحج دون غيرها. إذن القرآءتان هاهنا لكل قرآءة منهما دلالة:

-                    (وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ): أي: قصد البيت.

-                    (وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ): أي: قصد البيت مع أفعال خاصة يؤديها، وهي التي علمنا إياها رسول الله في قوله "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم ".

إذن القرآءتان ضرورة هاهنا، فقرآءة الفتح لها دلالة، وقرآءة الكسر لها دلالة، كما بينت بأدلتها والله أعلم.

***************

  في قول الله تبارك وتعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿١١٥﴾) ورد فيها قراءتان:

- قراءة الغيب: بالياء في الفعلين (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ).

- قرآءة الخطاب: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ).

بعض الناس عندما يوجِّهون يقولون: هذه بياء الغيب وهذه بتاء الخطاب!! لا، لا بد أن نعرف قرآءة الغيب على من تعود ومن المراد بالخطاب ؟  وقرآءة الخطاب على من تعود ومن المراد بالخطاب؟ ونجمع بين معنى القرآءتين.

-                     قرآءة ياء الغيب (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ): الكلام هنا عائدٌ على مؤمني أهل الكتاب، لقوله قبلها: (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿١١٣﴾ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَـٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٤﴾ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ).

 قيل: إن تلك الآية الكريمة (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ) وقرآءة الغيب نزلت لأنَّ بعض اليهود قالوا لعبد الله بن سلام ولمن آمنوا: إنكم بذلك خسرتم الكثير، إيمانكم جعلكم تخسرون أفعالكم، فأنزل الله تبارك وتعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ) أي: مؤمنوا أهل الكتاب، (فَلَن يُكْفَرُوهُ) أي: فلن يُحرموا أجره ولن يُمنعوا أجره وثوابه.

 واستعمل القرآن الكفر مع المنع؛ لأن الكفر بمعنى الستر، والكفر هاهنا المقصود به: كفران النعمة ومنع الأجر أو منع الثواب؛ لأن الله استعمل الشكر في الثواب، كما في قوله: (وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) أي: مثيب لهم، وهاهنا استعمل الكفر مع المنع (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ) لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوا أجره.

-                     وقراءة الخطاب (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ): هذا ابتداء خطابٍ لجميع المؤمنين على اعتبار أن مؤمني أهل الكتاب سبق الكلام عنهم وسبق الحديث عنهم، فقال الله مخاطبًا معاشر المؤمنين: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ).
 والفائدة من قراءة الخطاب: أن يكون حكم الآية عاما يشمل جميع المكلفين.

إذن (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ) بياء الغيب: تعود على مؤمني أهل الكتاب ردًا على اليهود الذين قالوا لمن آمن أنكم خسرتم. وقرآءة الخطاب (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ) عامة لجميع المؤمنين وتشمل الصالحين قبل ذلك.

وتذييل الآية بقوله (وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ): إشارة إلى أنّ الله تبارك وتعالى يعلم المتقين الذين يفعلون الأفعال والأعمال الصالحات ونسبة التقوى عندهم مرتفعة.

وبالمناسبة في اللقاء السابق عندما كنتُ أتحدث عن الإظهار في محل الضمير، وقلت في قوله تعالى: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّـهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ) ، والآية الأخرى: (إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا). لماذا أظهر الله الاسم الظاهر هاهنا ولم يقل: [إنّ الله لا يضيع أجرهم]؟ أو: [إنا لا نضيع أجرهم]؟

قلت: رفعةً لشأن المحسنين، وأنّ الذي يؤدي تلك الأفعال كما ينبغي أن تكون - يعني: [آمنوا وعملوا الصالحات]- سيصل إلى درجة الإحسان، وليشمل الحكم جميع المحسنين كما قلت سابقًا. وهذا لا ينقص من قدر من صبر واتقى أو من آمن وعمل الصالحات لكنه لا يصل درجة الإحسان مثلا ؛ لأن الأمر هاهنا ومدار التفريق بين الحسن والأحسن (إِنّا لا نُضيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا) أحسن أفعل تفصيل، هناك أحسن وهناك حسن، والناس تختلف درجاتهم، والله يريد منا أحسن العمل كما قال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، فمدار التفريق بين الحسن والأحسن، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات أو من اتقى وصبر، هؤلاء في درجة الحسن ،ومن وصل درجة الإحسان فهؤلاء في درجة الأحسن، إذن أظهر الله اسم الإحسان رفعة لشأن المحسنين ورفعة لدرجاتهم عنده سبحانه وتعالى.

إذن: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ) / (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ) وندرك هاهنا أن قرآءة الغيب وقرآءة الخطاب تجعل الكلام عاما للجميع، لكل من يفعل الخير، ولكل من اتقى الله سبحانه وتعالى.

إذن هذا هو ما ورد في القرآءتين، ونعلم أن لكل قرآءة دلالة كما بيّنت.

***************

في قول الله تعالى: (... وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّـهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿١٢٠﴾).

 هنا قراءتان:

-                    (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا).

-                    (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا).

القراءة الأولى (لَا يَضِرْكُمْ): من (ضَارَ) / (يَضِيرُ) أو (يَضُورُ) بضم الضاد وبعدها واو، ومنها قول الله تبارك وتعالى: (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ). إذن (لَا يَضُرُّكُمْ) من (ضار/ يضير)، وهو مضارع مجزوم هاهنا في محل جزم جواب الشرط (وَإِن تَصْبِرُوا - لَا يَضِرْكُمْ).

والقرآءة الأخرى (لَا يَضُرُّكُمْ): من (ضَرَّ/ يَضُرُّ/ ضُرّا)، ويرى البعض أنه لا فرق بين الضَيْر والضرّ من حيث استعمال الكلمتين. نعم، لكن من حيث الأسلوب والدلالات نتدبر سويا:

(وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) الفعل المضارع واقع في جواب الشرط؛ فينبغي أن يكون مجزوما، ومثل هذا الفعل الثلاثي إذا جُزِم وكان من المضعَّف الثلاثي (ضَرَّ) فنفك هذا التضعيف ليصبح (ضَرَرَ) وندغم الراء في الراء ونحرّك الراء الثانية بالفتح ،كما تكلمنا سابقا في قول الله تبارك وتعالى: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) هذا الفعل بفتح الراء الثانية هو مجزوم. أما هاهنا الفعل مرفوعٌ وليس بمجزومٍ؛ ولذلك قيل إنه ليس جوابا للشرط؛ لأنه تحرك بأقرب حركة لحرف قبله وهو الضاد (لا يَضُرُّ) فتكون تلك الحركة حركة إتباع، أي: أتبعنا الراء حركة الضاد؛ ولذلك هي ليست حركة إعراب، وبناء عليه فالفعل قيل: إنه مجزوم جزما تقديريا، وقيل: إنه ليس مجزوما؛ لأنه ليس واقعا جوابا للشرط، وإنما هو دالٌ على جواب الشرط. يعني أن أصل الجملة: [لا يضركم كيدهم شيئا إن تصبروا وتتقوا لا يضركم]، فهنا تقديم وتأخير، وفيه دلالة على جواب الشرط المحذوف.

فعلى قرآءة (لَا يَضُرُّكُمْ) معناها: نفي الضُّرِّ بكماله وتمامه؛ لأن الأسلوب ابتدأ بها (لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) ثم جاء الشرط (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا)، وهناك جواب للشرط مفهوم من الجملة التي وقعت أولًا. إذن بداية الكلام ونفي الضر بداية معناه نفي الضُّر بكماله، ثم ورد بعد ذلك أسلوب الشرط.

أما في قرآءة (لَا يَضِرْكُمْ) فالجملة شرطية، والفعل (لَا يَضِرْكُمْ) وقع جوابا للشرط فهو مجزوم. إذن [لا يضركم كيدهم لا بالقليل ولا بالكثير مهما فعلوا ومهما تحايلوا ومهما احتالوا ومهما كادوا لكم] فطالما أنكم في رعاية الله وأنكم في صبر وفي تقوى فهاهنا (لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا).

لماذا لم ترد الفاء الرابطة؟ البعض في القول الثالث الذي سأقوله الآن قدّرها، قدّر أن هناك فاءً محذوفة: [وإن تصبروا وتتقوا فلا يضركم كيدهم شيئا]. الفاء الرابطة لجواب الشرط في الأصل لا تُحذف، البعض نسب هذا القول للمبرّد، لكن المبرّد لا يجيز حذف الفاء أبدًا، فقالوا نقل عن الفرّاء والكسائي وهم يجيزون حذف الفاء، لكنه هذا القول وإن كان موجودا إلا أنه قولٌ مرجوحٌ، [وإن تصبروا وتتقوا فليس يَضُرُّكُمْ كيدهم شيئا]، يناصر هذا القول الطبري في تفسيره.

القول الأخير: البعض يرى أن مثل هذا الفعل إذا جُزم (لَا يَضُرُّكُمْ) فإنه يجوز في الراء أن تتعرض لثلاث حركات:

-                     الحركة الأولى الضم على الإتباع كما هو حاصل الآن في إتباع ضمة الضاد ضمة الراء.

-                     وقيل: يجوز فيه الفتح على اعتبار أنّه مجزوم وأُدغِم.

-                     وقيل: يجوز فيه الكسر على أساس التقاء الساكنين.

لكن القرآءة المتواترة التي وردت هنا بالضمّ فقط للإتباع: (لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)

وقلتُ: إنّ في النفي والتقديم (لَا يَضُرُّكُمْ) دلالة على أن الأصل نفي الضر، ثم يأتي الشرط [لا يضركم شيئا إن تصبروا وتتقوا].

إذن فالضمُّ في راء (يَضُرُّكُمْ) علامة إِتْباع لحركة الضاد، وليس علامة رفع. لكن نعود مرة أخرى ونقول: إذا كانت حركة إِتْباع فيكون الجزم تقديريا، وإذا كانت حركته حركة رفع فيكون التقدير الذي قلته من قبل. وهذا الفعل وأمثاله يسميه العلماء الفعل الثلاثي المضعّف يعني: عينه ولامه من حرف واحد (ضرّ) راء ساكنة وراء متحركة، فإذا وقع مضارعًا مجزومًا فاجتمعت الراء الساكنة الأولى مع الراء الأخيرة التي سكنت للجزم، فندغم الراء في الراء، وهما ساكنتان، فنجعل الراء الثانية مجزومة بالسكون والأولى ساكنة بالإدغام، فاجتمع عندي ساكنان، فلا بد من فك الساكنين ،فيحرّك الأخير، فإذا حُرِّك بالفتح يكون مجزوما، وإذا حُرِّك بالضم يكون مرفوعا. مثاله: (ولا يضارُّ كاتب) مرفوع (ولا يضارَّ) مجزوم، والفرق أن (لا) مع الجزم ناهية ومع الرفع نافية وليست جازمة.

ونعلم هاهنا مكانة الصبر ومكانة التقوى (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) لِمَ قدّم الصبر على التقوى؟ الصبر أصل في كل الطاعات، ولأن كيد الأعداء يحتاج إلى صبر، فقدّم الصبر لأنه أصلٌ (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [لا يضِرْكم / لا يضُرّكم] كَيْدُهُمْ شَيْئًا).

وهذه الآية كما بينت في بدايتها الحديث عن المنافقين: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) هذا شأن المنافق، والمسّ غير الإصابة. المسّ، مجرد المسّ دون التعمق فيه، [وإن تمسسكم أدنى حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة هم يحبون أن تصيبكم السيئات الكبيرة يحبون أن يروا فيكم تلك السيئات]؛ ولذلك فإن المنافق كان إذا أطلقت الإشاعة كما نرى بعض الناس في زماننا هذا ونسأل الله العافية (أَذَاعُوا بِهِ) أذاعوا به أم أذاعوه؟

القرآن قال (أَذَاعُوا بِهِ) ، الباء تفيد الملابسة والمصاحبة، هم يصاحبون الخبر حتى يتأكدوا من نشره ومن تأثيره، ولذلك بعض الناس عندما يطلق شائعةً يأتي في اليوم الثاني ويقول: أما سمعتم ماذا قال فلان؟ وماذا قال فلان؟ يريد بذلك تحريك الموضوع كلما سكتوا عنه.

إذن (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) وليس أذاعوه.

***************

في قول الله تبارك وتعالى:(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ ﴿١٢٤﴾)

فيها قراءتان متواترتان:

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل