تفسير سورة آل عمران - المجلس 11 - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس 11 - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال : )وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( صحيح أنَّ هذا الذي أصابكم بسبب فشلكم وتنازعكم واختلافكم على النبيّ e وعِصيانكم لأمره لكن هو مع هذا )فَبِإِذْنِ اللَّهِ ( أي بعلمه ومشيئته وقضائه وإرادته )وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( الآن سيذكر حكمة هذا الأذى الذي أصاب المسلمين والهزيمة , قال : )وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( حقيقةً الصادقين الموقنين ( لِيَعْلَمَ ) أي ليَظهر المـؤمنين حقيقة , فالمقصود بالعلم هنا : علم الظهـور الـذي يتعلّق به الجزاء على الأعمال , الله U قد عَلِم من الخلق ما يعملون قبل أن يخلق , لكنّه لا يمُكن أن يُجازيهم أو يُحاسبهم على علمه السابق حتى يعملوا فيظهر عِلمَه Uوعليه يَجري الحساب .

)وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا( هذه هي الفائدة الأخرى , ليعلم ويظهر المنافقون حقيقةُ الذين ادَّعوا الإيمان وتلبّسوا به وهم منه بُراء , وقيل لهم هؤلاء المنافقون الذين أراد الله أن يُظهـرهم )وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا( يعني هؤلاء المنافقون هم الذين قال لهم النّاس تعالَوا قاتلوا مع رسول الله , أو ادفعوا عن أنفسكم حمّيةً , دَعكُم لا تقاتلون رغبةً في نُصرة الحق وشهادةً في سبيل الله , على الأقل قاتِلوا حميّةً عن بني قومكم , وهذا معنى الدَّفع على القول الصَّحيح من كلام أهل العلم , )أَوِ ادْفَعُوا( بعض أهل العلم قالوا المقصود بالدفع هنا التكثِير , أي إن لم تُقاتلوا ادفعوا بتكثير سوادكم سواد المسلمين فيندفع بذلك المشركون, ولكنّ الدفع حقيقةً يُشير إلى معنى المدافعة , وهذا أقرب ما يُحمل عليه أنّ المقصود إمّا أن تُقاتلوا بقصد الجهاد في سبيل الله أو تقاتلوا حميّـة, وقد وقع من بعض المشركين أن قاتَلَ حميّة , فمن المؤمنين من الأنصار من هُم قرابات لهؤلاء والرجل يُقاتل قرابةً لبني قومه , هم لم يُقاتِلوا لا من أجل الإسلام ولا من أجل قومهم )أَوِ ادْفَعُوا(فماذا كان جوابهم ؟

)قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ( اختلف المُفَسِّرون في هذه الآية فمنهم من قال : )لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا ( لو نعلم أنّه سيحصل قتال )لَاتَّبَعْنَاكُمْ ( على ذلك وقاتلنا معكم , لكنَّنا نعلم أنّه لن يحصل قتال , وهذا القول قد قال به كثير من المفسرين حقيقة ، ولكنّك إذا نظرت إلى واقع سياق الآيات وواقع السِيرة تجد أنّ هذا القول لا يجد ما يُساعَد عليه , لم ؟ لأنّ المنافقين متى انسحبوا بعد أن خرجوا ورأوا صفّ المشركين ورأوا أنّ القتال يقع ، فانخذلوا وانسحبوا , فمعنى )لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا ( لو نعلم أنّه سيقع قتال )لَاتَّبَعْنَاكُمْ ( لا يستقيم مع هذا , وإذاً ما المعنى الآخر ؟ القولٌ الآخر وإن لم يكن قولاً مشهوراً إلا أنّه لعلّه أن يكون هو الأقرب )لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ( يقولون لو نعلم أنَّ هذا الذِّي تَخرجُون إليه قتال حقيقي يُقاتِل على مثله الناس )لَاتَّبَعْنَاكُمْ ( لكنّكم أنتم لم تذهبوا إلى قتال , أنتم ذهبتم أشبه ما يكون إلى الانتحار والتهلُكة وإلقاء أنفسكم في الهلكة , وهذه الحال ليست حال قتال , هذه حال انتحار ولأجل ذلك لا نتبِّعكم على هذا الأمر ولأجل ذلك ننسحب )قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ( أي في حال قولهم هذه المَقُولة ، وفِعلهم هذا الفعل وقتئذٍ أقرب للكفر بسبب هذا القول , هم أقرب إليه وإلى ما يدُلُ على الكفر من قُربِهم إلى الإيمان وما يدلّهم على الإيمان )يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (فنصّ على الأفواه مع أنّ القول لا يكون إلا من الفمّ , لكن لماذا نصّ عليه ؟ لأنّه لم تنطوي عليه قلوبهم حقيقة )يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ( بالذي أسرُّوه وكتمُوه في صدورهم عن الصحابة وسيُعاقبهم الله عليه .

قال U بعد ذلك : )الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ( المقصود به هنا الذين تخلّفوا عن القتال وقعدوا عنه , لمّا قعدوا وتخلّفوا قالوا لإخوانهم على سبيل التندّم والندم والحسرة على ما أصابهم )لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ( أي لو أطاعونا في عدم الخروج والقتال لما أصابهم القتل , فجاء الردّ عليهم سريعاً من الله U)قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ( إذا كنتم فعلاً ترون أنّ القعود يمنع من القتل ويمنعُ من الموت فادرؤوه , ادفعوا هذا الموت عن أنفسكم )إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ( .

ثم قال U ردّاً عليهم : )وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( يقول الله U مُخاطباً نبيّه لا تَظُنَنَّ أيُّها النَّبيّ أنَّ الذين قُتلوا في الجِهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته , لا تحسبهم أموات كسائر الناس , بل الحقيقة أنّهم أحياء حياةً خاصّة بالمُجاهدين , الذِّين استشهدوا في سبيل الله لهم حياة خاصّة يختلفون فيها عن حياة باقي الأموات )بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( وهذا ممّا يدُل على حياتهم حياةً خاصّة ليست كسائر حياة الموتى , ولذلك قال عند ربّهم ويُرزقون أيضاً , وهذه من صفات الأحياء ولكن حياةً خاصّة بهم , مِن مظاهر حياتهم أنّهم )فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ( وفَرحين بالفَضل الذي أعطاهم الله )وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ( يستبشرون بإِخوانهم الذِّين لم يُقتلوا من المُجاهدين في سبيل الله , أنّهم إن قُتلوا في سبيل الله سَيَلقون من الأجر والفضل والكرامة مثل ما لقوا هُم عند الله )وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ( لا خوف عليهم فيما يستقبلون من أمرهم ، ولا يَحزنون على ما تركوا من دنياهم , وتركوا من الدُّنيا أشياء كثيرة , تركوا مالهم , تركوا أولادهم , هم لا يَحزنون عليهم لأنّ الله U يَحفظهم لهم فأَورثهم الأمن في المستقبل والأمن في المَاضي , وهذا غاية الأمن التي لا تكون إلا لمن جاهد في سبيل الله U وكل هذا في فضل المَوت في سبيل الله , والحديث عن الموت في سبيل الله هنا مُناسب لما حصل في معركة أُحد , في معركة أُحد حصل فيه الكثير من القتل فناسَب ذِكر الشهادة في سبيل الله وفضلها وأجر أهلها ومن ذلك قوله : )يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ( يستبشرون يعني يفرحون مع هذا الثَّواب ، بالنِّعمة العظيمة من الله U والفضل الكبير منه , فهو ثوابٌ كبير من الله وهو النِّعمة وفضل وهو الزِّيادة على أُجور أعمالهم , ولذلك قال : )وَفَضْلٍ ( النِّعمة هي الأجر الذي يُوَّفَون بدخول الجنة, والفضل هو الزيادة وأعظم الزِّيادة هو النظر إلى وجهه الكريم, نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإيَّاكم ممّن يُنعم عليه بهذا الفضل , )وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ( فهم وَاثِقُون أنَّ الله U سَيَحفظ لهُم ثواب أعمالهم وأَجر جِهادهم لأنّه عز وجل : )لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ( .

ثم قال U : )أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ(هؤلاء من هم المؤمنين ؟ يعني يجوز أن يقول : )الَّذِينَ اسْتَجَابُوا ( فيكون )الَّذِينَ اسْتَجَابُوا ( تفسير للمؤمنين , ويجوز أن يكون استئنافاً لبيان حالةٍ خاصة من أحوال المؤمنين الصَّادقين , فقال U : )الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ( هذه الآية الكريمة تُشير إلى شيءٍ وقع بعد معركة أُحد , فإنَّ المُشركين بعد ما كَرُّوا على المُؤمنين وقتلوا منهم من قتلوا وتفرَّق الصَّفَان وابتعد المُشركون ووقعت لهؤلاء حالة من التّفكّر ، وللمؤمنين حالة من التفكّر أمّا المشركون لمّا بَعُدُوا قالوا كيف بعد أن انتصرتم , هم فرحوا بهذا النَّصر لأنّهم ما كانوا يتوَّقَعُون أن يُنصَروا , بعد الهزيمة الذَّريعة في بداية الأمر , فهُم أَرادُوا الذَّهاب حتى يرجعوا إلى قومهم بأنّهم قد انتصروا , فلمَّا ابتعدوا قليلاً قالوا كيف وقد تَسلَّطتم عَليهم تدَعُونهم دون أن تستأصلوهم وتقتلوهم وتستأصلُوا شأفَتَهُم ؟ فهَمُّوا بجمعهم مرةً أُخرى والرجوع إلى النبي e والكرّ عليهم في المدينة, والصحابة لمّا حصل ذلك وعاد إليهم رُشدُهُم وثقتهم بالله U سمِعوا بأنَّ المُشركين قد همُّوا بالرُّجُوع فتواعَدُوا في " حمراء الأسد " موقع , وقال النبي eلا يتبَعُنِي إلا رجلٌ شهِد أُحد فقط ويَقتصر النَّبي e على هؤلاء دون غيرهم من المُؤمنين , لا يريد أن يخرج إلا من شهد أُحد وهذا لأمور سبحان الله :

أولاً : مزيد تمحيص للمؤمنين مع أنّ فيهم الجِراح والأذى الشديد حتى جاء في بعض الروايات أنّ اثنين من الصحابة أخوين أمرهم النبي e بالخروج - لمّا سمعوا صائح النبي فاستجابوا وخرجوا - أحدهم كان مجروحاً ، وكان أخوه يحمله في بعض الطريق ثم يَدعه يستريح , يحمله بعض الطريق حتى يصل , قد بلغ بهم الأذى والآلام غاية ما يتصوّره الإنسان حتى إنّ أحدهم ليحمل الآخر ليصل , بل إنّ بعضهم يتعاقبون في حمل بعضهم حتى يصلوا إلى هذا المكان الذي تواعدوا عليه , فهذا مزيد تمحيص .

والأمر الآخر : فيه ما يصح أن يُسمّى القدرة مرة أخرى أو فتح المجال لهم أن يتشَفُّوا من عدوهم ويأخذوا بثأرهم , هذا العدو الذي قتل منكم من قتل وأوقعكم في هذا الذي حصل هاهو مرةً أخرى قد رجع , فتكون النفوس مليئة غيظاً عليهم ويكون هذا أدعى إلى قتالهم والحميّة عليهم , فأثنى الله عليهم ثناءً عظيماً في هذه الآيات فقال : )الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ( يعني الآلام والجراح )لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( للذين أحسنوا في عملهم واتَّقُوا الله - عز وجل - في امتثال أوامره واجتناب نواهيه أجرٌ عظيم من الله عز وجل هؤلاء هم )الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ( هؤلاء قيل لهم إنّ أبا سفيان قـد جمع لكم النَّـاس ليأتيكم وليستأصل شأفتكم , فما ذا كان قولهم ! هل جزعوا ؟! هل سخطوا ؟! بل قالوا )حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ( الله حسيبنا وهو كافينا - عز وجل - وهو ناصِرنا على عدوّنا , وسبحان من هو حَسبَ عباده وكافِيهم وسبحان من ينصرهم ويُعينهم , خذّل الله عز وجل المشركين عن قتال النبي وأصحابه فجاء في بعض السِيَر أنّ معبَد ابن أبي معبَد الخُزاعي [1] لقيَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله يا رسول الله – بمعنى كلامه – لقد ساءني ما أصابك وأصاب أصحابك وودِدنا أنّا شهدنا المَعركة معك , ثم ذهب إلى أبي سفيان فلقيَه أبو سفيان فقال : ما تقول يا معبد ؟ قال : والله لقد رأيت محمداً قد أجمع لحربك وجمع النَّاس لك . قال : فما الرأي ؟ قال : أرى أن تَنجُوا . فاختلف المشركون في ذلك وتنازعوا , ثم أجمعوا أمرهم آخر الأمر على الرُّجوع إلى مكة فَرِحِين بهذا النَّصر الجُزئي الذي حصلوا عليه . ولذلك قال عز وجل : )فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ( انقلبوا يعني رجعوا , انقلبوا ليس بقوة وليس بشدتّهم ولا بقوتهم وعداتهم إنما الانقلاب هذا حصل )بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ( بنعمةٍ من الله عز وجل عظيمة وفضلٍ منه عز وجل )لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ( فهم انقلبوا إلى أهلهم )بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ( وهي الأجر على صبرهم وجهادهم , وانقلبوا أيضاً إلى أهلهم ( بفضلٍ ) وهو الزيـادة على الأجر )لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ( فرجعوا بالأجـر وزيـادة وسلامتهم من السـوء )وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ( أي اتبّعوا ما يُرضي الله عنهم والتزموا به من طاعته والكفّ عن معصيته )وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ( يعني وهو عز وجل صاحب فضلٍ عظيم على عباده المؤمنين .

ثم قال الله عز وجل بعد ذلك : )إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( يقول الله عز وجل إنّما المُخوِّف لكم الشيطان وهو يُخوّفكم بأنصاره وأعوانه وجُنده )فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (لا تخافُوهم لأنَّ الخَوف حقيقةً لا يكون إلاّ لمن له حولٌ وقُوةٌ وطَول هذا هو الله عز وجل وليس هؤلاء الخلق مهما كان بيدهم من عتاد وقوة , ولذلك قال : )إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (لأنَّ الذي يخاف من الله هو المؤمن وهو الذي يُعظّم الله عز وجل ولا يُعظّم أحداً سواه.

قال U بعد ذلك : )وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ( يقول الله U لا يَحزُنك أيُّها النبي u ولا يُوقعك فيه الذِّين يُسارعون في الكفر مُرتدين على أعقابهم من أهل النِّفاق خاصة بعد أُحد , حيث سارع الكثير من المنافقين وظنُّوا أنّ الإسلام قد انقطع أَمره وزالت قُوته , فَسَارعوا في الكفر وهذا ممّا يُوقع في النَّفس الحزن , وحقيقةً لم يؤمنوا , ولذلك قال : )وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ( أيّ : لا يجعل لهم حتى نصيباً في الآخرة من ثوابه وجزائه ونعيمه )وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ينتظرهم في الآخرة على كفرهم .

قال الله U بعد ذلك : )إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(أصل الشراء في اللغة : الاستبدال , ولذلك يُطلق على طَرَفي العقد في البيع والشراء , يُطلق على كل واحدٍ منهما أنّه مُشتري لأنّه في الحقيقة كل منهما يستبدل , فهذا يُعطي ماله فيأخذ بَدلاً عنه البضاعة وهذا يُعطي البضاعة ويأخذ بدلاَ عنها المال فكلٌ منهما بهذا الاعتبار مشتري , ولذلك يصحّ أن يُطلق على البائع مشتري وعلى الآخذ أيضاً أنّه مشتري من هذا الوجه , قوله : )إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ( يعني استبدلوا الكفر بالإيمان ودائماً إذا كان المَأخوذ أقلّ من المُعطى فإنَّ الباء تدخُل على الأعلى كما في هذه الآية )إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ (فلمّا كان الإيمان هو الأعلى دخلت الباء عليه , مثل قوله U : )أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ( ، )إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( أيّ إنّ الذّين استبدلوا الكُفر بالإيمان لن يَضُرُّوا الله شيئاً ، ثم قال الله U)وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ( يقول - عزَّ وجل - لا يَظنُنَّ الذِّين كفروا أنَّ الله حينما أمهلهم وأَطال أَعمارهم على ما هُم فيه من الفُجور والكفر والعِناد والصَدّ عن سبيل الله , لا يظنّون أنّ هذه الإطالة والإمهال خيرٌ لهم , بل هذا مِن الإمداد والإمهال ليزدَادُوا إثماً , ولذلك يقول الله U :

)وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ([2] أُملي لهم حتى يَزدادوا إثماُ على إثمهم , ويُملي لهم حتى يقطع كل عُذر يعتذرون به , ويمُلي لهم حتى إذا جاء العَذاب عليهم ونزل بهم كان هو الغاية في إهلاكهم ، وإعزاز المسلمين .

وهذا الحقيقة يجب أن يتنبّه الإنسان لها , هذه الصحيح أنّها في الكافرين لكن حتى المقيمين على المعاصي من أهل الإسلام , المُقيمين عليها الإنسان الذي يُخالف أمر الله ويُجاهر به بالمخالفة ولا تجده إلا في المعاصي والسيئات ومع ذلك الله يرزقه ويُنعم عليه ويتفضّل عليه ويُحسن إليه لا يظنّ أنّ هذا خيرٌ له بل هذا من الإمهال والإمداد له , ولذلك إذا رأيتَ أنّ الله U يُعطيك على ما أنت عليه من المعاصي فاعلم أنّ الله يُمهلك وأنّ هذا من المكر بك .

ثم قال U : )مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ( يقول الله U ما كان من حكمة الله وقضائه أن يُطلعَكم على غيبه فإنّ الغيب لا يعلمه إلا الله , قضى الله وحكم أنّ الغيب لا يعلمه إلا هو عز وجل , وقد اختصّ بعض عباده وخلقه بأن يُطلعهم على شيء من الغَيب ولذلك قال : )وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ(الاجتباء : يعني الاصطفاء والاختيار )يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ( فإذا اجتباهم أطلَعهم على بعضِ غيبه U ولهذا قال U : )مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ( يعني ما كان من حكمة الله أن يذركُم على ما أنتم عليه من الاختلاط بين المؤمنين والمنافقين , والتفرّق وعدم تميّز المؤمنين عن المنافقين حتى يمَيز الخبيث من الطيب , حتى يُميّز بين المؤمن وغير المؤمن , التمييز كيف يكون ؟ وكيف يحصل ؟

بالابتلاءات , بأنواع الامتحانات , هذه بالابتلاءات وهذه الامتحانات هي التي تُميّز المؤمن عن المنافق ، والصَّادق عن الكاذب , ولهذا قال )وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ( يعني ليس من قضاء الله وحكمته أن يُطلعَكم على الغيب فتعلمون من المؤمن وتعلمون من المُنافق , ليس من حكمة الله U وإلا لو أطلعكم لانتفى حكمة الابتلاء , ومن أجل ذلك لم يُطلعِ الله المؤمنين على المنافقين بأعيانهم وإنّما ذكر صفاتهم وجعل المؤمنين يتعرَّضون لأنواع من البلاء يعرفون بها المؤمن من المنافق )وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ( يعني يختار من رسله ليُطلعهم بما يشاء , وقد أخبر الله وأطلَع نبيّه على أسماء المنافقين وعلِمهم بأعيانهم , )وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ( فحقِّقوا الإيمان بالله , إذا أمر المؤمنين بالإيمان فالمقصود به تحقيق الإيمان والثَّبات عليه والدوام عليه )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ ( معناها اثبتوا على إيمانكم وحقِقُوا إيمانكم )آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ( ، )وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(أي تؤمنوا بالله حقاً , وتتقوا الله في فعل أوامره وترك نواهيه فلكم على ذلك أجرٌ عظيم أي جزاءٌ عظيم من الله , وهذه الآية تُشير إلى قضية سنّة الابتلاء التي يتميّز بها المؤمن من غير المؤمن , هذه سنّة من الله أن يبتلي عباده ليتميّز المؤمن من غير المؤمن .

ثم قال الله U : )وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( .

يقول U ولا يظننّ الذين يبخلـون يعني يمنعون عطَاء ما آتاهم الله U من فَضلِه )بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ( وانظر أنّهم بَخِلوا ليس بشيءٍ هو لهم , وليس بشيء هم يملكونه , بل هو فضل الله الذي تفضّل عليهم فأعطاهم إيّاه )وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ (لأنَّ ما بَخِلوا به ماذا سيكون نتيجته عليهم يوم القيامة ؟ قال U : )سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( هذا الذي بَخِلوا به سيكون طوقاً من نارٍ يوم القيامة عليهم يُطوقُّون به , وإذاً لا يَفرحوا به , لا يفرحوا بإبقاء أموالهم ومنعها عن سبيل الله وعدم بَذلها في سبيل الله, بل إنَّ هذه الأموال ستكُون عليهم في الآخرة طَوقاً يُطوّقون به. ثم ق

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل