تفسير سورة آل عمران - المجلس العاشر - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس العاشر - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

قال U: )إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ([1] .

هذه الآيات الكريمة لازال السِّياق فيها عن غزوة أُحِد ، والأحداث التّي وقعت فيها وصاحبَتها ، وما حَصَلَ للمؤمنين من مُخالفةٍ لِأَمر النّبي e ، نتَجَ عنه هزيمتهم ، وجاءت هذه الآيات لتُقرِّر كثيراً من الدُّروس والعِبَر إثرَ هذه الغزوة وقد أشرنا سابقاً إلى أنَّ مَن لم يعرفِ الهَزيمة لن يَذُوقَ طعمَ النَّصر ، ولذلك فقد جاءت هذه الآيات الكريمة لِتَعرِضَ كثيراً من الدُّروس المتعلِّقة بهذه السُّورة . فقوله U)إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ( هذا تذكيرٌ من الله تعالى للمؤمنين بما حصَلَ منهم بعد مُخالفتهم لأمرِ رسول الله e ، فقد كرَّ عليهم المشركُون والتَّفُوا عليهم ، فانهزم المسلمون وتفرّقوا وانتَشُروا ، وهذا المعنى تُشير إليه الآية في قوله )إِذْ تُصْعِدُونَ ( يعني اُذكروا حين كُنتُم تبتَعِدُون في الأرض ،تنتشرون فيها مُوَّلِين هاربين . )إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ( يعني لا يلتفت منكم على أحد ولا يسأل عن أحد ، هذا النُّوع من الفِرار يكونُ بسبب ما يقع في القلب من الفَشَل ، فيُورِث في الإنسان درجة من الخوف والاضطراب لا يستطيع التّفكير في شيءٍ غير النَّجاة والفِرار ولا يلتفت إلى أحد ، وهذا معنى قوله U)إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ( فهم يبتعدون في وجه الأرض ولا يلتفُت أحدٌ إلى أَحَد .

والصُّورة الثالثة: يقول الله U)وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ( يعني والرَّسول يدعُوكم إليه ، في أُخراَكُم يعني في آخرتكم . لمَّا ولَّوُا هاربين صار النّبي e في آخرتهم من جهة العدو ، فأصبح النّبي بينهم وبين العدّو بسبب فِرارهم )وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ( يعني يُناديكُم يقول إليَّ عباد الله ، أنا رسُولُ الله . [2] )فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ( فأثَابَكُم على هَذا الفِرار وعلى ما وقع منكم من النِّزاع ، أثابكم )غَمًّا بِغَمٍّ ( يعني جَازاكُم وكافأكُم على ذلك ألماً وضيقاً يتبعُه ألمٌ وضيق .

فأمّا الألمُ الأوّل مما فاتَ من النَّصر على العدّو ، وما يَستتبع ذلك من الغنيمة التّي هي كانت سبباً لأصل مخالفتهم لأمر الرسول e فالذِّي من أجله ذهبوا قد فات عليهم هذا الغمُّ الأوّل .

والغمّ الثاني : بما نزل بهم من البَلاء والقَتل والجِراح ، فهذا الغمّ الثاني .

وأعظَمُ هذا الغَمّ بما شاع بينهم من أنَّ النّبي صلى الله عليه وسلّمقد قُتِل هذا هُوَ الغَمِّ العظيم الذِّي شاع بينهم ، أَنساهم هذا الغَمّ كلَّ غَمّ .

ولهذا معنى قوله U)فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا ( يعني أَصبَحَ هذا الغَّم الذّي نَزَل عليكم سبباً لِزوال أيّ شيء ؟ لِزوال الحُزن والألم الذّي في أنفسكم ، كيف هذا ؟

الغمّ الأوَّل : بسبب الهزيمة وذهاب النَّصر ، وذهاب أيضاً المَغنم . جاءهم غمّ آخر أشدّ وهُو خَوف أنَّ النّبي e قد قُتِل ، وسماعهم أنَّ النّبي e قد قُتِل ، فجاء هذا الغمّ ليُنسِيهُم كُلَّ شيء ، لِيُنسيهم الحُزن على فوات النّصر ، والحُزن على فوات المغنم ، ثمّ لمَّا عَلِمُوا أنّ النّبي حيّ وسليم ومُعَافى ، زالَ عنهم الألم كُلَّه ، ألم الهزيمة ، ألم الجِراح التّي أصابتهم ، ألم فوات الغنيمة ، وهذا معنى قوله )فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ( من الغَنيمة )وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ( من الجِراح . وسبحان الله كيف كانت هذه المصيبة التّي خَشَوها وهي مقتل النَّبي أنستهم كُلّ شيء . قال Y)وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (لا يخفى عليه شيء من أحوالكم ، وما أكنَّتهُ ضمائركُم وسيُجازيكم على أعمالكم .

ثمّ قال الله U)ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ( بعد هذا الغَمّ الذّي نزل عليكم وأصابكم . مَنَّ الله عَليكم بأَن أنزل أَمَنَةً نُعاساً يَغشى طائفة منكم ، بعد هذا الألم والضِّيق أنزل طُمأنينة وثقةً في القُلُوب ، وانظروا في الآيـات التّي تدارسنها يأتّي التَّأكيد دائماً على مسألة القلب لأنّه هُو سبب النَّصر وهُو سبب الهزيمة ، ولذلك أوّل ما تنزِل الطُّمأنينة تنزل على أيّ شيء ؟ تنزل على القلب . )ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا(الأمَنَة أين يكون ؟الأمان يكون في القلب ، هذا الأمان الذّي أنزله الله في قلوبهم من السَّكينة والطُّمانينة ، جعلهم يشعرون بأمان ، لِدرجة أنّ النُّعاس يُصيبُهم . وهل الخَائف يُصيبه النّعاس ؟ الخائف لو كان في بيته ، مجرّد التّفكير في أيِّ قضية مُخيفة ، أو يخشى إنسان ضررها لا يأتيه النَّوم ، فما بالُكَ وهو في سَاحَة الوغى ! وهُو مهزوم ! فكانت هذه الأَمَنة نعمة من الله عظيمة ، ولذلك ذكرها الله ، لِدرجة أنّهم في هذا الموقف الشّديد ومع ذلك يأتيهم النُّعاس ، النُّعاس النّوم الخفيف الذّي تهدأ به النّفس ، ولا يغفل عن الخَطر الذّي قـد يُصيبه . )نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ (فقط طائفة أيّ جماعة منهموهم المُؤمنون الذّين صَدَقَ إيمانهم ، وثببت صبرهم ، وطائفة أخرى لا يصيبها هذا النُّعاس ولا تنزل عليها هذه الأَمَنَة ، وهم المنافقون .

وهؤلاء المنافقون ذكر الله من صفتهم : )وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (لا يُفَكِّرون إلا في أنفسهم ونجاتِهم ممّا حَصَل، )قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ( يعني همَّهم نجاة أنفسهم . )يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ( يظُنُّون بالله U ظنّاً غيرَ حَقٍّ ، ظنّاً قائماً على الشَّكِ في قُدرته U ، ظنّاً قائماً على الشَّك في نُصرهِ لنبيّه ، ظنّاً قائماً على عَدم الثِّقة في وَعَد الله U ، وهُم بهذا الظَنّ يَشُّكُون في الله U حقيقة ، لأنّه ما يَظُنّ هذا الظَّنّ وهذا الشَّك إلاَّ من لم يعرف قدر الله Uوهذه هي طريقة وخُلُق أهل الجاهلية ، ولذلك قال )يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ( يعني لا يَظُنّ هذا الظنّ إلا جاهِلٌ بالله U)يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ( يعني هُم يَظُّنون هذا الظَّن الجاهليّ بأنَّ الله لا ينصُر رسوله ، يقولون ليس لنا من الأمر شيء يعني لو كان لنا من الأمر شيء ما خَرَجنا إلى القتال ، لأنّكم تعلمون - كما في السِّيرة - أنَّ رأس المنافقين عبد الله بن أُبيّ بن سلول كان يُعارِض الخُروج إلى القتال ، ويرى أن يَبقَوا في المَدينة ، فلمّا خرجوا وحَصَل ما حَصَل ، قالوا ليسَ لنا من الأمر شيء ، لو كان لنا أمر لَمَا خرجنا هاهنا ، ولما حصل هذا الذّي حصل . ولذّلك قال الله عز وجل )قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ( يعني الأَمر قضاءً ، وقَدَراً ، وحُكماً ، وشَرعاً لله Uلا للمُنافقين ، ولا للمؤمنين ، ولا لأحد من الخَلق كائناً من كان بل الأمر لله - عزّ وجل - وحده .

)قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ( وهـذا ممّا أكَنَّه أولئك المنافقـون في قلوبهم ، يقـول الله )يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ (يُخفون في أنفسهم من الشَّك ، والتّردد ، وعدم الثّقة بوعد الله U لأوليائه وعباده، ما لا يُبدُون لك في ظاهر أقوالهم وظاهر فِعالهم ، لأنَّ هذا حقيقة المُنافق أن يُظهِر خلاف ما يُبطِن .

ثمّ قال U)يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ( يقولون لو كان لنا من الأمر أمر الخروج ، وأمر القِتال ، لو كان الأمر إلينا والرأي عندنا لم يحصُل هذا القَتل الذِّي حصل ! .

وهذا الحقيقة مع أنَّه تخذيل وتبكيتٌ للمؤمنين إلاَّ أنّه فيه اعتراض على قضاء الله وقدره ، فالله هو الذّي قضى ذلك وهُو الذّي قدَّره . فهُم وإن كانوا يُظهِرون بأقوالهم الشَّفقة ، وأنّهم يعني يتحسَّرون لهذا الذّي أصابهم هم في الحقيقة يشمتُون بالمؤمنين ، ويُبَّكِتُونهم على هَذا الذِّي حَصَل )يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ( .

اُنظُروا الجواب كيف يأتي على هذه الدَّعوى التّي يقولون ، يقول U : )قُلْ ( أي قُل يا محمّد u)لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ( لأنَّ مسألة القتل ، ومسألة الموت والحَياة ، لا يُقرِّبها ولا يُبعدها القُعُود أو الخُروج ، إن خَرجتم فهو لا يُقرّبُ موتكم ، وإن قعدتم في بيوتكم ولو كانت مُشيَّدة فإنّها لا يُبعِدُها ! بل إذا كَتَب الله على أحد الموت فإنّه يخرُج من بيته ولَو كان بيته حِصناً مَشِيداً عالياً ، حتى يُلاقي حتفه ، هذه أقدار الله U لا مَفرّ منها ولا محيد . )لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ( أيّ مَكان اضطجاعهم الذِّي يُقتَلُون فيه . فالمكان بالضّبط لا يزيد ولا يَنقُص .

ثمّ قال الله U)وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( يعني هذا البَلاء الذّي حصل هو امتحان للصُّدُور ، وهو أيضاً تمحيص للقُلوب ، فيختبر الله Uالنِّيات والمقاصد ، ويُميِّز بالتَّمحيص المؤمن من المنافق . ثم ختم الآية بقوله )وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (لا يخفى عليه شيء ممّا يُكِنُّه الإنسان في نفسه .

ثمّ قال الله U)إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ( وهذا إشارة إلى ما حصل من بعض الصّحابة من الرُّماة الذِّين كانوا على جبل أُحد حيث خالفوا أمر النّبي e ولذلك قال )إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ( الذّين تَوَّلوا يعني فرُّوا يوم التقى الجمعان يوم أُحد ، هؤلاء إنَّما استزلهم أيّ زلَّ بهم الشَّيطان ، وأزَّلهم عن قَدَم الثَّبات عن قَدَمِ طاعة الله واستجابةً لأمره ، إنّما استزّلهم الشَّيطان ببعض ما كَسَبوا أي ببعض ذنوبهم التّي اكتسبوها .

)وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ( وهذا من رحمة الله يُبيِّن لهم أنّ هذا الذّي حصل هو بسبب ذُنُوبهم ، لكن الله قد عفا عنهم فلم يُؤاخذهم بهم فضلاً ورحمة ، )إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ( للتَّائبين من العباد ، رحيمٌ بهم .

الحَقيقة هذه الآية تُشيرُ إلى مسألة مُهمّة وَهي شُؤم المعاصي وخُطورته ، يعني هذا الفَشَل الذِّي أَصَاب المؤمنين في غزوة أحد وأَنتج قتلى وجِراحاً وقِراحاً وهزيمةً ، هذا كان سببهُ أنَّ الشَّيطان اِستطاع أن يَستَّزِل بعض المُؤمنين ببعض ذُنُوبهم التِّي كَسَبوهم ، فهذه الذُّنوب التي كسبوها كانت مدخلاً للشَّيطان أن يستَزِلَّهم . ولذلك الإنسان الله الله أن يُؤتى الإسلام من قِبَلَه ، فيُحصِّن نفسه بطاعة الله عزّ وجل ، والبعد عن معاصيه .

ثمّ قال U)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ( . هذه الآيات يَنهى الله U المؤمنين أن يَكُونوا مُشابهين لأخلاق الكافرين ، وقد اختلف المفسِّرون في الكافرين هنا : فمنهم من قال :

* إنّ الكافرين المقصود بهم الكُفَّار المشركين ، أو كفرة أهل الكتاب ، أو المنافقين .

* وبعضهم قال الآية تشملهم جميعاً .

وإذا تأمّلنا سياق الآيات الكريمة ، سنجد أنَّ المقصود بالكُفّار هُنا هُمُ المنافقون ، هذا الذِّي يَتَّفق مع سياق الآيات والأحداث التّي وقعت ، وما فِي السَّيرة مِمّا وقع من المنافقين بعد غزوة أُحِد . ولذلك قال U)لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ (الأخوة المقصود به هُنا أُخوّة النَّسب والقرابة وليست أُخُوَّة الدِّين ، لأنَّكُم تعلمون أنَّ من المنافقين من لهُم إخوة على الإِسلام وعلى الإيمان والمقصود بالإخوّة هنا القرابة بمفهُومها العام . )وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى ( يعني قالوا لإخوانهم الذِّين ضربوا فهم يقصدون بهذا التَّبكيت،تبكيت المُؤمنين وتَنديمهم على ما حصـل منهم )إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ( يعني سفراً )أَوْ كَانُوا غُزًّى ( يعني خـرجـوا للقتـال . )لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا ( المـوت يُناسب حـالة السَّفر )وَمَا قُتِلُوا ( يُناسب حالة الغزو .

)لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ( وَهَذا من تَعذيب الله - عزّ وجل - لهؤلاء المنافقين ، الذِّين لا يَرضَون بقضاء الله وقَدره ، أن يتحسَّر الإنسان منهم على أقدار الله ، يقول لو لم يخرجُون لما قُتِلُوا ، لو لم يفعَلُ هذا لما وقع له . وهـذا - سبحان الله - تجدها أخلاق يتحسَّر فيها الإنسان الذّي لا يرضى فيها بقضاء الله وقَدَرِه . ولا يُسَّلم لله أمره ، تجدُه يتحسَّر ، إن فاته شيء قال : ليتني ذهبت ، وإن ذهب وحصل عليه مكروه قال : ليتني لم أذهب . فهُوَ في تحَسُّر وتندُّم أبداً ، ولكنَّ المؤمن يُسَّلم لله في قضائه وقَدَره ، ويتوَّكل عليه ويجتهد ولا يألُوا وسعاً يقول U : )لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ( ليجعل هذا الاعتقاد حسرةً في قلوبهم وندَماً وأمّا مسألة الحياة والموت فهي من الله U فهو الذّي يُحيي ويُميت سبحانه وبحمده ، ثمّ قال الله - عزّ وجل - : )وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( مُطَّلِعٌ على أعمالكم لا يخفى منها شيء . قال الله U بعد ذلك )وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (بعد أَن بيَّن الله U أنّ أمر الحياة والموت إليه فهُو الذِّي يقضي بالحياة وهو الذّي يقضي بالموت ، أخبر عن أمرٍ آخر وهُوَ هَب أنّه حصل قتل أو موت للمؤمن ، المؤمن الحقيقة لا يبأس من هذا ولا يحزن لأننّا نعتقد يقيناً أنّ ما عند الله خيرٌ لنا من هذه الدُّنيا وأبقى ، ونحن نعلم أنَّ هذه الدُّنيا سِجنٌ للمؤمن ، فالمؤمن إِن مَاتَ موتاً طَبيعيّاً أو قُتِلَ في سبيل الله فهو على خير ، لأنّه سيلقى الله U ويلقى الكرامة عنده ولهذا قال )وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ( أي استشهاداً في الحَرب )أَوْ مُتُّمْ ( مَوتاً عامّاً )لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ( ولِذلك قال )لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ( فهذا تفخيم وتعظيم لهذه المغفرة وهي ستر الذُّنُوب . ورحمة بدخول الجنّة خيرٌ من الدُّنيا كُلُّها وما يجمعـون فيها من نعيمٍ زائـل . وأَكَّـدَ مرَّةً أخـرى فقـال )وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ( فالإنسان سيمُوت إمّا يموت موتاً طبيعيّاً كسائر النّاس أو يُقتَل ، ولكنّ الأمر الأهم من هذا كُلّه ، ما بعد الموت والقتل ، إلى أين يكون الحَشر والمصير ؟ هذا الذّي يجب على الإنسان أن يعتني به وأن يهتَمَّ به ، ولهذا قال )لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ( يعني تُرجَعُونَ وتُسَاقُونَ إليه ، وليس إلى أحدٍ سواه U .

وهذه الآيات من أعظم ما يحمل الإنسان على الجهاد في سبيل الله ، والصَّبر عند لقاء العدُّو ، أن يعلم ما من أحدٍ إلا ميّت وأنّه إن لم يُقتل يَمـوت ، ويعلم أنّه إن ماتَ أو قُتِل فإنّ مرجعه إلى الله ، وأنّ ما عند الله خيرٌ له وأبقى .

في الآية الأولى قال : )وَلَئِنْ قُتِلْتُمْفِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ(وفي الآية الثانية)وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (فما سِرّ التَّقديم والتَّأخير لهاتين الكلمتين في الآية ؟

الجواب : يَظهر لي في هذا والله أعلم أنّه في الآية الأولى لمّا كان الكلام عن الإجابة عن دعوى المنافقين وعن استهزائهم وكان الأصل الذّي حصل ما هو ؟ القتل ، أليس كذلك ؟ فَنَاسب أن يبدأ به ردّاً عليهم ، لأنه هو الذي حصل القتل وليس الموت فبدأ به فقال )وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ( فقدمه في الذكر جواباً على هؤلاء ورداً عليهم ، فلما عُلم هذا الأمر عاد مرّة أخرى للمسألة التّي تُعتبر تأسيس وتقعيد عام لهذه المسألة ، فقدّم الموت لأنّه هو الغالب وهو الأصل ، والقتل في سبيل الله أقل من هذا . فقال )وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ( والله أعلم .

قوله U بعد ذلك : )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( .

قوله )فَبِمَا رَحْمَةٍ (يعني بسبب رحـمـةٍ من الله كان خُلُقُـك أيُّها النَّبي سَهل ، سهـولة خُلُـق النّبي هو رحمة من الله .

أوّلاً : رحمة من الله لنبيّه فجَعَلَهُ سهلاً ليِّناً وتعلمُون أنَّ الإنسان الذِّي خُلِقَه سهل ليِّن يستطيع أن يتعايش مع النّاس أليس كذلك ؟ بعض النّاس يتمنّى أن يكُونَ سهلاً حتى يستطيع أن يعيش مع النّاس ، ولكن لا يستطيع ، لأنَّ خُلُقُه صعب !!

فأوّلاً : الرَّحمة للنَّبي لأنّه كان سهلاً فاستطاع أن يتعايش مع النّاس ، وأن يعيش معهم ويتعامل معهم .

ثانياً : ثمّ الرّحمة من الله للمؤمنين ، أن جعلَ خلُقَ نبيِّهم سهلاً عليهم ، هيّناً ليِّناً يقبل منهم ويألفونه ويأنسُون به - عليه الصّلاة والسّلام - يستطيعون الأخذ منه ، وسؤاله ، والتّعلّم منه .

ولهذا )وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ( يعني ولو كُنتَ شديـداً في القول والفعل ، فـظاً غليظاً قاسي القلب )لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (الانفضاض هو : الانصراف في شتى الجهات ، وهذا دليل شدّة ذهابهم ونفورهم بسبب الغِلظة ، والشِّدة ، والقسوة . )

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل