تفسير سورة آل عمران - المجلس التاسع - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس التاسع - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

الآيات بعد هذه تنتقل إلى الكلام عن أو يعود الكلام فيها إلى معركة أُحد .

)قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ  ( .

نعم هذه الآيات تعود مرة أخرى إلى الحديث عن غزوة أحد بعد هذا الاستطراد في بيان صفة المؤمنين الذين يستحقون مغفرة الله U ودخول جنَّاته - سبحانه وبحمده - يقول U)قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(يعني لمَّا ابتلى الله U المُؤمنين فِيما وقَع لهم في معركة أحد بدأت الآيات هنا تَنزل لتُسلِّيهم ، ولِتُبيِّن لهم أنَّ الـذِّي حصل لهم من الأذى ، والقَرح ، والألم ، والشِّـدة أن هذه سُـنـّة الله U أن يبتلي أولياءه ، ويَصطفي منهم من يشـاء ، ولهذا قال لهم )قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ( والسُنن هِيَ الطَّرائق الثَّابتة وهي سنن إلهية ولذلك قال )قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ( بمعنى قد خلت من قبلكم ابتلاءات الله U لعباده ولأوليائه ، فأَصابهم ما أصابهم من البَلاء والشِّدة )فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (سيروا في الأرض سَير مُتَبصِّرٍ ، مُتَفَكِرٌ ، مُتَذَكِرٌ للأَحداث التِّي وقعت في هذه الأرض ، وهذه السُّنن الإلهية التي يشير إليها عز وجل سنن إلهية في النَّصر والتَّمكين ، وسنن إلهية في الهزيمة والفشل . فنصر الله U له سُنُنه وأسبابه والهزيمة أيضاً لها سننها وأسبابها ولهذا قال عزَّ وجل )فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( وهذا الحقيقة يُعطينا أهمية النَّظر في التَّاريخ ، وأخذ العبرة منه ، لأنَّ التاريخ لا يزال يتكرر ، أحداث التاريخ لا تزال تتكرر هي هي ، تختلف الأزمان ، والأماكن ، والأشخاص ولكن حَقيقة الحَدث لا زال يَتكرر في جِنس البَشر ، لأنَّ البَشر هُمُ البَشر وطباعهم ، وصفاتهم ، وأخلاقهم هي هي، فلأجل ذلك يَتكرَّر منهم الفِعل مرة بعد أخرى ثُمَّ قال U)هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( هذا الإشارة إلى القرآن الكريم يُبيِّن U صفة القرآن فيقول )هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ( يعني بيان للحقّ والباطل ، فيَبين لك الحقّ ويَبين لكَ الباطل )وَهُدًى ( يعنى دلالة على الهُدى الذي يَقُودك إلى رِضا الله ، وجَنَّته )وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( الوَعظ الزَّجر ، والتَّخويف ، أَصل الوَعظ الزَّجر والتَّخويف ، يعني موعظة وزاجرٌ ومُخَوِّف للمتقين ، هذه الأوصاف التي ذكرها الله U هي في الحقيقة أوصاف تختصر لك وصف القرآن الكريم ، لا أظُن أن هناك آية أبلغ في وصف القرآن الكريم من هذه الآية ، إذا أردت أن تصف القرآن فقل هو ( بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) فالقرآن قَد أبانَ طريق الحق وطريق الباطل فاتَّضح للنَّاس ، وهو أيضاً يَهديهم من أراد الهداية يَهديهم إلى السَّبيل الذِّي يُوصلهم إلى الله عزَّ وجل ، وهُو أيضاً أبلغ موعظة وزاجر للمتقين ، ولذلك هذه الصِّفات وهذه المعاني التِّي جاء بها القرآن الكريم تَتَحقَّق للمتقين ، هو الذي ينتفع بها .

ثم قال الله U)وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( وَلا تَهنُوا يعني لا يُصيبُكم الضَّعف ، والعَجز ، والجُبن ، ولا تَحزنُوا عَلى مَا أصابكم يوم أحد من قتل وجِراح وألم ، وهزيمة . لماذا المؤمنون ينهاهم الله عن الضَّعف ، وعن الجُبن ، وعن الحُزن لِمَا يُصيبهم ؟ )وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ( الأعلون بإيمانكم بالله عز وجل ، فكَون الإنسان يعلم أنه على الحقّ ، وعلى الهُدى مهما أصابه من البَلاء فإنَّه لا يصيبه الحزن ، لأنه يعلم أنه على الحق والهدى ، وأنتم الأعلون أيضاً بعون الله لكم ونصره وتأييده فقد نصركم الله U قبل أحد ، وأيضاً قد وعد الله U المؤمنين بنصرهم ، وقد نصرهم حتى فتح الله عليهم مكة فقال )وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( يعني إن كنتم مؤمنين حقيقةً فلا يصيبكم الوَهن ولا يصيبكم الحُزن ثم أيضاً تأتي الآية بعدها وتستمر في تسليتهم فيقول الله جلّ جلاله )إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ( إن يَمسسكم قرح ، القَرح هو الجِراح التي أصابتهم في معركة أحد ، ويشمل أيضاً القتل فنوعٌ من الجِراح يبقى الإنسان معها ، ونوعٌ من الجراح يموت الإنسان بها ، فإن أَصابكم قرح فقد مَّس القوم قرحٌ مثله ، يعني أصابهم قرح مثل قرحكم ، فقُتِل منهم من قُتِل ، وجُرِحَ منهم من جُرِح في هذه المَعركة وفي قبلها وفي المعركة التي قبلها ، وهذا عزاء للمؤمنين يعني أنتم لستم فقط الذي أصابكم الأذى والجراح بل حتى عدوكم أصابهم الأذى والجراح )وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ( المُداولة التَّصريف ، فتُدَاول الأيام تُصرَف لك مرة وتكون لك الغَلبة ، وتُصرف عليك مرة فتكون الغلبة لغيرك ، مرة يُدال لك ومرة يُدال عليك ، وهذه الأيام كما أخبر عزَّ وجل يُداولها بين النَّاس ، وهذه سُنَّة من سَنن الله أنَّه يُداوِل الأيام بين النَّاس ، مرة للمؤمنين ، ومرة للكافرين ، وهذه سُنَّة الله U يُداولها بين النَّاس هذا أمر يعني السَّبب الذِّي أصابكم أن الأيام يُداولها بين النَّاس . والأمر الآخر )وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا (أصابكم ما أصابكم ليعلم الله الذِّين آمنوا ، العلم هنا يعني أن يظهر المؤمنون حقاً من غيرهم ، فيتميَّز المؤمنون بإيمانهم وصبرهم من المُنافقين بقعودهم ، وفعلاً تميَّزوا بعد ذلك وعُرِفَ المنافق من غير المنافق .

والحكمة الثالثة)وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ( أصابكم ما أصابكم لِيختار منكم الله U شهداء يتفضَّلُ عليهم بِمنزلة الشَّهادة ومرتبتها )وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ( وتأملوا دِقةَ العبـارة بقوله يتخذ )يَتَّخِذَ مِنْكُمْ ( وأيضاً )وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ( يعني المتجاوِزين حُدوده عزَّ وجل التَّاركين لِجهاد وقتال عدوّه ، ثم أيضاً حكمةٌ أخرى مما أصابهم )وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ( التَّمحيص التَّطهير ، مَحَّصَ الشَّيء يعني طَهره )وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا ( يعني يُطَهِرَّ الذِّين آمنوا )وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ( المَحق الإهلاك ، ويُهلك الكافرين ، إذاً هذا البَلاء الذي أصابكم أولاً سبَبها المُداولة بين الناس )وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا ( ليَظهر المؤمنون حقيقةً ، ويتخذَّ الشُّهداء ، ولِيمحصكم يُمَحِصَ المُؤمنين من غيرهم ، فتتمحصّ الصُّفوف المؤمنين من المنافقين ، ويَمحق الكافرين ، وسبحان الله هذا الذِّي أصاب المؤمنين من الجِراح والأذى كان سبباً في أي شيء في مَحق الكَافرين بعد ذلك فهذه هي النتائج التي نتجت عن هـذا الذي حصل للمؤمنين ، وربنا عز وجل يَلفت أنظار المؤمنين في هذه الآية ، هو ما يتميز به المؤمنون عن غيـرهم يقول U)إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ( المُؤمن يُصيبُه الجِراح وكذلك الكافر يُصيبه الجِراح ، المُؤمن يُقتل وكذلك الكافر يُقتَل ، في المعركة هل فقط الذِّين يُقتلون المؤمنون كلا ، بل المُؤمنون وغيرهم يُقتلون لكن المؤمنون يتميَّزون عنهم فيما قال الله عز وجل في الآية الأخرى في سورة النساء )إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ([1] نفس الأَلم الذِّي يُصيبكم أيضاً يصيبهم ، لكن ما الذِّي نتميز عنهم )وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ([2] المؤمن مهما أصابه بالجهاد أحد أمرين أما أن يُنصر وإما أن يُستشهد فيُؤجر عند الله ، إحدى الحُسنيين إمَّا النَّصر ، وإمَّا الشَّهادة وكُلٌّ منهما مَرغُوبٌ ، مَحبوبٌ ، مَطلوبٌ للمُؤمنين أمَّا الكافر فلا يرجو إلا النَّصر لكن المؤمن يَرجو إِحدى الأمرين إما أن ينصر على عدوه أو أن يستشهد ، وهذه الميزة العظيمة هي التي تجعل المؤمنين يصبرون في ساحات الوغى وساحات الجهاد ، وتجد أحدهم أسرعُ للقاء عدوه من سرعة عدوه فراراً منه ، ثم قال U بعد ذلك )أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ( أم هذه مُنقطعة للإضراب ، للانتقال من الكلام الذي قبله إلى الكلام الذي بعده ، وهي تُفيد الاستفهام حتى إنَّ كثيراً من أهل اللغة يقولون إنَّها دَالة على الاستفهام حيثُ وَرَد إذا كانت بمعنى الانقطاع ، فالمعنى هنا هل حسبتم أن تَدخُلُوا الجنَّة ، والحُسبان هُنا الظَنّ والتَّوَقُع ، يعني هل ظننتم أيُها المُؤمنون أنَّكم تدخلون الجنَّة )وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ( قوله )وَلَمَّا يَعْلَمِ ( هذه لمَّا تُفيد النَّفي مع تَوقُع حُصُول الشيء ، تقول لمَّا يأتي زيد يعني الآن زيد لم يأتي ، لكنه متوقَّع أن يأتي ، ولكن حين تقول لم يأتي زيد فأنت تنفي مجيئه دون أن تتوقع حصوله ، وهنا نفى الله عزَّ وجل العِلمَ بالمجاهدين بِظُهور المُجاهدين من غيرهم ، وَمَع توقُع أن ذلك سيظهر ، ونعم قد ظهر في الجِهاد ، والقتال في سبيل الله ظهر المؤمنون حقاً من غيرهم )وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ( يعني ولم يظهر الذين جاهدوا منكم من غيره من المنافقين ، وأيضاً لِيعلم الصَّابرين .

ودائماً ما يُـذكر الصَّبر في مقام الجِهاد ، لأنّه قـرين الجهـاد لأنه لا جهاد بغير صبر ، ثم قال U بعد ذلك )وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ( ويُذَّكِر الله U المؤمنين بما سبق قد كانوا يتَمنَّونَ، أليس الصحابة هم الذين كانوا سبباً لخروج النبي من المدينة في معركة أحد ؟ هم الذين دعوا النبي إلى الخروج ، وإلا فالنبي مع كبار الصحابة كانوا يرون أن يبقوا في المدينة ، لماذا أرادوا أن يخرجوا ؟ أرادوا أن يدركوا الفضل الذي أدركه إخوانهم في بدر ، لأجل هذا ، تمنوا الخروج فذكرهم الله فقال يعني كيف يصيبكم الحزن وأنتم كنتم تتمنون لقاء عدوكم ، )وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ( تتمنُون الشَّهادة في سبيل الله ، أو من حِرصكم على الجِهاد كأنَّكم تتمنَّون الموت )مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ( يعني من قبل لقاء أسبابه ، ولِقاء أسبابه بلقاء العدو )فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ( يعني قد رأيتموه الآن وأنتم تنظرون له عِياناً ، ليس فقط رؤية عقلية وإنَّما هي رؤية حقيقية ، رأيتموا أسبابه ولذلك قال

)وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( له عياناً .

ثم قال U)وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( هذه الآيات تُشير إلى ما وقع من المؤمنين بعد أن شاع بينهم أنَّ النبي u قد قتل في معركة أحد ، فقعد بعضهم عن القتال ، باعتبار أنَّ النبي قد قتل فما عاد من حاجة للقتال ، فقال الله U لهم )وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ ( يعني قد انقضت )مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ( وهل أحدٌ من الصحابة يَشُكّ أن أنبياء سابقين قد قضَوا وماتوا لا أحد يَشك بذلك ، ولكن يأتي التَّذكير بهذا الأمر لأنهم فعلوا فِعل من يَشُك بهذا إذا كانوا الأنبياء قد ماتوا قبله فمحمد u مثلهم ، يموت كما يموتون ويُقتل كما يُقتلون فلماذا تقعدون عن الجهاد في سبيل الله بسبب موت النَّبي أو قتله ؟! .

)أَفَإِنْ مَاتَ ( موتاً طبيعياً أو قُتِل في الجهاد ، انقلبتم أصل الانقلاب الرُّجوع )انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ( والعَقب هو مُؤخرة القَدم وهذا مبالغة في شِدّة الانصراف والرُّجوع يعني انقلبتم راجعين على أعقابكم ، ومن يَنقلب على عقبيه ، فلن يَضُرَّ الله شيئاً ، فمن يرجع ويَدع الجِهاد في سبيله وحمل رايته فإنه لا يضر الله شيء بل يضر نفسه ، أن خذل نفسه ولم يسلك بها سبيل الربَّانيين من أتباع الأنبياء ولذلك قال U)وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( .

ثم قال U بعد ذلك )وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( أخبر عزَّ وجل في هذه الآيات أنَّ لكل نفسٍ أجلها المحدود المؤجل يعني المُؤقت التي لا تزيد عنه ولا تنقص عنه ، )وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ( يعني أجر الدنيا )نُؤْتِهِ مِنْهَا ( نُعطه منها ، ولذلك قال )نُؤْتِهِ مِنْهَا ( يعني من هَذه الدنيا ، ومن يُرد ثواب الآخرة نؤته منها ، وسيجزي الله الشاكرين لِنعمه وفضله جزاء عظيماً.

ثم قال الله عز وجل بعد ذلك )وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( . ( كأيِّن ) هذه ، تركيب هذه الكلمة فيه كلام طويل للمفسرين ، وأهل اللُّغة فيه في أصل تركيبها هل هي كلمة مُركبَّة أم هي بسيطة ؟ ثم إذا كانت مُركبة من أي شيء رُكِّبت ، ولكن كلامهم يدور بالنهاية كما يقول أبو السُّعود يدور حول أنها بمعنى ( كم ) دالة على معنى الاستفهام عن العدد )وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ ( يعني كم من نبي قتل )مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ( فتشير الاستفهام عن العدد قال U)وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ( .

قاتل معه قد وَرَد في هذا المَوضع قراءتان سَبعيتان متواترتان وقع خلاف بين أهل العلم، في معنى الآية عليها فقوله )قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ( هذه قرأ بها حمزة والكَسَائي وعاصم .

وبها نقرأ على البناء للفاعل )قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ( فالذين قاتلوا هنا هم الأنبياء ، والرِّبيُّون وفي قراءة أخرى سَبعية قرأ بها أبو عَمر وابن كثير ونافع ( قُتِلَ ) البِناء للمجهول ( قُتِل مَعَهُ ) فإذاً هذه الآية تُشير أن هذه القراءة قراءة المبني للمجهول إلى أنَّ النبي قُتِلَ هو ، ورِبيُّونَ كثير معه ، ويُحتَمل أن يكون أنَّ هذا النَّبي قُتل معه دفاعاً عن الحق ربيون كثير ، ولا يَلزم أن يكون هو الذي قُتِل وإنَّما هم قُتلوا معه نقول قتل مع الجيش الفلاني كذا وكذا ، أو مع القائد الفلاني مائة وأنت لا تريد أن القائد هو الذي قُتِل ، فهذه القراءة تُثبت أنَّهم قُتِلُوا ، على إحدى احتمالين إمَّا أن يكون النَّبي ومعه ربيُّون كثر قتلوا، أو أنَّ هؤلاء الربيون قُتِلوا مع النَّبي ، يعني في صُحبة النَّبي دون أن يكون النَّبي هو الذِّي قُتِل ، أما قراءة )قَاتَلَ ( فهي لا يَلزم منها حُصول القتل وإنّما المقاتلة ، المقاتلة قد يُقتل بعضهم ، قد يُصيبهم الجراح فكُلٌّ من القراءتان تؤدي المعنى أن كثيراً من الأنبياء والربييِّن معهم قد قاتلوا في سبيل الله فمنهم مرة قد يُقتلون ، ومرَّة قد يُصيبهم ما دون ذلك قوله )رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ( .

اختلف فيها المفسرون فمنهم :

من قالإنَّ الرِّبِيُون هُنا يعني رَبانيُّون من الرَّباني وهم أتباع الأنبياء وخاصتهم ، أتباع الأنبياء وخاصَّتهم ، ونعلم أن أتباع الأنبياء وخاصة هم الأصفياء من المؤمنين ، أصفياء المؤمنين يعني مثل الحواريين .

والمعنى الآخر وهُو المَشهور في اللُّغة أنَّ الرِّبيُّون مُشتَقٌ مِنَ الكَثرة ، يعني قُتل معه أناس كثير ، الرِّبيُون يعني الكثيرون ، الجماعات الكثيرة ، الربيون يعني هي الجماعات الكثيرة )فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ ( من القَتل أو الجراح ما أصابهم الضَّعف والجبن )وَمَا ضَعُفُوا ( يعني ما قعدوا عن القتال )وَمَا اسْتَكَانُوا ( يعني ما خَضَعُوا وخَشَعوا لأعدائهم مع هذا العذاب العظيم الذِّي أصابهم لكنَّهم لم يُصبهم الجبن ولا الضَّعف ولا الاستكانة والمَذلة ، ولهذا قال )وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ( لم يَقُل والله يُحبُّهم لأنَّ هَذه الأخلاق التي هُم عليها أخلاق من الصَّابرين ، فالله يحبهم ووصَفهم الله بالصَّبر ، وأيضا ذكر محبته لهم ثم قال )وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( يعني لم يكن منهم من قول ، لم يكن منهم من شكاية ما شكوا ، ما تأَففوا ، ما جَزعوا أبداً ما كان منهم إلا قالوا ماذا ؟ )رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا (سبحان الله يعني يُصيبهم القتل ، والجِراح والآلام الشديدة ، ومع ذلك يَزدَرُون أنفسهم في جَنب الله مع أنَّهم خرجوا لقتال عدو الله في أعظم ميدان ( ميدان الجهاد ) ، ومع ذلك يزدرون أنفسهم فيسألون الله أن يغفر ذنوبهم لأنَّهم علموا أنَّ هذا الذي أصابهم ما أصابهم إلا من عند أنفسهم فسألوا الله أن يغفر ذنوبهم ، أولاً بدؤوا بها ، ما بدؤوا بالنَّصر على العدو .

)رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ( يعني مُجاوزتنا في أمرنا وشؤوننا ، مجاوزتنا لما أمرتنا به ، ولحدود ما أمرتنا به )وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ( بعد أن تغفر الذنوب وأن يتجاوز عنها يسألون الله تثبيت أقدامهم والنَّصر على الكافرين ، وهذا السؤال الحقيقة مع أنه في غاية الأدب مع الله إلا أنَّه هذا هو المنطق الصحيح ، لأنه كما ذكرنا أن الهزيمة تكون في القلب أولاً ، ولا سلامة منها إلا بالتَّجافي عن المعاصي التي هي السبب لضعف القلب ولذلك قال )رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ( فإذا غُفِرت الذُّنوب ثبُت القلب فإذا ثبت القلب ثبتت الأقدام في المعركة ، وإذا ثبتت الأقدام في المعركة كان النصر على العدو ولذلك قال )رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (فما كان جزاءهم بعد ذلك )فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ (ثواب الدنيا بالنَّصر على العَدُوّ والتَّمكين والغَنيمة ، وحُسن ثواب الآخرة بإنزالهم أعلى المنازل منازل الجنة نسأل الله الكريم من فضله ، ثم قال عز وجل بعد ذلك .

وأحب قبل أَن انتقل من هذه الآية أن أُشير إلى أنَّ الحادثة التي حصلت من قُعود بعض الصَّحابة عن القتال بعد سماعهم مقتل النبي صلى الله عليه وسلم ومُعاتبة الله عز وجل لهم تشير إلى مبدأ عظيم يجب على الدُّعاة إلى الله عز وجل وعلى من يقوم ويحمل همَّ الدعوة إلى الله عز وجل أن يتنبه إليه وهو أن يكون قيامه ودعوته وجهاده من أجل الحق لذات الحق الذي يدعو إليه ، ليس لمن يحمل الحق ويقوم به كائناً ما كان ، حتى لو كان النَّبي ، فإن النَّبي يموت ويُقتل ، فهل يموت ويُقتَل الحق بقتل النَّبي ؟ وهل يَقعد النَّاس بعد موته ؟ أبداً بل يجب عليهم أن يقوموا .

ولذلك جاء في بعض الروايات والآثار أنَّ أحد الصَّحابة مَرَّ به رجل وهُوَ يَتشَحطُ فِي دَمه [3] - قد قارب الموت - يتشحط في دمه . فقال له : أشعرت يا فلان أنَّ محمداً قد قُتل . قال : فإن كان قد قُتِل فقد بَلَّغ ، فقوموا فقاتلوا على ما كان عليه يقاتل ، أو نحواً من هذه الكلمة .فيقول إن كان قد مات فقد بلغ ، فقوموا فقاتلوا على ما كان يُقاتل عليه .

فالحقّ والهُدَى لا يَرتبط بأشخاص مهما عَلَت أَماكنهم لأنّهم قد يَضِلُّون وقد ينحرفون ، وقد يموتون ، وقد يُقتلون فلا يرتبط الحق بهم ، بل الدعوة إلى الله وبذل المعروف ونصح الناس والسعي في الخير يقوم به لأنه هو الحق في ذلك ويهلك عليه الأول ويقوم به الآخر .

قوله عزَّ وجل )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( يقول الله عزَّ وجل )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ( مهما كان أولئك الكفار من اليهود والنصارى والمشركين فيما يـأمرونكم به يردوكم على أعقابكم )يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( يرجعونكم بعد إيمانكم إلى الكفـر )فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( قال انقلب الرَّجُل لأهله يعني رجع إلى أهله ، فترجع بعد ذلك بالخُسران لا ترجعون إلا بخسران .

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل