تفسير سورة آل عمران - المجلس الثامن - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس الثامن - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال عزَّ وجل )هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( .

بعد أن ذَكَرَ الله Uالمُؤمنين ذَكَرَ لهم خطورة اتخاذ أهل الكتاب خاصة لهم ، يُفضون إليهم بأسرارهم ، والتَّنبيه على أهل الكتاب خصوصاً مع أنَّ المشركين من باب أولى ، لأنَّ أهل الكتاب لما بيننا وبينهم من قرب يتعلق بإيمانهم بالله U ، وإيمانهم بالرُّسل ، وللأَحكام الخاصَّة بهم قَد يَتساهل النَّاس في شُؤونهم ، فيُدنونهم ، ويُقربونهم وقد وقع مثل هذا قديماً حتى عند السَّلف من القرون المفضلة ، لهذا النوع من التقارب ، يتساهل معهم لكن مع الكفار الغالب أن أهل الإسلام يكونون حذرين منهم ، ولذلك ناسب التأكيد ، والتنبيه على خصوص أهل الكتاب .

قال الله U)هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ ( يعني هاأنتم يا هؤلاء المؤمنون ، والهَاء هذه للتنبيه ، أداة تنبيه ، )هَا أَنْتُمْ ( أيّ يا هؤلاء المؤمنين )تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ (ومحبة المؤمنين لهم يعني رجاء الخير لهم ، وأنَّ المؤمنين يَرجُون لهم الخير ، ولا يُكنِّون في صُدورهم غِلاً وحقداً عليهم ودَخِيلة عليهم .

ها أنتم هؤلاء )تُحِبُّونَهُمْ ( تَرجُون لهم الخير )وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ( يعني لا يَودُّون لكم الخير )وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ( يعني بِكُلّ الكتب ، الكتاب هنا جنس يشمل كُلّ الكتب الإلهية ، ومنها كتب أهل الكتاب من اليهود والنصارى )وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا( يعني قالوا صدَّقنا بأفواههم فقط يعني خِداعاً لكم ، ومُجاراة لكم بألسنتهم ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض )وَإِذَا خَلَوْا ( يعني خـلا بعضهم إلى بعض ، خلوا إلى خاصتهم )عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ (يعني يبقى أحدهم يعضُّ أطراف أصابعه غيظاً منكم ، غيظاً لمَ ؟ لأن الله هداكم للإيمان ، وغيظاً لأنَّ الله أعزَّكُم به ، وجمع فُرقَتُكُم ، ووَّحد صفَّكم، وغيظاً لما بَينكم من الائتلاف ، ولأنَّكم أنتم الأعلون)قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (

وقوله U)مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ( يعني ابقوا على ما أنتم عليه من هذا الغَيظ ، والكَمد حتى يأتيكم المَوت ، وسبحان الله يعني كيف يبقون على هذا الغَيظ إذا كانوا يغتاظون من الهُدى الذي فيه أهل الإيمان ، ومن الاستقامة التي هُم عليها ، ومن الاجتماع الذي عليه ، لماذا لا يتابعونهم ؟ ولماذا لا يهتدون بهديهم ؟ بل يَبقون على ما هم عليه ، ولهذا قال U)قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ( يعني ابقوا على ما أنتم عليه حتى تموتوا من غيظِكُم الذي أنتم فيه .

الآيات التي تَليها يقول U : )إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ( أيضاً هذه من أخلاقهم )إِنْ تَمْسَسْكُمْ ( المَسّ أول درجات اللَّمس ، والحسنةهنا جاءت نكرة لِتَشمل أي أنواع الحسنة ، حسنة في دُنيا ، أو حسنة في آخرة ، حسنة في مَال ، أو حسنة في مُعافاة ، أو حسنة في رِزق ، أو حسنة في تِجارة ، أو حسنة بنزول الأمطار، ونحو ذلك أي حسنة تَمَسُّ المؤمنين ، مُباشرة ما إن تنزل بهم إلا تسؤهم ولذلك قال )إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ(يَسُوئُهم ذلك)وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ ( مهما تكـن هذه السيئة )يَفْرَحُوا بِهَا ( ويستبشروا، ويُسَرُّوا بها ، ويقولون هذا دلالة على أنهم على الدِّين الباطل ، وأنهم ليسوا على الحق ويُضلٍّون الناس بهذا )وَإِنْ تَصْبِرُوا (إذًا أمام هذا الأمر الإنسان الذي يفرح بما يسوؤك ، ويحزن بما يَسُرُّك ماذا تستطيع تفعل له هل تقاتله ؟ هل تشتمه ؟ لا يُناسِب هذا لأنَّه ما فعل شيئاً وإنَّما هذا فرح في القلب ، أو حُزن في القلب ، ما الذِّي يجب عليك إِزَاء هذا الإنسان ومن كانت هذه صفته ؟ الصَّبر .

)وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا (الله U يعني تَصبروا على ما يأتيكم منهم ، وتَصبروا على أمر الله U وما يُكلِّفكُم به ، وتتقـوا الله بفعل أوامـره واجتناب نواهيه)لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (فهو U محيط بأعمالهم ، لا يخفى عليه شيء منها ، وسيجازيهم عليها ، ويردُّهُم خائبين ، لا ينالون من كيدهم شيئاً .

قول الله U)وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ([1] وهذا المَقطع من السُّورة الكريمة ، بدأَ الحديثُ فيه عن غزوة أُحد وعن مَا حصل فيها من أحداث ، وعن ما وقع من بعض الصَّحابة من مُخالفةِ أمر النَّبي e وما تَرتَبَ على ذَلك من هَزيمة للمؤمنين وأذىً أصابهم من عَدِّوهم، وبدأت الآيات الكريمة تُذكِّر النَّبي e والصَّحابة مِن بعده بذلك الحَدَث ، فيقول U)وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ(يعني اُذكر أيُّها النَّبي u ، حِين غَدوتَ مِن أَهلك والغُدُّوُ الذَّهاب أوَّلُ النَّهار)وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ( بمعنى تُنزِل المُؤمنين مَواضِعهم ، ومنازِلَهُم في القِتال )وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(وهذه من صِفَات القَائِد المُحنَّك للجَيش أن يكون عالماً بأفراد جيشه ، عالماً بمنازلهم ، يُنزلهم مواضعهم التي تتناسب مع الخُطَّة التِّي أَعدَّها لِقتالِ عَدُّوه ومقابلته ، ولذلك قال )تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ( عيَّنَ النَّبي e لِكُلِّ فَردٍ من أفراد جُنده وجيشه مكانَهُ الذِّي يَستقِرُّ فيه ، وكان أَكَّدَ على الرُّمَاة في جَبل أُحد أن لا يُغادروه ، مَهما حَصَل حتى لو رأوا النَّبي والصَّحابة تتخطَّفهُم الطِّير ، أن لا يُغادروا وأن لا يَبرحوا مكانهم .

وهذا التَّأكيد منه u لِحكمةٍ لعلَّ الله عزَّ وجل أَطلعه عليها بما سيقع من الصَّحابة بعد ذلك . قال U بعد هذا )إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ( أيّ اُذكر )إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ( يعني وَقَعَ الهَمُّ في قُلوبِ طَائفتين مِن المُؤمنين مِن صَحابة النَّبي e ، من قبيلة بني سَلِمَة وبَني حَارثة ، فقد هَمَّتا بالفَشل يعني الجُبنَ والضَّعف والرُّجُوعَ مع الذِّينَ رَجَعُوا من المُنافقين ، فإنَّ المُنافقين رَجَعُوا مع رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول وَخَذلُوا المُؤمنين في أَشَدِّ أوقاتهم حَاجَة ، وهذا أوقع ضعفاً في بعض المُسلمين حتى هَمُّوا بِالرُّجوع والجُبنَ عن مُواجهة الأعداء ولذلك قال U)أَنْ تَفْشَلَا ( يعنى أن تجبُن عن قتالهم )وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا (ولكن الله هو وَلِيُّهُم يعني نَاصرهُم وَمُثَبتَّهُم

ونَعم فقد ثبتَّهُم الله U عَلى القِتَال ، وعلى مُـواجهة المُشركين ولهذا قال U : )وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ( لأنَّ الإنسان مهما كان عنده من العَـدَد ، والقُوَّة والاستعداد فإنَّ أَهَمّ مَا عليـه أن يكون ثباتُهُ وشجاعتُهُ فِي قَلبه ، لأنَّ الجُندي والمُقاتل يُهزَم أوَّل ما يُهزَم فِي نفسه ، فإذا هُزِمَ في نفسه هُزِم في سَاحَة المعركة ، ولِذَلك المُؤمن حينما يَنزل في ساحات الوَغى وساحات الجِهاد عليه أن يربِط قلبه بالله U ، ويُعلِّق ثقته به ، ولِهذا قال : )وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ( ثم قـال U : )وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ( يُذَّكِر الله U النَّبي u والصَّحابة ، بفضله عليهم ونصره لهم مع قِلَّتهم ، قِلَّة عددهم وضعف عَتادهم فقال )وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ( يعني قليلٌ عددكم ، قليل قُوَّتُكُم ومع هذا فقد نَصركم الله U.

وتأمَّلُوا الآية الكـريمة خُتمت قالت )فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُـرُونَ (ليُشير إلى أن التقـوى سببٌ في تحصيل شكـر الله U ، وليُشير أيضاً إلى أنَّ التقوى سبب لِنصر الله U لعباده المؤمنين ثم قال U بعد ذلك )إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ( يقول الله عزَّ وجل اُذكر أيُّها النَّبي وقت أن قلتَ للمُؤمنين تسألُهُم ألا يَكفيَكُم أن يُنزل الله عَليكم مَدَداً من السَّماء من الملائكة يبلُغ عدده ثلاثةُ آلاف ، وهذا المدد الذِّي نَزَلَ للمُؤمنين في غزوة بدر كان تثبيتاً من الله عز وجل للمؤمنين ، وقد نَزَلت المَلائكة تثبيتاً للمؤمنين مرةً بعد أُخرى ، فأوَّلُ العَدد الذِّي نَزَل للمُؤمنين ، قد بَلغ ألف مقاتل ، ثم بعد ذلك ثبَّت الله المؤمنين بنزول ثلاث آلاف مقاتل ، بلغ بهم ثلاثة آلاف ، ثم في الآية التي تليها بلغ بهم خمسة آلاف ، فكان عدد المَلائكة الذِّين نَزلُوا للقِتال مع المُؤمنين في معركة بدر خمسةُ آلاف من الملائكة ، وهذا العدد الكبير من الملائكة حقَّقَ أمران :

أوَّلُهما نصر المؤمنين وإعانتهم .

والأمر الآخر التثبيت لقلوبهم .

فإنَّ واحداً من المَلائكة يَستطيع أن يُهلِكَ أَهل مكَّة كُلِّها ولكن هذا العدد الكبير من المَلائكة فيه التَّثبيت النَّفسي لقلـوب المؤمنين على قتـال عَـدِّوهم ، وهـذا الاستفهام الـوارد في الآية )إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ( هذا الاستفهام فيه معنى التقرير يعني سَيَكفيكم أن يُمِدَّكُم الله U بِهَذا العَدد بثلاثة آلاف مِن الملائكة مُنزَلين يعني يَنزِلُونَ خُصُوصاً من أَجلِ نَصركم وتأَييدكم ، وقد ثَبَتَ في روايات متعددة أنَّ الملائكة قد قاتلوا المُشركين حقيقة في معركة بدر حتى أنَّ الصَّحابة كانُوا يُميِّزون بين قتلاهُم ، وقتلى الملائكة بل المشركون أنفسهم كانوا يَشعُرون بهذا ، يشعرون بأنَّه قد شارك في المَعركة أُناسٌ لا يعرفونهم فهذه الآثار تَدُلُّ على أنَّ المَلائكة قد شَاركوا فعلاً في القِتال مع المُشركين في معركة بَدر على الصَّحيح من كلام أهل العلم وهو قول الجمهور ، قول جمهور أهل العلم ، ثم قال عزَّ وجل بعد هذا الاستفهام وهو من تَمام كلام النَّبي e ومن تمام الكَلام الذي حكاه الله عن نبيِّه )أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى( يعني بلى قد كَفَاكُم ذلك ، ثم قال U)إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ( إن تَصبروا على قتال عدِّوكم ، وعلى أمر الله لكم ، وتتَّقُوا الله بفعل أمره واجتنابِ نَهيه )وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ(فرُبِطَ المَدد من الله والنَّصر ( بالصَّبر والتَّقوى ) والحقيقة إذا تأمَّلنا الآيات الواردة في نصر الله U للمؤمنين وجدنا شرط الصَّبر وشرط التقوى من أبرز الشُّروط التي يَستوجب بها المؤمنون نصر الله U وتأييده وتَمكينه لِعباده .

وقول في الآية )بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ( يعني لهم علامات ظاهرة ، التَّسويم التَّعليم لهم علامات ظاهرة ، هذه العَلامات عليهم ظاهرة ، وعلى خُيُولهم التِّي كانوا يركبُونها ، وهذه علامات كانت تُميِّز المَلائكة ويُعرفُون بها .

وبعد أن أخبر الله U بهذا المَدد العَظيم الذي نَزَلَ على المؤمنين قال U)وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ( يعني يَقولُ U إنَّ هذا المَدد وهذا العَون الذِّي نَزَلَ عَليكُم ما جعله إلا بشرى فقط ، تستبشر به القُلوب وتهـدأ به النفوس وتطمئن ، وإلاَّ فالنَّصر حقيقةً بيد الله U، هو الذِّي يَنصرُ من يشاء ، وهذا ربطٌ للقُلوب بِخَالقها ، وربطٌ لها بالذِّي بيده النَّصر حقيقة، بحيث أنَّ المؤمن لا يتعلق بالأسباب المادية ، نعم يعد ما استطاع من قوة من رباط الخيل ويأخُذ للحَرب أهبتها ويُعِدّ لها آلتها ، ولكن لا يعتمد عليها ، بل يُعلِّق رَجاءه بالله U ، ولهذا قال )وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ (الذي لا يغالبه أحد )الْحَكِيمِ( الذي يَضَعُ الأُمور مَواضعها ، ثم قال U)لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ( .

بَيَّن الله U أنَّ هذا المَدد وهذا النَّصر منه لِيُحقِّق به أغراضاً وحِكماً

أوَّلها ( ليقطع طرفاً من الذِّين كفروا ) يعني قَطع الطَّرف المقصود به هنا القتل لقتل جزءًا من الذين كفروا .

)أَوْ يَكْبِتَهُمْ ( وهذا النتيجة الثانية وهي أن يكبتهم بأن يُذِلَّهم ، ويغيظهم بهزيمة المؤمنين لهم فيرجعوا إلى قومهم وإلى أهلهم بالفشل الذَّريع .

قبل أن نغادر هذه الآيات التي تشير إلى غزوة بدر ، أشير إلى أن قوله U)بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ( قد وقع فيه خلاف بين أهل العلم في معنى هذه الآية في قوله U)وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ (هل الذين يأتون من فورهم يأتون من ساعتهم ومن حينهم - هل المقصود به الملائكة أم المشركون ؟

فإن قُلنا أنَّ المقصود به الملائكة فإنَّ المقصود بمعنى الآية يعني أن الملائكة ينزلون لكم هذه الساعة مباشرة ، وعليه فيكون المراد بهذا النزول في أي معركة في معركة بدر ولا إشكال عندئذ ، ولكن الإشكال أنَّ بعض المفسرين قال إن قول الله U)وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ ( يعني ويأتيكم المشركون بِمَددهم من فورهم فإن بعض المشركين قد همَّ أن يُعين الكفار في غزوة أحد ، ولهذا وقع الخلاف بين أهل العلم في هذا المعنى هل هذا العدد وعد في معركة أحد أم في معركة بدر ؟

والذِّي يظهر من سياق الآيات الكريمة أنَّ هذا العَدد نازلٌ في معركة بدر وأن قوله عز وجل )وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ ( ، نعم يحتمل أن يكون )وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ ( يعني يأتي مدد المشركين من فَورهم ، أو يحتمل أيضاً أن يكون يأتي مدد الملائكة سراعاً ، والآية تحتمل هذا وهذا من حيث المعنى ، فإن كان المعنى )يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ ( يعني يأتي المشركون من فورهم ، فهذا إخبار من الله أن مددهم وإعانته تأتي مباشرة ، كأنك تقول إذا أتى لك العدو مُسرعاً فإنَّ نَصري وإعانتي لك تأتي أسرع منه ، هذا إذا جعلنا المقصود بالمجيء هنا مجيء الكفار ، وإن كان المقصود به مجيء الملائكة فلا إشكال عندئذ .

ثُمَّ قال U بعد ذلك ، بعد أن ذكر هذا السِّياق المُتَّعلق بمعركة بدر ، و هو في أثناء الكلام عن معركة أحد ، رجع السِّياق مرة أخرى إلى الكلام عن معركة أحد .

فقال U)لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ( ورد في سبب نزول هذه الآية أنَّ النبي e لمّا ناله ما ناله في معركة أحد وأصابه ما أصابه هو وأصحابه ، دعا على رؤساء المشركين بالهَلاك ، فأنزل الله U عليه هذه الآيات وفيها يقول U)لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ( يعني ليس لك من أمر هؤلاء المشركين شيء إنَّما أنت مبلغ عن الله ، ليس لك من أمرهم شيء ، فإن الأمر كله لله ، إذاً ليس لك أيُّها النبي من أمرهم شيء أو من أمر التوبة عليهم أو من أمر عذابهم فإنهم ظالمون ، هذا أقرب ما ظهر لي تُحمَل عليه الآية الكريمة ، وإلا فإنَّ المفسرين وقع بينهم خلاف طويل في معنى هذه الآية ، فإن بعضهم قال إنَّ هذه الآية تتعلَّق بمعركة أُحد ، وبعضهم قال تتعلَّق بمعركة بدر ، لو كانت تتعلق بمعركة بدر وقد أُطيل في هذا الموضع لأنَّها مسألة اختلف فيها المُفسرون اختلاف واسع إن كانت تتعلق بمعركة بدر فيكون السِّياق تابع لما قبله من الآيات في قوله U)لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ( .

إذاً يكون نَصر الله للمؤمنين يترتب عليه هذه الأمور الثلاثة :

أولاً يقطع طرفاً من الكُفر يعني يقتلهم أو يكبِتَهم أو يتوب عليهم أو يُعذِّبهم فأصبحت هذه هي الاحتمالات التي تنتج عن نصر الله للمؤمنين إذا جعلنا الآية نازلة في معركة بدر ، إن كانت نازلة في معركة أحد فإنَّ الآية التي سبقتها في معركة بدر ، إذاً قوله )لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ( هذا استئناف للحَديث عن معركة أحد ولذلك قوله )لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ( يُشكِل عليه على أيّ شيء يتعلَّق هذا الكلام ، ولِذلك قُدِّر مَحذوف أَنسب ما أرى أَنَّه يُقدَّر به أن يُقال: ليس لك من أمرهم شيء ، من أَمر هؤلاء المشركين ولماذا قلنا إنَّ هذه الآية : الصَّحيح أنَّها نَزلت في معركة أحد [2] بسبب نزول الوارد فيها فإنَّ في الصَّحيح الثابت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم همّ بالدُّعاء عليهم وفي بعضها أنه دَعا على رؤسائهم وكبرائهم فأنزل الله هذه الآيات لتبين أنه ليس لك أيها النبي من هذا الأمر شيء وعند إذاً سيكون التَّقدير الأنسب أن يقال ( ليس لك من أمرهم شيء ) أو من أمر التَّوبة عليهم ، أو من أمر عذابهم شيء فإنَّ الأمر كله لله فإن شاء تاب عليهم ، وإن شاء عذَّبهم ، وهذا ما حصل فإن الله قد تاب على بعض المشركين فأسلموا ، وحَسُن إسلامهم وأيضاً عذَّب بعضهم فقتله في هذه المعركة وفي بعدها وفي معارك مختلفة التي جاءت بعدها ، كما في فتح مكة ثم قال عزَّ وجل )وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( وهذا التَّعذيب لأحد الاحتمالات وهو احتمال التَّوبة عليه لماذا ؟ لأن الله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، فإن شاء غفر لهم وإن شاء عذَّبهم ذلك لأنه U له ملك السماوات والأرض.

ثم قال

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل