تفسير سورة آل عمران - المجلس السابع - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس السابع - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال U)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( .

قوله )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (حبلُ الله المُرَاد به هنا كتابُ الله عز وجل . وسُنَّةُ رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما تَقدَّم وقد شبَّهَهُما تشبيهاً بليغاً شبَّه كتاب الله - عزَّ وجل - وَسُنَّتِه بالحَبل الذِّي يَتَمَسّكُ به الإنسان للنَّجاة ، لو أنَّ إنساناً قد أُلقِيَ في حُفرةٍ عميقة فلا سبيلَ له أن يَخرُجَ منها إلا بحبل قد تَدَلَّى له ، أو أُلقِيَ في بَحرٍ لُجِيّ ولا سبيل له للنَّجاة إلاَّ بهذا الحبل الذي أُلقي إليه ، كيف يكونُ تَمَسُّكُهُ بِهذا الحَبل ؟ كيف يكونُ اِستمسَاكُهُ به ؟ أليس يكونُ استمساكاً شديداً ؟ ولذلك جَاءَ في الحديث « عَضُّوا عَليهِ بالنَّواجِذ » [1] استمسكوا به غاية الاستمساك ، ولهذا قال الله U)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ (وهذا من التَّشبيه البليغ ، تشبيه اتَّباع ما وَرَد في الكتاب والسنة بالحبل الذي يَستمسك به الغَريق ، أو المُلقَى في حفرةٍ عميقة لا سَبيل للنَّجاة منها إلاَّ بهذا الحبل .

)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (فالاعتصام بحبل الله، والاستمساك به أَمَنَةٌ من التَّفَرُّق، ثم قال الله )وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ( وهذه الآيات كما ذَكرنا تَنزِل بعد الحادثة التي وقعت بين الأوس والخـزرج فيُذَّكِرهُم الله U بسابِق نعمته عليه ، بعد أن كانوا أعداءً ثَارت بينهم الحُروب ، والثَّارات التي استمرت فترة طويلة ، ثم هَداهُم الله بهذا الدِّين وجَعلهم كما قال الله U)فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (يعني إخواناً مُتَّحابِين .

)وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ (الشَّفا في اللُّغَة : طَرَفُ الشَّيء ، ومنه شَفَا البئر أيّ طَرَف البِئر .

وقوله U)شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ( يعني على شَفَا جهنَّم ؛ لأنَّ الحالة التي كانوا عليها كانت حَالَ كُفرٍ وبُعدٍ عن الله U ، وكانت حَالةَ تَفَرُّق وتشرذُم ، وهذه حال تقودُ في النِّهاية إلى النار .

)وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ( أنقذكم الله U منها بهذا النَّبي الكَريم u وبما أنزل إليه من القرآن .

قال الله )كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( يَعني كَهَذا البيان الذي بيَّنه لكم مِن إنزال الكِتابِ والسُّنة والأمر بالاعتصام ، كَهَذَا البَيان يُبيِّن الله لَكم آياته عُمُومًا )لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( إلى طريق الرَّشَاد ، وتَسلُكون سبيل الاستقامة ، وهذه الآية فيها دَلالة على أنَّ الاستِمسَاك بِالكِتابِ والسُّنة من أَعظَمِ أَسبابِ العِصمَةِ من الفُرقَة .لأنَّ الناس يَختَلِفُون ، ويَفترقون لأَسبابٍ تدورُ حول الأهواء ، لاختلاف الأهواء ، واختلاف المَطَامِع ، والمَكَاسِب يَقع بين النَّاس الاختلاف والافتراق ، ولا عاصم لهم إلا بالرُّجُوع إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه فبها تزول الأهواء ، وبها تنقطع الأطماع ، فتنقطِع الأسباب التِّي تُوقِع النَّاس في الاختلاف ولذلك الاعتصام بالكتاب والسُّنَة من أعظم أسباب العِصمَة من الاختلاف .

ثم قال U)وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)( .

أمر الله U المُؤمنين بأن يَكونَ منهم أمة ، والأُمَّة في اللُّغَة يعني الجماعة ، أو الطَّائفة قوله )مِنْكُمْ ( قد اختلف فيها المُفَسِّرون فمنهم من قال إنَّها بيانية ، إنَّ من هذه مِن البيانية ، ومنهم من قال إنَّها التَّبعيضية يعني ليكن من بعضكم

• فقالوا إنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على بعض المؤمنين ، نعم هو يَجِب على الأُمَّة بمجموعها ، لكن من باب الوجوب الكفائي إذا قام به بعضها سقط عن بعضها الآخر .

ولكن إذا تأمَّلنا سِياقَ الآيات الكريمة وجدنا أنَّ الآيات الكريمة تُشير إلى فضائل هذه الأُمَّة وإلى ما اختَّصها الله بها عن سائر الأمم ، وهذا يَتناسَب مع الإشارة إلى فَضل هذه الأُمَّة بأمرها بالمعروف ، ونهيها عن المنكر ، دون أن يكون القصد إلى بيان حُكمِ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر . ولذلك ذَهَبَ بعضُ المُفَسِّرين إلى أنَّ مِن هَذه بيانية يعني لتكونوا آمرينَ بالمعروف ، نَاهِين عن المُنكر ، وهذه هي المِيزة التي ميَّزَت هذه الأُمَّة ، أن تكون أُمةً آمرةً بِالمعروف نَاهِيَةً عن المُنكر . وهل يوجد مؤمن لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن مُنكر ؟ الحقيقة لا يوجد مؤمن لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ، إذا أخذنا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر بمفهومه العامّ فكُلُّ من امتثل أمر الله عز وجل هو آمِرٌ بالمَعروف ، ناهٍ عن المُنكر، ولا يَخلُو الإنسان في بَيته ، أو في عَمَلِه ، وفي أيّ حال من الأحوال وفي حال دون حال أن يكون آمراً بالمعروف ، أو ناهٍ عن منكر ، فإذا صَحَّ هذا الكلام كانت الآية وصفاً للمؤمنين جميعهم ، ويؤكِّدها الآية التي ستأتي بعدها قريباً وهي قوله U)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ( .

فإذًا قوله )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ( ذكَرَ الله U هذه الآية بعد أن بيَّن لهم ، وأبانَ لهم فضله عليهم بأن جَمَعَهُم بعد فُرقة ، وآلفَ بين قُلوبهم بعد نِزاع ، بعد ذلك أمر الله عزَّ وجل المُؤمنين أن يُؤَدُّوا شُكرَ نِعمَ الله عليهم بأن يَكونوا دُعاةً إلى الخير ، آمِرِين بالمعروف ، ناهِينَ عن المُنكر فقال )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ( وقال هُنا عزَّ وجل )إِلَى الْخَيْرِ (لِيِشمَلَ كُلّ خَير ، لِيَدخُل فيه كٌلَّ خَير أَمَرَ بِهِ الشَّرع ، أو دَلَّ عليه العَقل ، وهذا بابٌ واسِعٌ ، وبحرٌ لا سَاحِلَ لَه ، كُلُّ خيرٍ ، كُلُّ بِرّ ، كُلُّ مَعروف . يدخل ضِمنَ ما تَدُلّ عليه الآية الكريمة ، وأمرُ الله U للمؤمنين بالدَّعوة إلى الخير بعد بيان فضله عليهِم يَصدُق عليه أن يُقال إنَّ الواجبَ على الإنسان يَعظُم بِعِظَمِ قَدر النِّعمةِ عليه ، كُلَّما عَظُمَت نِعمةُ الله عليك عَظُمَ الواجِبُ وحقَّه عليك ، كلما تَعظُمُ نعمةُ الله عليك يَعظُم حقَّهُ عليك ولذلك عَظُمَ الواجبُ الذِّي عَلينا لأنَّ النِّعمة التِّي نحن فيها نعمةٌ عظيمة من الله U .

ثُمَّ قال U بعد ذلك )وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( . يعني لا تكونوا مِثلَ الذِّينَ تَفَرَّقُوا من أهل الكتاب واختلفوا بعد ما جاءتهم البَيِّنات الواضحة ، هؤلاء الذِّين تَفرَّقوا واختلفوا من أهل الكتاب فتَنازَعُوا وكانوا شِيعاً وأحزاباً كثيرة وبينهم من العَداء ، والاختلاف ما اللهُ به عليم ، وتفرَّقُوا بعد اجتماع ، وضلُّوا بعد هدى ، فنَهَى الله عزَّ وجل أَن يُشَابِهُوا أَهلَ الكتاب في ذلك ، ثمَّ قال )وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( بسبب اختلافهم وتَفُرُّقُهُم بعد أن عَلِمُوا الهُدى ، وبانَ لهُمُ الحقّ .

ثم قال U)يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ( يعني لهم عذابٌ عظيم متى ؟ في اليوم الذِّي تبيَّضُ فيه الوجوه ، وتسوَّدُ فيه الوُجوه ، يقول U)يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)( .

قوله U)يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ (البَياضهنا وصفٌ حقيقي وليس تشبيهاً على سبيل المَجاز كما قال به بعض المفسرين ، بل هو وصف حقيقي حيث تبيَّض وجوه المؤمنين ، وقد جاءت الآيات الأخرى دالّةً على معنى هذه الآية في معنى اصفرار الوجه وفَرَحِه ، وبِشره ، وهذه كُلُّها تَدُور حول معنى بياض الوجه وسُروره ، هذا البَياض يكون بسبب ما يَرونه من فَضل الله عليهم في ذلك اليوم حيث تَثقُل مَوازين حسناتهم ، ويُلَّقَونَ كِتَابهُم باليمين ، ويُسَاقُون إلى جَنَّة عَرضُها السَّماوات والأرض ، فهذا سبب بياض وجوههم ، والسَّواد أيضاً حقيقيّ بسبب الكفر الذِّي هُم عليه وأنَّهم يُلَّقَونَ كِتابهم بِشِمَالهم وقال U في الآية )فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ( يعني فأما الذين اسودت وجوههم فيُقال لهم )أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( .

قوله U)أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ( هذه الآية وقع فيها خلافٌ بينَ المُفَسِّرين لأنَّ الله قال : )أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ( معناه أنَّ هناك إيمان سابقٌ لهم ثم وقع منهم الكفر .

ولذلك قال بعض المُفَسِّرين إن هذه الآية خاصَّة بِكَفَرَةِ أَهلِ الكِتابالذِّين عَلِمُوا الحقّ ، وكفروا بعده ، أمَّا مَن عَداهُم فَليسُوا دَاخلين ضِمنَ دلالة الآية ؛ لأنَّ هؤلاء لم يؤمنوا ثم يكفروا ، هذا قول ذهب إليه بعض المفسرين .

وقد ذهب أكثر المفسرين ، أو كثير منهم إلى أن الآية عامة في النَّاس جميعاً ؛ والسَّبب أن الآية هنا قَسَمَت النَّاسَ إلى فريقين فريقٌ قد ابيَّضَت وجوههم ، وفريق قد اسوَّدت وجوههم، لا يوجد فريق ثالث ، فلو قصرناها على أهل الكتاب ، فمن عَدَاهُم من الكُفَّار من أهل النار أين يكون تقسيمهم ؟ وهذا المعنى أشار إليه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري قال فليس في يوم القيامة إلا الصِّنفان :

• الفريق الذين ابيضت وجوههم من أهل الجنة .

• والذِّين اسودت وجوههم من أهل النار ، فلا يوجد إلا هذان الصِّنفان

إذًا ما الجواب على الإشكال الذِّي أَورده أصحاب القول الأول أن قوله )أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ( يقتضي إيمانا سابقًا قد لَحِقَهُ بعد ذلك الكُفر ؟

قالوا في الجواب على ذلك : إنَّ الإيمان هنا العهد الذي أخذه الله U على بني آدم في أوَّلِ خلقه لآدم )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ( .

ويسَمَّى هذا عهد الفِطرة ، أو ميثاق الفِطرة ، فهذا هو المَقصود بالإيمان ، ونحن نعلم مع ذلك أن الله U لا يُعذِّبُ أحداً حتى تقوم عليه الحُجَّة ، فإذا أرسل الله الرسل أكَّدُوا الميثاق الذِّي أخذه الله على بني آدم ، فإذا كفروا هنا كفروا بعد أي شيء ؟ كفروا بعد إيمانهم ، فَصَحَّت أنَّ الآية في كُلِّ الكُفَّارِ من أهل النّار )أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ( .

)وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)( .

)فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ( جَاءَت الرَّحمة هنا مُنَكَّرة للتَّعظيم ، والتَّنكير يَدُلّ على أَحد أمرين على :

التَّعظيم .

• أَو عَلَى التَّقليل والتحقير .

ويُفَرَّق بينهما بحسب السِّياق الذي تَرِد فيه الآية ، هنا مقام تعظيم فيقال إنَّ التَّنكير هُنا للتَّعظيم ، والتَّفخيم .

)فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ( يعني في رحمةٍ عظيمة )وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( والإضافة هُنا مع أنَّها تقتضي تَعريف هذه الرَّحمة إلا أنَّها تدُلُّ أيضاً على عَظَمةِ هذه الرَّحمة، والشَّيء يَعظُم بِحَسَب ما يُضاف إليه ، الرَّحمةُ مثلاً الأم تختلف عن رحمة الأب ، وتختلف عن رحمة الأخ ، وتختلف عن رحمة الزَّوج ، وعن رحمة الصَّديق ، وأعظمُ من ذلك وفوقه كله رحمة الله عزَّ وجل فالشَّيء يعظم بما يُضافُ إليه .

ثم قال عزَّ وجل )تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ  (هذه الآيات التي بيَّنها U وأخبَرها ، وقَصَّها لِنَبيِّه يتلوها الله U على نبيِّهِ ، يعني تُقرأ على نبيه مُتلبِسَةً بِالحَقّ )نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ( هَذِه البَاء ، باء الملابسة ، يعني تُقرأ عليك ، وتتلى والحق يلابسها )وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ( .

ثم قال U بعد ذلك )وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( .يعني ولله مُلكُ ما في السَّماوات وما في الأرض ، له ما في السماوات والأرض خلقاً وتدبيراً . )وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( لأنَّه هُو المَالك المُدَّبِر فإليه ترجع أمور الخلق جميعاً ، وإليه تصير أمورهم ، وإذا صارت إليه أمورهم ، ورجعت إليه فيجازيهم عزَّ وجل على أعمالهم بخيرها ، وشَرِّها .

ثم قال عَزَّ وجل بعد ذلك)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)( .

قوله )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ( :

قيل : إنَّ هذه الآية تأكيدٌ لِمَا سَبَق من قوله )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ( فهي جاءت لتأكيد ما سبق من خيرية هذه الأُمَّة بأمرها بالمعروف ، ونَهيُهَا عن المُنكر .

وقيل : إنَّ معنى الآية هنا معنى الأمر )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ( يعني هذا خبر يتضمَّن الأمر .

وقيل : إنَّ المَعنى كُنتم في علم الله خير أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس ، وعلى هذا القول ، أو القول السَّابق فإنَّ مضمون الآية أن هذه الأمة ميَّزها الله U بأنَّها أُمَّةٌ آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ، ونلحظ هنا تقديم الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر ، وهذا هو الأصل قدم الأمر بالمعروف لأنه هو الأصل أن يأمر الناس بالخير ، ثم بعد ذلك يأتي نهيهم عن المنكر ولذلك الداعية إلى الله - عز وجل - يبدأ بالناس بأمرهم بالخير .

ثم قال U)وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ  ( .أَخبر U أنَّ أهل الكتاب لو آمنوا بهذا الدِّين، وهذه الشَّريعة التي نزلت على محمد e لكان خيراً لهم ؛ لأنَّهم بذلك يَنالون فضلَ اتباع شريعة موسى ، وفضلَ اتَّباع شريعة النبي ، ولهذا مؤمنة أهل الكتاب يُؤتَونَ أَجرهم مَرَّتين ، يُوَّفَون أجرهم مرتين أجر اتَّباعهم لموسى uوأجر اتَّباعهم للنَّبي محمد e وَلكن الذِّين آمنوا منهم قليل ولهذا قال الله U)مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ( .

وَأَصلُ الفِسق مُجاوزة الحَدّ ، وهذا التّصوير يعني ما قال وأكثرهم كافرون مع أنه مفهوم الفسق هنا بمعنى الكفر ، لكن إيثار لفظ الفسق على لفظ الكفر لأن كفرهم مضمن معنى الفسق ، يعني كفروا وهُم فَاسقون في كفرهم ، جمعوا مع الكُفر الفِسق ومجاوزة الحد ، لِمَ ؟ لأنَّهم كانوا أهل كتاب ، وأهل هداية ويعرفون صدق رسول الله e وكفرهم هنا فيه معنى الفسق ، ومجاوزة الحد .

ثم قال U)لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)( .

يقول U إنَّ أهل الكتاب مَهما تكن عداوتهم لكم أيُّهَا المُؤمنون فإنَّهم لا يضُرُّونكم إلا أذى ، الأَذَى المقصود به هنا الأَذَى الذي يَنال الإنسان في نفسه ، تتألَّم به في نفسه ، مثل طَعنهم في الدِّين ، ومثل سَبِّهم ، ومثل وَقيعتهم ، ومثل استهزائهم ، هذا الأَذَى الذي يَنالُ المؤمنين منهم ، لا يتجاوزونه إلى أكبر ولا إلى أكثر منه ، وطبعاً هذا الخبر من الله U مربوطٌ بأن يكون المؤمنين على ما أمر الله U به حقاً )لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى (

)وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ( يعني إن يَحصُل بينكم وبينهم قتال )يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ( .إذًا هم لن يَضُّرُوكُم إلاّ أَذى ، يَنَالُنا بسبب سبِّهم ، وبسبب استهزائهم ، وإن يحصل بيننا وبينهم قتال ولقاء ، فإن دأبهم أن يوَّلُون الأدبار . ثُمَّ قال U)ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ( ليُبيِّن لَك أنَّهم إن وَلُّوا الأَدبار ليس قصدهم الانحراف إلى فئة أخرى ؛ لأنَّ قد يكون الإنسان يُوَّلِي دبره يقصد بذلك مُتَحَرِّفاً لقتال ، أو مُتَحَيِّزاً إلى فئة ، ولكن قال U)ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ( يعني ثم لا يأتيهم النَّصر أبداً ليدل على أن هذا التولي للأدبار تَولِّي الهَرَب ، والهزيمة ، وليس التَّحرُف ، التَّحيُز من أجل القتال . وهذا النَّظم القرآني يدُلّ على أنَّ هَذِه عادة لهم ، وسَجِية لهم في لقائهم للمؤمنين ، مهما لَقُوا المؤمنين فإن هذه هي سَجِيَّتهم ، وهي طبيعتهم وهذه الآية تتوجه خصوصاً لليهود من أهل الكتاب لأنَّ سِياق الآية كُلُّها في اليَهُود من أهل الكتاب ولذلك قال - عزَّ وجل - بعد ذلك )ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ( .

)ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ( يعني جُعِلَت عليهم الذِّلة ، والضَّرب هنا مَعنى دقيق ليُشِير إلى أنَّ المَذلة ، والذِّلة قد عَلَتهُم ، وغطَّتُهم، كَما تُغطِّي الخَيمة والقُبَّة من بداخلها ، فهي مَضروبة عليهم تُغطِّيهم كما تُغطِّي القُبَّة من بداخلها ، أو الخَيمة من يُوجَد بها ، فأصبحت الذِّلة أمراً ظاهراً عليهم ، فهذا أمر لازَالَ باقياً في اليَّهود فإنه لازال على مَرَّ التَّاريخ لازالوا أذِّلاء .

)ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ( يعني أصل الثَّقف الأَخذ ، الأخذُ في الحَرب وقد جعل الله - U هذه حالهم ، جعل الله U حال أهل الكتاب هذا أنهم أينما ثُقِفُوا قال U)ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ( يعني أينما يُثقَفُون فإنَّهم أذِّلاء يعني يُؤخَذُون فيُذَلُّون كما يُؤخَذ الأَسِير ، وكما يُذَلّ الأَسير ، هذا هو الأصل فيهم ، وورد الاستثناء في قول الله U)إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ( يعني إلاَّ بعهد وميثاق من الله ، أَو عهدٍ وميثاق من النَّاس ، وهَذا الحَبل من الله - الميثاق من الله له صُوَر مثل الأَمان الذِّي يُعطَونَه من المُؤمنين بعقد الأمان ونحوه ، فإنَّ هذا حبل من الله يعصمه من الذُّل أو )حَبْلٍ مِنَ ا

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل