في رحاب سورة طه - 1 - د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة

د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1436 هـ

الحلقة 5 – تكملة سورة مريم والبدء بسورة طه

تقديم الإعلامي محمد خلف

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

يعرض مساء الأحد الساعة 9 ليلا بتوقيت مكة المكرمة ويعاد الإثنين الساعة 11.30 ظهرًا.

في رحاب سورة طه

المقدم: نبدأ سورة طه، بسم الله الرحمن الرحيم (طه)[طه: 1]، (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]، بداية هذه السورة هل هي مكية أم مدنية وعمَّ يدور الحديث في مجملها؟.

د. المستغانمي: بسم الله الرحمن الرحيم، سورة طه -كما يعرف المشاهد الكريم لأنهم يقرؤنها كثيرا "مريم" و "طه"- هي سورة مكية نزلت بمكة المكرمة، الأرجح أن تكون نزلت بحدود السنة الرابعة للبعثة سوف تقول: لماذا؟ على الرغم أننا لا نستطيع أن نجزم دائمًا في التاريخ لكن فيه مناسبة هنا، من أعظم المناسبات أنها نزلت قبل إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث إن أخته كانت تقرأ سورة طه مع زوجها. وعمر بن الخطاب لم يختلف علماء تاريخ الإسلام أنه أسلم في السنة الخامسة، فإذن إما أن تكون قد نزلت في السنة الخامسة أو قُبيلها -في السنة الرابعة- هذه هي الظروف. فهي مكية بإجماع العلماء، وتُعَدُّ السورة الخامسة والأربعين في عداد التنزيل، سبقتها سورة مريم، وأتت بعدها سورة الواقعة، فهي السورة الخامسة والأربعون.

هذه السورة عظيمة، نزلت في ظروف صعبة جدًا جداً، كان المسلمون يعيشون شدة ويعانون عناء رهيباً مع المشركين من التعذيب والتنكيل، قريش تقاطعهم، أثناء المقاطعة؛ إبّانها، كانوا يعذبون المسلمين الجدد، ياسر استشهد من عائلة عمار بن ياسر.

المقدم: ولم يكن أقوياء الصحابة أسلموا بعد كعمرو بن الخطاب فكانوا مستضعفين.

د. المستغانمي: بارك الله فيك، كانوا مستضعفين، ذاقوا الويلات من تعذيب صناديد قريش:

- حتى إنهم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يصلي فأتى "عقبة بن أبي مُعيط" ورمى عليه القاذورات –سلى الجزور- شرّف الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم.

- أيضاً آذوا أبا بكر الصديق، وكان يخطب فيهم في الحرم.

- ضربوا عبد الله بن مسعود حينما جهر بسورة الرحمن، أوجعوه ضربًا حتى أثروا في وجهه.

ظروف قاسية، في تلك الظروف القاسية جاءت سورة طه تقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: لستَ وحدك يا محمد، لست وحدك في طريق الدعوة يا محمد، ونزلت سورة طه تُسليِّه وتمسح دموع الشقاء عنه وعن أصحابه، وأنت لست وحدك أنت واحد من كوكبة الرسل الكبار، وقصّت عليه قصة موسى عليه السلام، وما لاقاه أخوك موسى في دعوته سوف تلاقيه أنت ولكن مآلك هو مآله، كما نصره سينصرك، كما عظّمه سيعظمك، كما قوّاه وقوّى بني إسرائيل في كنفه سوف يقويك. إذن أطلّ جبريل عليه السلام بالوحي السلسل الرقراق ونزلت سورة طه العظيمة وخصوصًا مطلعها: بسم الله الرحمن الرحيم (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) طه).

المقدم: ما المقصود بـ طه؟.

د. المستغانمي: من الأحرف المقطعة.

المقدم: ليس اسمًا للنبي؟.

د. المستغانمي: بعض العلماء يقولون: يس وطه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكن لا نستطيع أن نجزم بذلك، الأولى كما قلنا في: كهيعص، طه، يس، حم، حروف من الهجاء العربي؛ من حروف اللغة العربية، تحدّى الله بها العرب أن ينسجوا على منوالها وهذا الأرجح عند جميع العلماء، من يقول هي اسم من أسماء النبي قول من الأقوال.

المقدم: لأنه بعدها مباشرة يأتي الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]، فمن قال بأنها مناداة بـ"طه" للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: يا طه؛ استند إلى ما بعدها

د. المستغانمي: أنا أقول لك شيئاً آخر: بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) الشورى)، لماذا لا نُسمِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حم عسق" في الحقيقة الرأي مرجوح لكن سوف نناقشه.

المقدم: على كلٍ؛ يعني كذلك من الآراء التي ذُكرت.

د. المستغانمي: نعم من الآراء التي ذُكرت.

المقدم: هل ورد في قراءة سورة طه فضل في قراءتها؟.

د. المستغانمي: وردت أحاديث لكن ليست صحيحة وليست قوية في السند، روي أن الله تبارك وتعالى يقرأها يوم القيامة مثلًا، ولكن لا أميل إلى ذكر هذه الأحاديث، فقط يكفيها فضلًا؛ أو اشتُهرت سورة "طه" في الإسلام لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام أحد العمرين، إذ أن جبّار الجاهلية اهتزّ لها، وسالت دموعه ودخل في الإسلام وأعزّ الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه.

المقدم: ما هي أهم المواضيع التي تقف عندها أو تعالجها سورة طه؟.

د. المستغانمي: المواضيع التي تعالجها بشكل عام، ثم نلِج إلى محورها -إن شئت- هي مواضيع جاءت تُسلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي إنعكاس لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قلت لك قبل قليل، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين معه يعانون من كِبر قريش ومن شدتها ومن الاتهامات التي كانت تُسلّط عليه: قالوا: ساحر، قالوا: مجنون، قالوا: كاهن، إلى غير ذلك، ازدجروه؛ آذوه، فجاءت السورة تعالج:

أولًا: ثبتته (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى).

ثانيًا: قصّت عليه قصة كليم الله موسى بالتفصيل في مواقف بينت كيف أن الله تبارك وتعالى حفظ ورعى موسى عليه السلام.

المقدم: أعتقد أكثر قصة فُصِّلت من قَصَص موسى هنا؟.

د. المستغانمي: هنا وفي القَصَص، حتى إن الآيات التي تحدثت هي أكبر شيء هنا، ثم في القَصَص بطريقة أخرى كما سوف نرى.

- ثم أعقب الحديث عن قصة موسى، الحديث عن القرآن، عن الذكر في أواخر سورة طه.

- ثم تحدث الله تبارك وتعالى عن بعض مشاهد يوم القيامة، (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا)[طه: 102]، (وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)[طه: 108].

- ثم جاء حديث عن الهداية، (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)[طه: 123]، إلى غير ذلك.

المقدم: ولا ننسى كذلك ورود قصة إبليس وعدم السجود؟ وهذه سوف نقف عندها .

د. المستغانمي: بارك الله فيك، سوف نقف بإذن الله، لكن الذي أريده: هذه المواضيع المختلفة لكن ما الذي يجمع بين هذه المواضيع، هنا السؤال؟ هنا أقول: المحور العام لسورة طه من أولها إلى آخرها تقريبًا هي: رعاية الله لعباده المرسلين، ورعايته للمَدعوين، الله يحب الجميع.

المقدم: لا يتركهم في تلك الأوقات الكالحة.

د. المستغانمي: لا يرضى لعباده الكفر جلَّ ثناؤه، لكنهم إذا اختاروا هم وشأنهم، لكن الله (ولا يرضى لعباده الكفر)[الزمر: 7] يحب لهم الإيمان؛ يدعوهم؛ قيّض لهم الأنبياء والمرسلين. الخط العام للسورة أو المحور: هو رعاية الله لعباده الصالحين، للأنبياء، للمرسلين، كأني بالقرآن يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: كما رعى موسى عليه السلام يرعاك الله جلَّ ثناؤه، كما قال الله جلَّ ثناؤه في السورة وسوف نرى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)[طه: 39]، هل ثمّة عنايةٌ أكثر من هذه الآية.

- قال لموسى عليه السلام: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)[طه: 13] اختيار، كذلك اختار محمداً صلى الله عليه وسلم.

- قال لموسى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، قال لمحمد صلى الله عليه وسلم أكثر: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)[الطور: 48]، جَمْع، هنا (عَلَى عَيْنِي)[طه: 39] واحدة، تحت رعايتنا، هنا قال: تحت رعاياتنا وتحت كلئِنا وحفظنا، (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)[الطور: 48] ليس المقصود به لا نُجسِّم لله في خلقه، نقول: تحت رعاياتنا أو حتى أهل السنة يقولون: نثبت له ما أثبته لنفسه، لله عين ولكن لا نُجسِّم ولا نُمثِّل ولا نشخص ولا نُكيِّف إلى غير ذلك.

أعطيك فقط لقطات تحضرني الآن:

قال: لماذا جئت يا موسى لمّا عجل عن قومه، (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى)[طه: 83]، (قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)[طه: 84]، لترضى عني، لكن محمد صلى الله عليه وسلم قال له: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)[الضحى: 5]، موسى يَعْجَل ليرضى عنه الله، بينما الله سبحانه وتعالى يُبشِّر محمداً يقول: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)[الضحى: 5]، مقام محمد.

ففي القرآن تثبيت، وهذه السورة نزلت تثبيتًا وسوف نرى من خلال تحليل بعض مشاهدها كيف ثبّته الله تبارك وتعالى.

المقدم: إذن هذه السورة محورها العام هو: رعاية الله سبحانه وتعالى لرسله وأنبيائه ومن اصطفى من خلقه والناس الذين يدعونهم هؤلاء الرسل والأنبياء الذين يدعونهم.

د. المستغانمي: نعم.

المقدم: دائمًا تقول بأن هنالك مناسبة ما بين السورة والتي قبلها والتي بعدها، فهل هناك بالفعل ارتباط؟.

د. المستغانمي: يعني ارتباطها بسورة مريم قبلها أولًا، سورة مريم في نهايتها، في التنزيل، (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ)[مريم: 97]تيسير القرآن(لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا)[مريم: 97] في نهاية مريم، بداية طه: بسم الله الرحمن الرحيم (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) طه)، هذا هو اليُسر، لِتَسْعَد لا لتشقى، أنا أقرأ الآية كالآتي: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]، بل لِتَسْعَد، المفترض هكذا إذا كنا نتفاعل؛ لأنه مما روي في سبب النزول: أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم، وقالوا: ما بِهِ يُمرِّغ جبهته في الأرض وفي التراب، وفي الحرارة؟!.

المقدم: في شقاء؛ كأنهم يرون هكذا.

د. المستغانمي: نعم؛ قالوها، قالوا: (شقيت يا محمد بدينك)، "شقيت" هذه الكلمة حتى لا تؤثر في قلب وذهن محمد صلى الله عليه وسلم نزل القرآن: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]، بل لِتَسْعَد، ثم ما هو القرآن؟ (تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى) [طه: 4]، لذلك دائمًا أنا في محاضراتي أقول لطلاب العلم: (الكون خلقه الله بعجبٍ عُجاب، والقرآن عَجَبٌ عُجاب)، إذا كنا نرى المجرّات التي لا تنتهي والنجوم التي لا تنتهي فالقرآن لا تنتهي عجائبه ولا تنفذ غرائبه.

المقدم: طيِّب؛ لدي سؤال هنا: لماذا قال: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]؟ وهو قد لا يريد القرآن؛ قد يريد ما أرسلناك؛ ما أنزلنا عليك الهداية؛ ما بعثناك للناس، ما أنزلنا عليك الإسلام، فلماذا لخّص الإسلام بالقرآن؟

د. المستغانمي: لأن القرآن هو وعاء الإسلام، لأن القرآن هو كلمة الله الأخيرة التي التقت فيها السماء بالأرض، اقرأ، يعني نحن لو ضاع كل شيء لا يهمنا، إلا القرآن والسنة الصحيحة، القرآن يحفظ السنة أيضًا، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[الحشر: 7]، لذلك الكلمة التي التقت بها السماء بالأرض، وليست مُحرَّفة (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر: 9]، سورة الحِجر تفصِّل في الذكر وفي الكتاب والقرآن؛ هي كلمة الله، أحد الشعراء يقول:

هيهات أن يعتري القرآن تبديلُ                       وإن تبدَّل فتوراةٌ وإنجيلُ

الكتب الأخرى حُرِّفت للأسف الشديد، وإن كان فيها حكم عجيبة وجميلة، أما هنا: قرآننا باقٍ كما أنزله الله.

فقط أريد أن أشير إلى خط من خطوط السورة على ذكر (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى):

قد يقرأ واحد ويقول: فقط الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشقى؟ فقط القرآن موجَّه للرسول صلى الله عليه وسلم لا يشقى؟!

المقدم: الحديث للرسول حديث لمن يتبعه كذلك.

د. المستغانمي: جميل جداً، خوطبت الأمة في شأن نبيها أو في شخص نبيها.

أستبق الأحداث: عندما تحدَّث الله مع آدم عليه السلام وزوجه، وقال له: لا تسمع الشيطان (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)[طه: 117]، انظر هنا إلى التناسق.

أيضًا لما خاطبه، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى)[طه: 116]، (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ)[طه: 117]، من الأوامر، من النواهي، من نظام الحياة الذي أعطاك فتشقى يا آدم.

واحد يقول: فقط رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقط آدم؟ لا؛ اقرأ الآية التي بعدها (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)[طه: 123] أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تشقى إذا اتبعت القرآن والسنة الصحيحة، إذن الخط من ملامح السورة؛ من شخصيتها: نفي الشقاء عن محمد صلى الله عليه وسلم، عن آدم عليه السلام، عن كل المسلمين.

المقدم: طيِّب؛ هل لها علاقة بما يليها من سورة الأنبياء؟.

د. المستغانمي: طبعاً لها علاقة، هذا مؤكد حتى ولو لم أعرف أنا.

المقدم: لم تكن في القرآن في هذا الموضع اعتباطًا.

 د. المستغانمي: إلا لها سبب، أبداً لها سبب وحكمة سواء عرفنا أم لم نعرف، في أواخرها: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى)[طه: 135]، وأعظم أصحاب الصراط السوي هم الأنبياء، سورة الأنبياء فصَّلت القول في الأنبياء، (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ)[الأنبياء: 1]، لكن سردت القول في الأنبياء، وخصّها الله باسم الأنبياء هذا رقم واحد.

قبلها بقليل، (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى)[طه: 129]، العذاب، لما تحدثت أواخر سورة طه عن العذاب جاءت بداية الأنبياء عن العذاب، (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ)، العلماء يذكرون هاتين العلامتين، بعض العلماء يقفون حيارى عند بعض السور وأنا أعذرهم لأن القرآن غلّاب كلما نظرت إليه تفتقت أكمام الإبداع والإعجاز. لذلك لها علاقة حتمًا وهذا سِرُّ ما قال الإمام الزركشي له: "نزل حسب الوقائع تنزيلًا وحسب الحكمة ترتيلًا".

المقدم: دائمًا كذلك تقول بأن ما بين مطلع السورة وختامها هناك شيء من الارتباط، مطلع السورة تحدث حول تنزيل القرآن، وذكر: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]، (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 3]، (تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى)[طه: 4] الحديث كله عن القرآن، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طه: 5]، (الرحمن) بَدَل هنا صحيح؟.

د. المستغانمي: نعم، (تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى) هو الرحمن، تنزيلًا ممن خلق للضمير "هو"، الفاعل المحذوف الرحمن، فإما نقول هو الرحمن أو الرحمن جملة استئنافية؛ نعم يجوز.

المقدم: تفسيرًا لمن خلق. في نهاية السورة، (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى)[طه: 135]

د. المستغانمي: أنا سوف أدلك على شيء، أول الآيات تقول: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]، (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 3]، وآخر تذكرة في السورة: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا)[طه: 135]، هذا آخر تذكير للمشركين، قل كلٌّ مُتحفِّز، قُل كلٌّ منتظر فانتظروا، (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) وسوف تفيئون إلى ظِلِّنا؛ وسوف تعودون إلى الحق، هذه آخر تذكرة، لمن أراد أن يذكّر أو يهتدي سبيلًا، هذا من الربط.

المقدم: كذلك قبلها هناك صورة جميلة؛ يعني حينما يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)[طه: 124].

د. المستغانمي: ذكري، ما هو ذكري؟ القرآن، هذا رد العجز على الصدر.

المقدم: ويقول: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)[طه: 126]؟.

د. المستغانمي: من رد العجز على الصدر.

المقدم: ذكرنا في سورة مريم وقلنا الله سبحانه وتعالى حينما قال: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا) [مريم: 62]، وتحدثنا عن "إلا" هذه وقلنا: حتى أنه فاجأ بأن ليس السلام من جنس اللغو لكن تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، هل هناك شيء من هذا هنا: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]، (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 3] على عكسها؟.

د. المستغانمي: هي في الحقيقة توضح معنى لكن لا نستطيع أن ننسبها لما نسبته: تأكيد المدح بما يشبه الذم، إنما هنا (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2] النفي قاطع، إذن ما وظيفة القرآن؟ (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 3].

المقدم: يعني كأنه يريد أن يقول: في غير القرآن ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى.

د. المستغانمي: نعم، (تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 3] وفعلًا كل ما في القرآن تذكير، (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)[الذاريات: 55]، وعندما بعث الله موسى عليه السلام، (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)[طه: 44]، هنا قال: (تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 3] والله أوصى موسى أن يقول لفرعون وما أدراك ما فرعون: قولًا لينًا؛ حتى ولو كان كافراً، أنت مطالب أن تُحْسِن الدعوة، نحن مطالبون أن نُحْسِن الدعوة، (قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)[طه: 44]، انظر كلمة (يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)[طه: 44]، (تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 3]، فتناسق بين الألفاظ عجيب.

المقدم: الله سبحانه وتعالى يقول في مطلع السورة: (طه)[طه: 1] (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه: 2]، (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 3] (تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى)[طه: 4]، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طه: 5]، هنا هذه من المسائل التي نريد أن نقف عندها: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طه: 5]، وأعتقد أن ابن حنبل له كلمة في هذه المسألة: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، إلا أن هناك بعض الضلاليين ممن فسَّر استوى بـ "استولى" وغير ذلك، نريد أن نقف عندها تنبيهاً للناس.

د. المستغانمي: هو القول الجميل والسديد كما تفضَّلت هو قول أهل السنة: الإمام أحمد بن حنبل والإمام مالك في القضية، يقول: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال للسائل: اخرج ما أراك إلا صاحب بدعة، فالعلماء كلهم يعودون لكلمة هؤلاء الفطاحل الذين فعًلا وقفوا؛ كانوا وقّافين، الذين يأوّلون يقولون: استوى بمعنى استولى؛ إلى غير ذلك، هذا تأويل بعيد أولًا، رقم واحد.

المقدم: لماذا أوّلوا هذا؟.

د. المستغانمي: لأن هناك الذين لا يقفون عند الآيات ويحبون أن يُعْمِلوا العقل في كل الآيات وبالتالي يفسرونها باللغة. الأولى أن الآية فعلًا الاستواء معلوم والكيف مجهول، ولكنها تفيد هنا أن الله سبحانه وتعالى استوى على عرشه بالطريقة التي تليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، هذا يدل على عظمة سلطانه جلَّ ثناؤه، كما جاءت الآية التي بعدها، (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)[طه: 6]، بسط السلطان؛ ثم يقول: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)[طه: 7]، هذه أفادت انبساط سلطانه جلَّ ثناؤه؛ وهذه أفادت سعة علمه جلَّ ثناؤه.

المقدم: واضح منها: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)[طه: 8]؟.

د. المستغانمي: المقطع كله يصوِّر عظمة الله، عظمة سلطان الله؛ نستطيع أن نقول هذا بدون تأويل، عظمة علم الله وسعة علمه وطلاقة مشيئته جلَّ ثناؤه؛ بدون أن نقع في التأويلات.

المقدم: فمن باب أولى أن نقول: استوى.

د. المستغانمي: بارك الله فيك، فاستوى؛ الاستواء معلوم والكيف مجهول، ومهما كان العلماء في العصر الحديث لن يأتوا بأفضل من كلمة الإمام أحمد والإمام مالك رضي الله عنهم جميعاً.

المقدم: لا زلت عند هذا المعنى وأريد أن أبين بعض المسائل، لأن هذه من المسائل التي يتحدث فيها الناس كثيرًا، من قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طه: 5]، قالوا: مكان الله سبحانه وتعالى على العرش مستوٍ جلَّ في عُلاه، وتحدّثت قلت: الاستواء معلوم والكيف مجهول، من قال: استولى، لم يجعل لله سبحانه وتعالى مكانًا فوق العرش وإنما قال وفسّر الآية الأخرى من أن الله سبحانه وتعالى موجود في كل مكان (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَ

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل