في رحاب سورة مريم - ختام السورة - د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة

د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1436 هـ

الحلقة 5 – تكملة سورة مريم 

تقديم الإعلامي محمد خلف

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

يعرض مساء الأحد الساعة 9 ليلا بتوقيت مكة المكرمة ويعاد الإثنين الساعة 11.30 ظهرًا.

المقدم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل الخير، هانحن نلتقي بكم مجددًا في حلقة جديدة من حلقات برنامجكم القرآني "في رحاب سور القرآن"، ولا زال الحديث حول "سورة مريم"، كنا قد توقفنا عندها في الحلقة الماضية مع ضيفنا فضيلة الشيخ الدكتور محمد صافي المستغانمي.

دكتور تقريبًا أتممنا "سورة مريم" إلا أن هناك بعض الإشارات البسيطة؛ من بينها حينما يقول الله -سبحانه وتعالى-: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا)[مريم: 62]، الاستثناء هنا؛ استثنى السلام من اللغو، فهل السلام من جنس اللغو، كيف يستقيم هذا؟.

د. المستغانمي: هذا النوع من الاستثناء -في الحقيقة- يراد به معنىً بلاغيًا رائعًا، عندما يقول: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا) في الجنة لا يوجد لغو أبداً، عندما يصف الجنة لا يوجد لغو؛ أي كلام لا قيمة له، لا معنى له، لا يوجد، (لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ)[الطور: 23]، وفي آية: (إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا)[الواقعة: 26]، هنا: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا) يعني كأنه يقول: لا يسمعون فيها لغوًا لكن سلامٌ سلام فقط. هذا في البلاغة العربية يُسمى "تأكيد المدح بما يشبه الذم" أقول لك بيتاً، النابغة الذبياني قديمًا في الشعر العربي - يصف قومًا ويمدحهم- يقول:

ولا عيب فيهم إلا أن سيوفهم    *** 

الواحد يسمع ويقول: عندهم عيب؟!

     ***        بهن فلول من قراع الكتائب

المقدم:هذا مدح كذلك.

د. المستغانمي: نعم، بارك الله فيك، هذا من هذا القبيل، هو يمدحهم يمدحهم ثم يقول:

ولا عيب فيهم إلا أن سيوفهم    ***  المستمع يتوقع يقول: لهم عيب، خير إن شاء الله!! ** بهن فلولٌ من قراع الكتائب.

فلولٌ: أي مقطوعة قليلاً. ترقى في مدحهم، القرآن أولى وأجل، (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) ترقى(إِلَّا سَلامًا) هذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، هذا موضوع كبير.

المقدم: إذن الآن خلاصة "سورة مريم" قبل أن نلج "سورة طه".

 د. المستغانمي: أنت مستعجل على "سورة طه" ما شاء الله.

المقدم: أنا مستعجل على "سورة طه" وفي ذات الوقت "سورة طه" فيها الكثير كذلك من الأسرار التي يجب أن نقف عندها ونريد أن نعرف كذلك سياقها العام، لكن دعنا نُجْمِل الحديث الآن عن "سورة مريم" قبل أن نغادرها، ما الذي تتسق به "سورة مريم"؟

د. المستغانمي: في الحقيقة أشرنا إلى بعض من ذلك:

أولًا: "سورة مريم" محورها العام هو الرحمة، التي أفاضها الله على أنبيائه وعلى خلقه جميعًا:

- الرحمة التي تجلّت في مولد "يحيى".

- الرحمة التي تجلّت في خلق عيسى عليه السلام.

- الرحمة التي تجلّت في حوار إبراهيم مع أبيه.

ثم العبودية من بدايتها إلى نهايتها، لو أننا فصّلنا فيها القول:

-(ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)[مريم: 2].

عيسى لما نطق: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)[مريم: 30].

- (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)[مريم: 95]،(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)[مريم: 93]، خط العبودية، فهؤلاء الكوكبة الذين ذكرهم من الأنبياء كانوا عبيدًا وعباداً لله سبحانه وتعالى.

الذي فقط أريد أن أشير إليه هو: أن قالبها اللفظي فيه تناسق عجيب، وأنا أُحضِّر لهذه الحلقة:

- نجد مثلاً في بدايتها زكريا يقول: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا)[مريم: 4]، "إبراهيم" أيضًا لما خاطب أباه قال: (عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا)[مريم: 48]، كرّرها.

- "زكريا" لما دعا قال: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)[مريم: 6]، عن ابنه الذي سوف يهبه الله له، "يحيى". لما تحدّث عن إسماعيل قال: (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)[مريم: 55]، أضاف له الميم هنا إضافة في المبنى وإضافة في المعنى أيضًا.

- لما تحدث عن "يحيى" قال: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا)[مريم: 7]، لما تحدّث عن اسم الله قال: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)[مريم: 65]، فثمة تناسق كثير.

- (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)[مريم: 21] في قصة "عيسى"، و(هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)[مريم: 9] في قصة "يحيى" ومولده.

- أوحى زكريا لقومه (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)[مريم: 11]، في الوقت نفسه: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)[مريم: 62] في الجنة.

نجد رد العجُز على الصدر، هذا من الاتّساق الجميل جدًا، (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)[مريم: 14]، عن يحيى، (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا)[مريم: 44]، هذا يعطينا قالباً لفظياً تتميز به "سورة مريم"، فلو أن مستمعًا لم يكن حاضر الذهن؛ بمجرد سماعه هذه القوالب والتعابير اللفظية يعرف ويجزم بأنه مع سورة مريم.

أريد فقط أن أجزم للمشاهد الكريم حتى دائمًا يعيش مع القالب اللفظي لتلك السورة، لها ثوبها، لها إيقاعها الصوتي.

المقدم: أريد كذلك أن نقف وقفة سريعة عند نقطة معينة، أنت ذكرت بأن القالب العام والمعنى العام لسورة مريم: الرحمة، وهذا يتكرر كثيرًا، لكن في ختام السورة نجد ألفاظاً شديدة فيها إقراع قوي حينما يقول الله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)[مريم: 83] وتهزهم هزًا،(فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا)[مريم: 84]، (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)[مريم: 85]، (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا)[مريم: 86]، (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)[مريم: 87]، (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا)[مريم: 88]، (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا)[مريم: 89]، (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا)[مريم: 90]، (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)[مريم: 91]، فهذا لا يستقيم مع الرحمة!!.

د. المستغانمي: أنا أعبّر وأقول: لما اختلف الموضوع اختلف القالب اللفظي، في الحقيقة من بدايتها إلى حين ما قرأت، كانت كلها على وتيرة واحدة وهي الياء الندية؛ الشجية التي تبعث على شعور جميل جدًا، "سميّا"، "رضيّا"، تبعث في القارئ شعور ارتياح، لأنها من رحمة الله سبحانه وتعالى.

لما تعلّق الموضوع بهؤلاء الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا، بالعبودية وبأناس قالوا: اتخذ الرحمن ولدا، وجاءوا بشيء فظيع، ما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا، هنا انقلب التعبير القرآني إلى الشدة.

المقدم: مع أن المقام مقام رحمة، لكن الأمر يقتضي

د. المستغانمي: يقتضي أن الأسلوب يختلف، وهنا اختلفت الفواصل القرآنية في أواخر سورة مريم، وهذا يؤكد ما كنا نقول، وجاء الثوب اللغوي يتناسب مع ماذا؟ مع موضوع نهيهم عن اتخاذ الولد وعن نهيهم عن أن يقولوا شيئاً شنيعًا في حق الله تعالى، وفي حق عيسى عليه السلام ثم تحدث؛ هددهم بأن الله سيؤزهم أزًّا وسيهزّهم وسيعاقبهم، فالقالب اللفظي دائمًا يتناسب مع المحتوى.

 

 


 


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل