تفسير سورة آل عمران - المجلس السادس - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس السادس - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

هذا الجزء بدأ بقوله U:)لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (

وقد سَبَقَهُ قول الله تعالى)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( .

ثم جاءت هذه الآية بعد أن أخبر U أنَّ الكُفَّار مهما فَدَوا به ، وقَدَّمُوهُ من أجل أن يتَّقُوا عذابَ النَّار فإنه لن يُتقبل منهم حتى لو قَدَّمُوا مِلْأَ الأرض ذهباً ، ثم تَجيءُ الآيات بعد هذه ليقول عزَّ وجل :

)لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ( كما أنَّ المُشركين لا يُتقبَّلُ منهم أيَّ شيء في مُقَابلهم ، فإنَّ أهل الإيمان يَتقبَّل الله منهم ، ويُبيِّن لهم U ما الذِّي ينفقونه ، وما الذِّي يَبذلونه من أموالهم حتى يَبلُغُوا مَنازِلَ أهل البِرّ ، وحتى يَبلغوا درجتهم ، وثوابهم .

ذكر أهل العلم في معنى قوله )لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ ( قولان :

والمراد بالبِرِّ هنا - ونحن نعلم أنَّ البر اسمٌ يُطلَق على كل خير ورد به الشَّرع ، أو دلَّ عليه العَقل .

ولكنه ورد عن المفسرين في معنى هذه الآية قولان :

القول الأوّل : أنَّ المُراد بقوله )لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ ( يعني لن تَبلُغُوا ثَوابَ البِرّ .

القول الثّاني : أن المراد بقوله )لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ ( يعني لن تبلغوا منازلَ ودرجةَ أهل البِر .

وإذا تأملنا في هَذَين القولين وَجدناهما لا يتعارضان ، بل هما بمعنى واحد . ويُمكَن أن تُفَسَّر الآية بأن يقال : لن تَبلُغُوا منازل أهل البر ، ولا ثوابَهُم حتى تُنفقوا مما تُحِبُّون .

)وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( وهنا أخبر U أنَّ المؤمنين لن يبلغوا درجة أهل البرِّ حتى يُنفقوا مما يحبون ، ودرجة أهل البر هنا هي درجة عالية ، ومنزلةٌ رفيعة ، ولذلك شَرَط الله لَهَا أن يُنفِقَ المَرء أحبَّ ماله ، وأكرم ؛ لأنَّ إنفاق الإنسان لأكرم ماله ، وأَحبِّهِ ، هو دليلٌ على صدقه ، وعلى ثقته بموعود الله U، ودليل أيضا على أنَّه جعل الآخرة نَصبَ عينيه .

ثم قال الله )كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( . يقول الله عز وجل كُلُّ الطَّعام كانَ حَلالاً لأَبناءِ يعقوب عليه السَّلام إلاَّ ما حَرَّم إسرائيل على نفسه وذلك أنَّ اليهود زَعَمُوا أنَّ ما حَرَّم يعقوب على نفسه قد نزَلَ في التَّوراة ، فأكذبهم الله U في قولهم وزعمهم هذا ، وأخبر أن ما حرم إسرائيل على نفسه إنما حَرَّمه لسبب خاص به دونَ أن يَنزل عليه من الله U .

وأشهر ما ورد عن السَّلف في السَّبب الذِّي من أَجلِهِ حَرَّم يعقوب u بعضَ الأطعمة عليه : أنَّه نذر نذراً لله U أنَّه إن شفاه من مرضه أن يُحرِّم بعض الأطعمة الطَّيبة عليه ، فَجَرى أبناءُهُ من بَعده على هذا التَّحريم الذِّي حَرَّمه على نفسه . وهذا التَّحريم ليسَ تشريعا من الله U بل يَفعله الإنسان تقرُّباً إلى الله U ، وشكراً له فهذا من باب النَّذر الذِّي لا يجبُ أصلا ، وإنَّما يجب الوفاء به .

ولذلك أَكذبهم الله حينما زَعموا أنَّ هذا التَّحريم الذِّي حرَّمه يعقوب على نفسه أنه نَزَل في التَّوراة ، بل وَرَدَّ عَليهم هذا الزَّعمَ باستدلال عقليّ تاريخيّ فقال U)مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ ( لأنَّ التوراة أُنزِلَت على موسى u ، ويعقوب u كان قبلَ مَجيءُ موسى u فهذا ردٌّ عقليّ تاريخيٌّ عليهم ، ونحن نستفيد هذا ، حتى يستفيد منه العالِمُ ، والمُحاوِرُ لغيره في مَجَالِسِ المُناظرة ، والمُحاورة ، في معرفة التَّاريخ ، والاستدلال به ، وأن تحصيله ، والنَّظر فيه يُعين الإنسان على مخاصمة ، ومجادلة خصمه ، وبيان الحقِّ له . ولذلك قال U)قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( فيما تزعُمُون .

ثم قال U)فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  ( .

قوله )فَمَنِ افْتَرَى ( الافتراء أصله من الفَرِيّ وهو القَطع ، ويُراد به هنا أَشَدُّ الكَذِب ، ولـذلك قـال U)فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ( وجاءَت الآية بأسلوب المُبالغة في التَّعبير عن الكذب بعد بيان الحَقّ ؛ لأنَّ هذا الحَقّ قد بان لهم بياناً واضحاً ، بانَ لهم من كتابهم ، فاستدلَّ عليهم مِمَّا يُؤمنون به ، ويُصَّدِقُون به ، فإذا كَابَرُوا بعد ذلك فقد افتروا أشدّ الكَذِب ولذلك قال )فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ( يعني كَذِباً كَذِبَ على الله فهو أَشَدّ، أَشَدّ ما يكون الكَذب )مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ( يعني المُجَاوِزون للحَدّ الذِّين ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن الحق بعدما تبيَّن لهم .

ثم قال الله U بعد ذلك )قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الخطاب هنا للنبي e قُلْ : أَيُّها النَّبي صَدَقَ الله فيما أخبر به وصَدَقَ U فيما حَكَى ، وقَضَى ، فإنَّه U أصدقُ حديثاً ، وإذَا بَانَ الحَقُّ في هذه المسألة فقد أمر الله U أهلَ الكتاب وغيرَهُم أن يتَّبِعوا مِلَّة إبراهيم حنيفاً ، وقد نَاسَبَ ذكر هذا الأمر باتِّباع ملة إبراهيم بعد أن جرى مسألة ذِكر التَّحريم الذِّي حرَّمه بني إسرائيل على أنفسهم ؛ ليَرُدَّهم إلى الملَّة الحَنيفية لأنَّ إبراهيم عليه السَّلام هو أبو الأنبياء قال )فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا (وأصل الحَنيف في اللُّغة المَائِل ، والمَقصود به هنا المَائلُ عن كُلِّ الأَديان البَاطلة إلى عبادة الله وحده ، ولذلك أُطلِقَ على مِلَّة إبراهيم u بأنَّها المِلَّةُ الحَنيفية يعني المِلَّة المائلة عن كل الأديان ، وكل الأوثان ، وكل المعبودات سوى الله U .

ثم قال U)وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( تأكيداً لِمفهوم الحنيفية التي كان عليها إبراهيم u . ولَمَّا جَرَى ذكر إبراهيم u ، جرى الإشارة إلى البيت الذَّي بناه u فقال U: )إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ( . قوله U)إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ(

• ظاهرُ الآية الكريمة يُشير إلى الأوَّلية المُطلقة ، أنَّ الكعبة هي أوَّلُ بيت وُضع يعني بُنيَ وأُسِّسَ في الأَرض لعبادة الله وحده ، وهذا قولٌ قد التزمه بعضُ أهل العلم .

وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّ هذه الأوَّلية أوَّليةٌ مُقيَّدة ، وليست أوَّلية مُطلقةً ، والسَّبب أنَّ قبل إبراهيم عَليه السَّلام كان هناك أنبياء كُثُر ، وكانت أُمم ، وتاريخٌ طويل ، فهؤلاء كانوا يعبدون الله U فلا بد أنه كانت لهم بيوتٌ يعبدون الله فيها .

ولأجل هذا الإشكال وقع الخِلاف بين أهل العلم من المفسرين فمنهم من قال : إنَّ هذا البيت هو أَوَّل بيت وُضِعَ للنَّاس وأجاب عن هذا الإشكال - وهو وجود بيوت سابقة يُعبد الله فيها - أجاب عنه بأن قال : إنَّ البناء الحقيقي كان في عهد آدم ، وذكَروا في ذلك روايـاتٍ لا تخلو من مقال ، أنَّ آدم u هو أول من بنى الكعبة . إذًا ما الذِّي فعله إبراهيم u ؟ الجواب : جدَّد بناءَ الكعبة ، ولذلك قال U)وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ( . قال : فلا يرفع إلا شيئا قد كان قبل ذلك .

فهذه طَريقةٌ لبعضِ أهل العلم في الاستدلال على أنَّ هذا البيت هو أول بيت وضع للناس بإطلاق ، وأمَّا الذِّين قَالوا إنَّ الأولية هنا أوَّليةٌ نِسبية فقد اختلفت طرائقهم :

فمنهم من قال : أنَّ الأوَّلية هنا باعتبار الفَضل ، يعني هو أَوَّل بيت يعني أفضل بيت وُضِعَ للنَّاس ، وهذا لا شك فيه .

وبعضُهُم قال إنَّ هذه الأولية باعتبار ما ورد في بَعض الآثار من اختلاف أهل الكتاب من اليَهود مع المسلمين ، في أيُّهُما أَسبق ؟ البيت الحرام أَم بيت المقدس بناءً ؟ فقد زعمت اليهود أنَّ بيتَ المقدس أسبق بناءً ، فأنزل الله هذه الآية ردّاً عليهم ، وإكذاباً لهم في زعمهم . وبكل حال فالآية ظاهِرُها يدُلُّ على أوَّلية هذا البيت ، فَإن صَحَّت الرِّوايات التِّي فيها أنَّ آدم - عليه السَّلام - هو أوَّلُ من بنى الكَعبة فإنَّ الآية على ظاهرها في أوَّلية زمانية مُطلقة ، وإن لم تَصِح فإنَّ الأولية هُنا تُحمَل على أوَّلية الفضل .

)إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ (وبَكَّة هنا المقصود بها مكة ، ولكن قد يَرِد هنا سُؤالاً يقال لماذا سَمَّاها الله هنا بكة ؟ ولم يُسَمِّهَا مكة ؟

وهذا اختلف في توجيهه أهل العلم :

فمنهم من قال إنَّ بَكَّة ومَكَّة بمعنىً واحد ، ولكن هذا من القَلب في بعض الحروف ، كما تقول لازب ولازم فاللاَّزب هو اللاَّزم ، ولكن هذا من قَلب الحروف ، ومثل جَذَبَهُ وجَبَذَهُ هذا من قلب الحروف ، فمكَّة هي لغة لها أخرى بمعنى بكَّة .

ومنهم من قال : إن بكَّة المقصود بها ذاتُ البِناء - هَذا القَائم - وأما مَكَّة فهُو ما بَقيَ من الحَرم ، من البيت

ومنهم من قال : إن بَكَّة هذه إشارة إلى الازدحام أصلها من البَكّ وهو شِدَّة الازدحام وذلك معنىً ملحوظ في البيت الحرام فإنَّ الناس يزدحمون فيه .

)إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ( يعني وضعه الله مبـاركاً ، كثيرُ البَركـات والخـير )وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ( يعني للعالمين جميعاً .

ثم قال U)فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ( .

قوله )فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ( أصل الآيات هنا هي العَلامات الواضحات ، حينما تقول هذه آية يعني علامة واضحة ، وَنَلحَظُ هُنَا في الآية الكريمة أنَّ الله قال )فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ( يعني آياتٌ واضحات ، وهذا من شِدَّة المُبالغة في الذِّكر ، والإِشَارة إلى عِظَمِ الآيات التِّي في هذا البيت الحرام ؛ لأنها آيات بينات واضحة ، وهذه الآيات البينات ، الظَّاهرات لِكُلِّ أحد كثيرة جداً ، وذكر الله عزَّ وجل في هذه الآيات بعضاً من تلك الآيات فقال )مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ( . يعني مِن هذه الآيات مقامُ إبراهيم ، ومقام إبراهيم هو المَوضع الذِّي قَامَ عليه لما بنَّى البيت ، ووضَعَ الحَجر ، وهو موجودٌ الآن ، وقد أثَّر فيه بقدمه حتى بقيت آثارُ قَدَمَهِ فيه . وأهل العلم اختلفوا في معنى مقام إبراهيم هنا هل هو هذا المقام المعروف المشهور الموجود الآن ؟ أم المقصود به مقامات إبراهيم في الحَرَم ، وفي المناسك ، مقامه في الحرم طوافه ، ومقامه بمعنى سعيُه بين الصَّفا والمروة ، وتنقله بين المَشاعر ونحو ذلك : منهم من قال هذا القول ، ومنهم من قال القول الآخر . وعلى كُلِّ حَال فالذِّي يَظهر أنَّ المقصود بالمقام هنا هذا المقام المعروف فإنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا طافَ بالبيت قال )وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ( ثم صلَّى عنده [1] ، وقُلنا إنَّ المُراد به مقام إبراهيم خُصُوصاً لأنَّ هذه المَعاني الأخرى التي ذكرها المفسرون من الطَّواف بالبيت ، والسَّعي بين الصَّفا ، والتَّنَقُلِ بين المشاعر هي واردة في ثنايا الآيات الكريمة .

إذاً أول هذه الآيات البينات مقامُ إبراهيم ثم قال الله U)وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ( .

وهذه من أعظم آيات هذا البيت فإنَّ من دخل هذا البيت أمن ، أَمِن على نفسه ، وعلى ماله ، فلا يناله أذى ، والله U يُخبِر في هذه الآيات ، وينزِّلها على النبي e والعرب أدرى الناس بِعِظَم هذه الآية ، وبظهورها ، وبيانها .

فإنَّ جزيرة العرب كانت يُتَخطف النَّاس كما يقول U)وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ([2] ، كان الناس فيها لا يتنقلون إلا على خَوف على أنفسهم ، وأموالهم أن ينالهم أحدٌ بأذى ، ولكن هذه المنطقة - منطقة الحرم - منطقة آمنة يأمن النَّاس فيها حتى إنَّ الأعداء المتحاربين إذا التقوا فيها لا يُهيِّج أحدهم أحداً ، ولا ينالُهُ بأذى ، كما جاء في بعض الآثار عن السلف " إنَّ الرجل ليلقى قاتل أبيه ، أو أخيه ، فلا يُهيِّجُه " ، بل حتى إنَّ هذا الأمان سَرَى على البَهَائِمِ نفسها ، ولذلك كان التَّقليد والإشعار ، تقليد البهائم وإشعارها يعني وضع العلامة عليها مما يدل على أنَّها مُهداة ومُسَاقة إلى البيت ، ولأَجل ذلك لا يتناولها أحد بأذى ، بل إنَّ هذه الحُرمة والتَّعظيم للبيت سَرَى حتى لأَدنى شيء له علاقة بالبيت ، فكان الرَّجل إذا خرج من البيت الحرام ، وهو يخاف من الأذى أن يُصيبه يأخذ لَحَم من شجر الحرم فيربطه على رقبته ، فيقلِّد نفسه هو ؛ رجاء أن يَأمن من الأذى أن يصيبه ، وكانت العرب تُعظِّم هذا الأمر .

وهذه من الآيات الظَّاهرة ، البيِّنة وإلاَّ فإنّ هؤلاء العرب ما كان لهم دِين يَردعهم عن الأذى ، أن يؤذوا غيرهم ، أن يتناولوا أحدا بأذى لكن قذف الله U في قلوبهم رهبة هذا البيت ، وتعظيمه وزاد ذلك التَّعظيم بعد حادثة الفيل ، وما فعل الله U بأبرهة ، فعظَّم النَّاس البيت تعظيماً كبيراً ، وعظَّموا بتعظيمه أهله أيضاً ، هذه إذاً من الآيات البَيِّنات )مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ( .

إذ لأنَّ هَذا البَيت فيه هذه الآيات البَيِّنات ، الظَّاهرات ، ناسَبَ الإشارة إلى أمرٍ آخر هو من تَعظيم البيت

فقال U)وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ( .

ذهبَ كثيرٌ من أهل العلم إلى أنَّ هذه الآية هي الآية التي دلَّت على وجُوب حجِّ البيت الحرام من القرآن الكريم

ولأهل العلم كلامٌ طويل في بيان معنى )مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ( .

ومُختصره ، ومداره على القُدرة على الوُصُول إلى البيت الحرام ، وكُلٌّ بِحسَبه وبحاله ، وإنَّما مَدارُ هذا الأمر الذِّي يَجمعه قدرته على الوُصول إلى البيت الحرام بلا مشقة ظاهرة ، ولذلك ورد عن السلف كثيرا أنهم قالوا الزَّاد ، والرَّاحلة .

ثم قال الله U بعد ذلك )وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ( .

• يعني من كفر بالله U فإنَّ الله غنيُّ عن العالمين .

• ويُحتمل أن يكون من كَفَر بوجوب الحَجّ فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين .

• أو من كفر بنعمةِ الله التِّي ذكرها ، وأشار إليها في الآية الكريمة فإنَّ الله غني عن العالمين .

ثم قال الله تعالى بعد ذلك : )قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) ( يقول الله U لنبِّيه قل أيُّها النَّبي مُخاطِبَاً أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى )لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ( لم تَجحَدُون بالحُجَج الظَّاهرة البَيِّنة التي قامت ، وظَهَرت لكم .

ثم قال U)وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ( إذ كيف تَكفُرون ويوجد أَمران يمنعانكم من الكُفر بآيات الله :

الأوّل : ظهورُ آيات الله ظُهورها لكم ظُهوراً بيِّناً لا لَبسَ فيه ، ولا غُمُوض .

الثاني : أنَّ الله شهيد على ما تعملون ، فاللهُ رقيبٌ عليكم مُطَّلعٌ عليكم ، لا يخفى عليه من أعمالكم شيئاً، وكفى بذلك سبباً يحملُ المرء على أن يَكُفَّ عن الكُفر بآيات بالله ، وتكذيبها ، والإعراض عنها ، لأنَّه يعلم أن الله شهيدٌ عليه مُطَّلِعٌ عليه .

ثم قَال تعالى )قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( . أيضاً يأمر الله U نبِيَّه أن يُخاطِب أهلَ الكتاب ، يَسألهم سؤال استفهام مُضمِّنٍ معنى الإنكار )لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ( والصَدّ المَنع )لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ ( وقد خَاطَبَ الله U أهل الكتاب بذلك لأنَّهم كانوا من أعظم الصَّادِين عن سبيل الله ، من أعظم من يَصُدُّ الناس عن الاهتداء إلى الحقّ ، وقَبُوله ، والانقياد له ، صَدُّوا أولاً بكفرهم ، وتكذيبهم ، فإنَّ أهل الكتاب كانوا أهل كتابٍ إلهي نزل عليهم ، وكانت العرب تعظِّمهم ، وترى أنَّ لهم فضلاً بنزول الكتاب عليهم ، ولذلك كانوا يَسألُونهم ، ويَستفهمون منهم خبر النبي e فهُم رأوا منهم التَّكذيب ، فإذا كذَّب أهل الكتاب فذلك مَدعاةً لشكِّ العرب وهم أمة أمية ، بل إنَّ أهل الكتاب لم يقتصروا على ذلك منهم ، بل كما ورد في الآيات السَّابقة )آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ( فكان أحدهم يُؤمن في أوَّل النَّهار يقول آمنت ، فإذا جاء آخر النَّهار قال : كفرت ! فإذا رأى النَّاس ذلك قالوا : إن هؤلاء أصحاب حقّ ، وطُلا

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل