دورة سحر البيان في تعدد القرآءات - المجلس 46 - آل عمران - د. محمود شمس

دورة سحر البيان في تعدد القرآءات القرآنية – 1437هـ

المجلس 46 – توجيه القرآن من الآية 73 في سورة آل عمران

د. محمود شمس

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

في البداية: جاءني سؤال عن سبب تناولي لبعض الكلمات التي ليس فيها قرآءات خلال موضوعنا عن تعدد القراءات، وهي من باب المتشابه اللفظي، مثل كلمة: غلام وولد ؟

 فأقول وأؤكد: إنَّ مثل هذه الكلمات، وما نسميه بالمتشابه اللفظي، نلاحظ استعمال الكلمة بلفظ وفي موضع آخر بلفظ، واتفاق القرآءات كلها على هذا الموضع دليلٌ على أن القرآءات وحي من عند الله، ولا دخل للبشر فيها، فإذا كان كل القرّاء يقرأون: (أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ)، ويقرأون: (أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ) في سورة آل عمران واتفقوا على ذلك، فمعنى هذا أن القرّاء ليس لهم أن يبتكروا ويجتهدوا ويأتوا بقرآءات من عندهم وهذا ما نؤكده دائمًا.

نعود لموضوعنا، ونظرا لصعوبة الآية التي كنا نشرحها المرة السابقة، فسأعيد تلخيصها بصورة ميسرة بإذن الله تبارك وتعالى:

في قوله تعالى: (وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٧٢﴾ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ)

 قلت لكم: إن الله تبارك وتعالى يتحدث عن طائفتين من أهل الكتاب:

·                     الطائفة الأولى: حاولت أن تضل إضلالا مباشرة ما استطاعت.

·                      فلما عجزت عن ذلك قالوا نتحايل ونخادع، فقالت تلك الطائفة الثانية من أهل الكتاب: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) أول النهار آمنوا  و(وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) في آخر النهار، أي: قولوا هذا الدين ليس هو الحق وليس هو المبشر به عن محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من باب الاحتراس خوفا من أن يتوهم أنهم لما قالوا (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)، فخافوا أن يفهم هؤلاء أن الذين آمنوا قد آمنوا إيمانًأ حقيقيًا، فأرادوا أن يطعنوا في هذا من باب الاحتراس، فقالوا: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، تلك الجملة من كلام الطائفة.
 
(قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ)  هذه الجملة أمر من الله لنبيه ، فهي من كلام الله ردًا على زعمهم هذا، فتكون هاهنا إذا قلنا أن جملة (أن يؤتى أحد) من قولهم، تكون جملة (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) جملة اعتراضية.

نبين القرآءات التي معنا:

·                  قرآءة بالاستفهام لابن كثير (ءَأَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ): هذا الاستفهام اسمه استفهام إنكاري أي أنهم يستنكرون هاهنا.

الإنكار بالهمزة: وتلك قاعدة لا بد أن نعلمها:

(لو وجدنا استفهاما إنكاريًأ بالهمزة، فما يلي الهمزة هو المستنكَر).

أي أن الذي يقع بعد الهمزة مباشرة هو المستنكَر. هل في ذلك فرق في المعنى؟ نعم، فرق كبير.

 فإذا قلت لك: أتبيع سيارتك؟ فأنا أستنكر البيع منك وليس بيع السيارة دون غيرها، أستنكر البيع منك على الإطلاق، أنت ما ينبغي أن تبيع وسيارتك بالذات لكن مادمت قد قلت: (أتبيع .. ؟)، فأنا استنكر البيع،

 لكن إن قلت: أسيارتك تبيع؟ فأنا أستنكر بيع السيارة بالذات ولك أن تبيع ما تشاء.

 لو طبقنا هذه القاعدة على تلك القرآءة: (ءَأَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ)، فالمستنكَر إتيان أحد نبوة أو رسالة من غير بني إسرائيل، لو عكسنا وكانت: [أمثل ما أوتيتم يؤتى أحد؟] لكان المستنكَر المثلية في الإتيان، فلو كان أقل من المثلية لا يمنع.

 إذن هنا قرآءة الاستفهام: تركز على أنهم يستنكرون إتيان أحد من غير بني إسرائيل نبوة أو رسالة، وتكون تلك الجملة على تلك القرآءة من كلامهم، وجملة (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) جملة اعتراضية؛ لأنها أمر من الله لنبيه أن يقول لهم ذلك.

والجمل الاعتراضية لها دلالات في المعنى لا تأتي هكذا. فما دلالة الاعتراض هنا؟

الجواب: للمبادرة بما يفيد ضلالهم وبيان أن الله حرمهم التوفيق للهداية.

 (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ): فيها مبادرة بما يفيد ضلالهم ، فقبل أن يتمّوا كلامهم حكم الله عليه؛ لأن الله حرمهم التوفيق للهداية الحقة. ويكون المعنى: أنهم أرادوا إنكار أن يؤتى أحد النبوة كما أوتيها أنبياء بني إسرائيل. إذن هم يستنكرون أن يكون هناك من يؤتى نبوةً من غير بني إسرائيل، ويكون المعنى بإيجاز: [ءَإِتيانُ أحدٍ مثل ما أوتيتم ممكن أو مصدّق به؟!]، يستنكرون: هل يمكن أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم؟ هل هذا أمر ممكن أو أمر مصدّق؟! هم يستنكرون. وجملة (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) ستكون معطوفة على هذا الاستفهام الإنكاري داخلة في الإنكار، فيكون معناها: [فكيف يحاجوكم عند ربكم وهم لا حجة لهم عليكم؟!]. إذن قرآءة الاستفهام واضحة.

 نأتي إلى قرآءة الإخبار: على قرآءة الإخبار تكون جملة (أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) فيها قولان:

-                     القول الأول: أنها من كلامهم، وتكون جملة تعليلية لقولهم (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، فالتعليل هنا [لئلا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم]، وقلت: إنّ حذف (لا النافية) مع (أن المصدرية) عندما نرى الفعل المسلط عليها لا يفهم منه إلا أن يكون نفيًا، فلا بد أن نقدر هذا النفي كما بينت في مثال: (يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) ، ليس بمعقول أن يكون بيان الله لنا لنضلّ وإنما أن لا تضلّوا، [يبين الله لكم أن لا تضلوا]. وهنا التقدير: [ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم لئلا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم]. ومسألة تقدير (لا النافية) بعد (أن المصدرية) هذا قول الكوفيين، أمّا البصريون فيقدّرون مصدرا آخر: [يبين الله لكم كراهة أن تضلوا]، وهنا يكون التقدير: [كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم]. إذن جملة تعليلية، ماذا قصدوا منها؟ قصدوا أن يثبتوا أنفسهم وعقيدتهم على ملازمتهم لليهودية وأنهم الدين الحق، ما يريدون أن يظهر هذا الدين إلا أن يكون دينهم الذين اتبعوه هو الحق، هذا ما قصدوه. إذن قوله (أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) معطوفة عليها وداخلة في التعليل ويكون تقديرها: [وحتى لا يحاجوكم عند ربكم]. هذا القول الأول، وعليه يكون قوله (أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) من كلامهم، وهي جملة تعليلية حذف منها أداة النفي، والتقدير: [أن لا يؤتى أحد].

-                     القول الثاني: أن قوله تعالى (أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) من كلام الله تعالى وداخل في أمر الله للنبي ، (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) ، لا يزال الكلام متصلا ويكون هذا الكلام للرد على قولهم (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار) وقولهم (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، وقلت إن عندهم قولين وعندنا رد على كل قول، (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) الرد عليهم جملة: (أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) ، وعندنا جملة (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) هي الرد على: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، ويكون المعنى أنكم لم تقولوا ذلك إلا حسدا من عند أنفسكم وخوفا من أن يحاجّكم أحد يوم القيامة ، أمّا قوله: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ)، فهي رد لقولهم (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)، ويكون الرد بقوله (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) على طريقة التهكم؛ للتهكم بهم لأنهم يعتقدون أن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك ويؤثروا في المسلمين بذلك ، ولما قالوا (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)، فالله تبارك وتعالى يرد عليهم ردا متهكما بهم، إشارة إلى أنه يبين أن مرادهم التنصل من المسؤولية في المحاجة يوم القيامة. كيف هذا التهكم؟ وكيف بيّن أن قضية التنصل هذه ليبتعدوا عن مسؤولية المحاجة؟ عندنا بعض الناس يقولون: فلان يمسك العصا من الوسط لا يبين إن كان مع هذا أو مع هذا حتى إذا فاز من في اليمين يكون معه وإذا فاز من في الشمال يكون معه، هذا الرد عليهم بنفس الأسلوب والطريقة بمعنى أنهم قالوا (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) ، فقال الله تعالى ردا على هذا الكلام: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) أنهم قالوا (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) ، فيكونوا قد آمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وأيضًا فإنّ تمسكهم باليهودية معناه أنهم باقون على دينهم، فإذا فاز محمد ونجا في الآخرة يوم القيامة لا يتمكن من محاجتهم، هذا حسب فهمهم. وإذا لم يكن الفوز والنصر له فهم لم يفرّطوا في ديانتهم. هذه طريقة التنصل من المسؤولية بقولهم (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)، كأنهم يريدون أن يقولوا: [نحن آمنا، فإذا كان هو الدين الحق فنحن آمنا، وإذا لم يكن فما زلنا متمسكين باليهودية وما خسرنا شيئًا]، هذا التوجيه على أن هذا من كلام الله وأنه تبارك وتعالى يرد على زعمهم ويرد على كلامهم أنهم قالوا (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) ، فرد عليهم بقوله: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ)، أي: أنتم تتنصلون من المسؤولية بحسب فهمهم، نحن آمنا ولم نفرّط فإذا كان ما جاء به محمد هو الحق سلِمنا من المحاجّة وإذا لم يكن سلمنا أيضًا، هذا ما أراد الله أن يبينه لهم أن هذا زعم منكم فاسد وباطل.

(وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) الرد عليهم كان سريعًا (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ)، وأما قولهم (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)  الرد عليه قوله (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ)، هذا اسمه: لف ونشر معكوس؛ لأن الله تبارك وتعالى قال (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) ، والذي يرجح ما بينته أن (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) رد على (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)؛ لأن الله قال بعدها (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٧٣﴾ إلى آخر الايات. هم يعتقدون أنهم يستطعيون الضحك على المؤمنين ويستطيعون الضحك على رسول الله  بأنهم يومًا ما كانوا مؤمنين، لكنهم لم يقتنعوا بالدين، فهذا تحايل.

لذلك وأنتم تقرأون نتعلم التدبر سويًا، مثلا:

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّـهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). ما موقع كلمة (غَيْرَ) وما الذي نصبها؟

(غَيْرَ) هنا مفعول به للفعل (أَتَّخِذُ) ، أصل الجملة: [قل أأتخذ وليًا غير الله]. يقدّم المفعول على الفعل أو العامل (أَتَّخِذُ) ، وكون المفعول يتقدم على الفاعل ممكن، ويتقدم على الفعل أيضًا؛ ليسلط الإنكار على (غير الله) ليكون المستنكَر ليس اتخاذ الولي، لا بد أن تتخذ وليا، وإنما المستنكَر أن تتخذ غير الله وليًا، وهكذا في القرآن كله، مثل:

-                     (أَفَغَيرَ اللَّـهِ أَبتَغي حَكَمًا).

- (قُل أَغَيرَ اللَّـهِ أَبغي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيءٍ) ؛ لأن ما يلي الهمزة هو المستنكَر كما قررنا.

نأتي إلى مسألة دقيقة في الفرق بين:

-                  (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ) ... البقرة والأنعام.

-                     (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) ... آل عمران.

(قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ):

 وردت في سورة البقرة في قوله: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ)، ووردت في سورة الأنعام في قوله: (قُل أَنَدعو مِن دونِ اللَّـهِ ما لا يَنفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعقابِنا بَعدَ إِذ هَدانَا اللَّـهُ كَالَّذِي استَهوَتهُ الشَّياطينُ فِي الأَرضِ حَيرانَ لَهُ أَصحابٌ يَدعونَهُ إِلَى الهُدَى ائتِنا قُل إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الهُدى وَأُمِرنا لِنُسلِمَ لِرَبِّ العالَمينَ ﴿٧١﴾ ).

 أمّا الموضع الذي معنا في آل عمران:

 (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ).

 ما الفرق بين الأسلوبين ولماذا وردت في البقرة والأنعام هكذا ووردت في آل عمران كذا؟

الجواب:

في موضعي البقرة، فيها ادعاء وزعم أن هناك من له هدى غير الله سبحانه وتعالى، طبعا اليهود والنصارى واضح من قولهم: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ، معنى ذلك: أنهم يرفضون أن يكون هناك هدى غير ما هم عليه، فهم يزعمون أن هناك من عنده هدى غير الله تبارك وتعالى، فأراد الله تبارك وتعالى أن يبين أنه لا هداكم ولا هدى غيركم، وإنما هدى الله هو الهدى. إذن تلك الجملة سُبقت بمن يزعم أن هناك من عنده هدى غير الله فأراد الله أن يقول: لا، هدى الله هو الذي ينبغي أن نطلق عليه (الهدى)، ولا يوجد أبدا هدى إلا ما كان من عند الله تبارك وتعالى، وهذا هو السر، والله أعلم. وجاء بأسلوب القصر ليفيد أن هدى الله هو الوحيد الذي يطلق عليه أنه الهدى لا غيره.

في سورة الأنعام، يضرب الله تبارك وتعالى مثلا بمن آمن ويطالبه أحد بأن يرتد ويعود إلى الكفر، قيل إنها نزلت في عبد الرحمن ابن أبي بكر قبل أن يُسلم  حيث كان يدعو أباه إلى الكفر، (قُل أَنَدعو مِن دونِ اللَّـهِ ما لا يَنفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعقابِنا بَعدَ إِذ هَدانَا اللَّـهُ)، يصوره الله تعالى بالصورة الآتية: (كَالَّذِي استَهوَتهُ الشَّياطينُ فِي الأَرضِ حَيرانَ لَهُ أَصحابٌ يَدعونَهُ إِلَى الهُدَى ائتِنا)، يصور الله هذا الإنسان الذي يدعى ليرتد عن دينه كالتائه في الصحراء، والشياطين في ناحية تجذبه إلى الهوى والكفر، لكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى، وهذا دورنا، لا بد أن يكون لكل واحد منا دور لخدمة هذا الدين. أنت صاحبك بعيد عن الدين وبعيد عن طاعة الله لماذا لا تأخذ بيده وتجذبه وتتلمس فيه جانب الخير، كل إنسان فيه الخير وفيه الشر ، فلماذا لا تأخذ بيديه ؟؟ ولذلك فقد سمعنا عن أحد علمائا الكبار ومشايخنا -رحمه الله- أنّ سائلا اتصل عليه، وقال: جاري لا يصلين فكيف أتعامل معه؟ قال له: تأخذه معك إلى المسجد، هذا دورك. السائل كان ينتظر أن يقول له [هذا لا يجوز أن تتعامل معه أو تكلمه]، لا، بل خذ بالأسباب التي تجعله يستمع إليك. ليس فقط (يَدعونَهُ إِلَى الهُدَى) بل أيضًا (ائتِنا) تدلل على أن هناك دعوة عملية، أي تفيد وجوب المتابعة لمن وجهت إليه الدعوة، يعني مثلا:

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل