روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الثالثة- الدرس الثاني - د. محمد علي الشنقيطي

مساق روائع تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

 

منصة زادي - تفريغ وتنقيح مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة

الوحدة الثالثة: قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)

الدرس الثاني: قوله تعالى: (وإياك نستعين)

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مازلنا وإياكم مع تفسير فاتحة الكتاب، وقد وصلنا إلى هذه الآية التي هي عِقد سورة الفاتحة وهي آية (إياك نعبد وإياك نستعين) وكان في اللقاء الماضي أخذنا الشطر الأول من هذه الآية (إياك نعبد) والآن نأخذ الشطر الثاني (وإياك نستعين) ثم نتحدث عن العلاقة بين الشطرين: بين الشطر الأول (إياك نعبد) والشطر الثاني (وإياك نستعين) ونتحدث عن أحوال الناس بالنسبة لهذه الآية.

الناس في هذه الآية على أربعة أحوال:

  • منهم من حقق (إياك نعبد) وضيّع (وإياك نستعين)
  • ومنهم حقق (وإياك نستعين) وضيّع (إياك نعبد)
  • ومنهم من حققهما معا
  • ومنهم من ضيعهما معا

هذه أربعة أحوال. من حقق "إياك نعبد" وضيّع "وإياك نستعين" هذا الذي قام بعبادة الله ثم قلّ توكله على الله وقلّ دعاؤه لله سبحانه وتعالى، فهذا عبده لكن عنده ضعف في باب الاستعانة. وهنالك من عنده قوة في باب الاستعانة والدعاء والذكر ولكن في باب العبادة ضعيف جدًا (كثير الدعاء قليل العبادة). وهناك من هو كثير الدعاء كثير العبادة كثير التوكل على الله، فهذا حقق "إياك نعبد" وحقق "وإياك نستعين" وقد جمع الله عز وجل في آيات كثيرة بين "إياك نعبد" "وإياك نستعين" فمثلًا في (سورة التوبة قال تعالى (فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) هذه إياك نعبد (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [التوبة: 29] هذه وإياك نستعين، (فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ) هذه إياك نعبد (إِِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87] هذه إياك نستعين، فيجمع الله عز وجل في آيات كثيرة بين إياك نعبد وإياك نستعين لأن إياك نعبد حق الله وإياك نستعين حق المخلوق.

بعد أن ذكرنا هذه الأقسام الأربعة،علمنا أن من جمع بينهما كان هو صاحب الكمال، جمع حق الله مع حقه، عبد الله وسأل الله، والله عز وجل يقول (فإذا فرغت فانصب (2) وإلى ربك فارغب (3) الشرح) فإذا فرغت من عبادته فانصب في عبادة أخرى هذه إياك نعبد وإلى ربك فارغب هذه وإياك نستعين.

ما معنى الاستعانة؟ وما أنواع الاستعانة؟ وكيف تكون الاستعانة؟

الاستعانة بالله سبحانه وتعالى تكون على كل شيء لأن الله عز وجل أمرنا أن نستعين به وأعطانا طرق الاستعانة. الله عز وجل أمر بالاستعانة بالله عز وجل والاستعانة بعبادة الله، قال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) [البقرة: 45] والصبر والصلاة من إياك نعبد، والله عز وجل أمرنا أن نستعين بهم على أمورنا فالصبر مفتاح الفرج والصلاة مفتاح الفرج، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة.

"إياك نعبد وإياك نستعين" من كان عابدا لله فإنه يستعين بالله والله عز وجل سيعينه، وقد بين لنا الله عز وجل في الحديث القدسي معنى مجمل لهذه الآية فقال سبحانه وتعالى: "وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه" إذن هذه إياك نعبد (افترضت عليه، والفرائض عبادات) "ولا زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" (هذه إياك نعبد)، فإذا أحببته؟ هنا يفتح الله عز وجل باب "وإياك نستعين"، اسمع ماذا قال "كنت سمعه الذي يسمع به" هذه إعانة فيعينك الله على السمع فتحفظ ولا تنسى ويعينك على السمع فتسمع وتستجيب (سمعنا وأطعنا) "وبصره الذي يبصر به" يعينك على البصر فترى، وترى ما لا يراه غيرك (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام: 75) وترى بعين بصرك، وترى بعين بصيرتك، وترى بروحك، وترى بعقلك، وترى أمورًا تدلك على الله سحانه وتعالى، وترى المعاني بين السطور، وترى أمورًا كثيرة  (ألم يعلم بأن الله يرى) فترى أشياء كثيرة جدا هذا كله من باب الاستعانة. "ويده الذي يبطش بها" بركة في يدك وبركة في أعمالك. كان شيخ الإسلام ابن تيمية في اليوم الواحد يكتب خمسمئة صفحة ويدرّس طلابًا في اليوم الواحد ويعبد الله سبحانه وتعالى وكان له غدوة وروحة من ذكر الله يقول غدوتي فيجلس في مصلّاه حتى تطلع الشمس وغير ذلك، فهو في باب العبادات موفّق، في باب نشر العلم موفّق، في باب التصنيف والتأليف موفّق كل هذا من باب إياك نعبد وإياك نستعين.

والله عز وجل وحده الذي يعين (لأنه القادر) لأن من استعان بالضعيف لا يمكن أن يفيده. لوإنسان مثلا خشي أن يسقط من أعلى وحوله طفل فلو مسك بيده سقط هو وإياه لأن سند الضعيف على الضعيف يؤدي إلى سقوطهما لكن لو كان عنده رجل قوي ومد له يده ولله المثل الأعلى فإن القوي سيجذبه وسيعينه ولذلك قسم أهل العلم الاستعانة إلى أقسام:

الاستعانة بالله عز وجل عبادة، وهي أفضل استعانة.

 

وأيضًا الاستعانة بغير الله عز وجل فيما يقدر عليه ولله المثل الأعلى ولا ينافي هذا النوع من الاستعانة الاستعانة بالله كمن كان يمشي على الطريق وطفت عليه سيارته فاستعان بأناس يدفعونها حتى تشتغل، فهذا نوع من طلب العون من غير الله لكن في ما لا إثم فيه ولا حرج فيه فهذا جائز ولا يخالف الاستعانة بالله عز وجل. واستعانة الإنسان بخادمه الذي يطبخ له طعامه أو استعانة الرجل بزوجته أو استعانة الزوجة بزوجها أو استعانة الوالد بولده أو استعانة الولد بوالده، كل هذه الأنواع من الاستعانات مباحة لأنها استعانة بمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق.



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    تم التصحيح جزاك الله خيرا أختي الكريمة بارك الله بك وشكر لك تنبيهك

  2. ام عبد علق :

    (فإذا فرغت فانصب (2) وإلى ربك فارغب (3) الكوثر.

    ١. الايات في سورة الشرح وليس الكوثر.
    ٢. ترقيم الايات خطأ

    ارجو التصحيح بارك الله فيكم

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل