تدبر سورة النساء - 4- الجزء الثاني - د. رقية العلواني

تدبر سورة النساء - 4 - الجزء الثاني

د. رقية العلواني

 

تفريغ سمر الأرناؤوط لموقع إسلاميات حصريًا

وتدبروا في الآية (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) تدبروا الإيمان عمل، الإيمان احتكام لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) وليس هذا فقط (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) مراحل الإيمان، مراحل الرجوع إلى الله سبحانه: أولًا توبة واستغفار (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) واستشعار أن الله تواب رحيم، التوبة لأجل أن تتم وتكون صادقة لا بد أن تليها خطوة التصحيح، أين التصحيح؟ (يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) على كل المستويات، علاقات زوجية علاقات مالية، مع الأقوياء مع الضعفاء مع يتامى مع أداء الأمانات إلى أهلها، علاقات اجتماعية علاقات أسرية، كل أشكال النزاعات الحكم فيها ليس لأهوائنا، الحكم لا بد أن يكون لله ولرسوله فيما يحدث بيننا من نزاعات. المشكلة في نزاعاتنا اليوم التي لا تحل، كثير من الناس تسمع له فيقول لك: أبدًا، هذه مشكلة عويصة أو مستعصية، صعب، حاولت كل الطرق ولم تحلّ! كل الطرق أحيانًأ هي تلك القائمة على أهواء النفوس. المشكلة في أننا لم نعد نستطع حل نزاعاتنا، أن الذي بات يتحكم فينا وفي نزاعاتنا الهوى وليس ما حكم به الله سبحانه وتعالى ورسوله، إشكالية خطيرة ولذلك قال (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) سواء كان الحق لك أو عليك، إذا أردت أن تقيس مستوى الإيمان في قلبك لا بد أن لا يكون ضيق ولا حرج ولا انزعاج في نفسك إزاء ذلك الحكم الذي حكم الله به ورسوله (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الإيمان تسليم، انقياد، خضوع لأمر الله عز وجلّ وهذا معنى الإسلام أن تسلم قياد روحك وقلبك وحياتك لخالقك عز وجلّ ليحكم فيها كلها لا أن يحكم في جزء منها ولا يحكم في الآخر فيحدث التناقض والازدواجية والنفاق بكل أشكاله وصوره. (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) إشكالية كثير من الأسر اليوم والأفراد والمجتمعات هذه القضية: عدم التسليم، وإذا سلّمنا في شيء لا نسلم في آخر.

ولذلك بعد هذه الآيات العظيمة والمقارنة كذلك والمقابلة مع اليهود وأهل الكتاب وكيفية التعامل مع المنهج (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴿٦٦﴾) من وسائل الثبات أن يتعظ الإنسان ولأجل أن يتم الاتعاظ عليه أن يفعل ما يوعظ به والقرآن موعظة، التطبيق (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) ليس هذا فقط (وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٦٧﴾ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٦٨﴾) نفحات، منح ربانية من الله عز وجلّ فقط حين يحسن الإنسان تطبيق المنهج في واقعه وحياته. وتدبروا كيف يكون الربط (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴿٦٩﴾) الآية العظيمة التي فرح بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّما فرح، صحيح يروى أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبه حبا شديدا ومن ذا الذي لا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! كان ملازمًأ له فكان يخشى إذا مات – كما أوردت بعض كتب التفاسير – يخشى إذا مات فالنبي صلى الله عليه وسلم مع النبيين ودرجته درجته وهذا الرجل بسيط من عامة المسلمين فأنّى له أن يرتقي بتكل المنزلة ويلحق به؟! فنزلت هذه الآية تثبيتًا وتطمينًا وفتحًا عظيمًا لباب الرحمة والمغفرة، ما الذي يريده الله سبحانه وتعالى؟ أن يطع الله ورسوله. ولأجل أيّ شيء ربي سبحانه وتعالى يطلب منا طاعته؟ ألأجل أنه سبحانه بحاجة إلى تلك الطاعة حاشاه؟! ربي هو الغني ونحن الفقراء يأمرنا بطاعته لأجل أن تصلح حياتنا وآخرتنا بتلك الطاعة ولا تصلح حياتنا ولا آخرتنا بدون تلك الطاعة. (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴿٦٩﴾ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴿٧٠﴾) تدبروا: عليم بما نفعل، عليم بفضائل الإحسان التي يمكن أن نقوم بها، الإحسان الذي بات في زماننا يسميه البعض تنازلات وتضحيات والقرآن يسميه إحسانًا ولك أن تتخيل الفارق بين الإحسان حتى في الكلمة وبين التضحيات! خسرنا كثيرًا حين فرطنا في مفردات هذا الكتاب العظيم، القرآن يسميها إحسان ونحن نسميها تضحية وتنازل!! ذلك الفضل من الله سبحانه وتعالى على عباده أن أنزل لهم منهجًا تستقيم به حياتهم وأُخراهم. المؤمن الذي يعيش في ظل منهج الله سبحانه وتعالى ويطبّق سيكون مع أولئك الذين طبقوا تلك الرسالة وحملوها حق حملها النبيين والصديقين والشهداء والصالحين صدقت أفعالهم إيمانهم، نحن بحاجة ماسة إلى هذا التصديق العظيم.

وهنا وفي هذا الموضع تنتقل السورة إلى الحديث عن قضية القتال، لماذا؟ هذه القيم العظيمة: قيم الأمانة، قيم أداء الأمانة، قيم العدالة قيم الحرية، قيم المساواة، قيم إدارة النزاعات بين البشر وفق ما أراد الله تحتاج إلى حماية تحتاج إلى ما يمكن أن يكفل لها الحماية والرعاية والاستمرارية، فكان القتال، القتال في الإسلام ليس بالمعنى الذي يخيله البعض أو يصوره البعض على أنه سفك للدماء وأن الإسلام دين دموي، هكذا يطلق البعض من الافتراءات على هذا الدين العظيم! تدبروا هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴿٧١﴾ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴿٧٢﴾ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧٣﴾ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ) إذن أنت لا تقاتل في سبيل أهوائك ولا في سبيل مطامع دنيوية ولا عروض زائلة ولا لأجل نهب ثروات الشعوب ونفطها ومصادرها ومائها وأنهارها وأقواتها، لا تقاتل لأجل كل تلك الترهات الزائفة القائمة على هوى النفس وعبادة الذات بل تقاتل لأجل من؟ وفي سبيل من؟ سبيل الرب الذي وضع المنهج فحتى حين تقوم ويؤذن لك بهذه القضية عليك أن تقاتل وفق منهج الله لا وفق أهواء النفوس، لا تحرك الجيوش الأهواء، في الإسلام في ذلك النهج والتطبيق الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم، جنود النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تحرّكهم الأهواء، حركتهم آيات الكتاب والمنهج الذي جاء في كتاب الله عز وجلّ، هذا الذي حرّكهم (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ) باعوا الدنيا بكل عروضها بكل أموالها ومكاسبها وأطماعها وأهوائها وشهواتها ليشتري الآخرة، والسؤال: الإنسان الذي يبيع الدنيا بكل ما فيها أهو إنسان يقاتل لإرضاء لنزوة أو شهوة أو تحصيل مطمع أو غاية دنيوية؟! لا يمكن، وهل يمكن أن يكون ذلك العمل الذي يقاتل لأجله سفكًا للدماء؟! لا، لأننا ستأتي علينا بعد قليل الآيات وهي تبين لنا تقديس الحياة الإنسانية ووضع تلك الحياة التي وهب الله سبحانه وتعالى للبشر في أعلى منزلة بعد الدين. وتدبروا الآية (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴿٧٥﴾) إذن هو قتال لأجل حماية حقوق المستضعفين، قيم، حماية العدالة، حماية الضعيف، نصرة للضعيف وتدبروا في واقع المجتمعات المعاصرة اليوم، اليوم الجيوش تخرج لكن السؤال ألنصرة الضعفاء أم الأقوياء؟ ألنصرة الضعفاء الذين ظُلموا أم لنصرة الأقوياء الذين ظَلموا؟ فارق عظيم بين مقصد ومغزى القتال في سبيل الله في الإسلام وبين القتال في سبيل الطاغوت ولذلك جاءت الآية (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) طاغوت والظلم والعدوان والافتراء والكذب وسفك دماء ونهب أموال الشعوب وتخريب الأرض التي أمر الله أن تعمّر. الفارق شاسع والتناسب واضح ولذلك قال الله عز وجلّ (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) لماذا يا رب؟ لأن المعركة واضحة، لأن معركة الواقع الإنساني واضحة في الصراع بين الحق والباطل، هنا حق وهناك باطل، هناك قيم أمر الله بأن تطبق، حقوق حرية عدالة مواساة أمانة تؤدّى، وهناك قيم كانت موجودة في المجتمع الجاهلي والآن بدأت تعود للمجتمعات المعاصرة، الظلم، الاستعباد والاستبداد، التفرقة العنصرية لا المساواة، قيم تناقض القرآن فما هو الحل؟! من الذي ستكون له الكلمة فيالنهاية؟ ولذلك شرع هنا القتال لحماية القيم القرنية العظيمة المطلوب أن تطبق في الواقع ولكن إذا احتدم الصراع بينها وبين قوى الباطل وقيم الباطل فكيف يكون الحل؟! هؤلاء المستضعفون من النساء والرجل والولدان هؤلاء من يقوم بحمايتهم؟ من يقوم بنصرتهم؟ هل المنظمات الدولية فعلًا هي التي تقوم بنصرتهم؟! إلى أيّ مدى؟! إلى ايّ مدى بات الإنسان يظلم أخاه الإنسان ويعتدي عليه ويلبه كرامته وإنسانيته، اعتداء على الأعراض، اعتداء على الأموال اعتداء على الأرض، اعتداء على كل ما هو إنساني، من الذي يقف في وجه كل هذا الطوفان اللاإنساني؟! من؟! من الذي يقف في وجهه؟! الحق والعدل والحرية والمساواة لا بد لها من من يدافع عنها ولن يدافع عنها أولئك الذين لا يؤمنون بها ولن يدافع عنها أولئك الذين لا يطبّقونها في أُسرهم وبيوتهم وحياتهم وعلاقاتهم الأسرية والمجتمعية ومؤسساتهم المختلفة صغيرة كانت أو كبيرة ولذا ربي عز وجلّ قال - والآيات لا تزال تتكلم في سياق القتال - (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ) الحياة أجمل من القتال، القتال قد يفقد فيه الإنسان حياته وأغلى شي عند الإنسان الحياة الروح! ليست كل حياة غالية، الحياة القائمة على الظلم وقبول الاعتداء على الناس وأعراضهم وأموالهم وتصفية وسفك دمائهم هذه ليست بحياة تستحق أن يعيشها الإنسان! الحياة ليست مجرد أنفاس ولو كانت أنفاسًا مكتومة تكتم الحق والعدل والحرية والمساواة! هذه ليست الحياة التي يريدها القرآن، تدبروا في الآية (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ) الموت سنة من السنن مكتوب على كل الأحياء القوي والضعيف لظال والمظلوم المرأة والرجل الصغير والكبير المريض والصحيح. إذن إذا كان الأمر هكذا ربي سبحانه وتعالى شرع للبشر أن يعيشوا حياة إنسانية كريمة تليق بإنسانيتهم فإن لم يكن ذلك فهنا في هذا الموضع هنا يشرع لقتال لأجل أن تبقى الحياة الإنسانية ويبقى الإنسان على كرامته ولا تهان وتهدر كرامة الإنسان. القتال ما شرع في القرآن لأجل الموت في الإسلام، القتال شرع لأجل الحياة الكريمة. وهذا الفهم فهم غير صحيح أن يتصور البعض وينشر هكذا عن الإسلام أن الإسلام شرع القتال لأجل الموت في سبيل الله والواقع أن القتال شُرع لأجل إبقاء الحياة الإنسانية الكريمة. ولكن إذا مات الإنسان في سبيل هذه الحياة الكريمة وإعلاء قيمتها وإحيائها الحفاظ عليها فليكن فالموت نهاية كل حيّ ولكن موته عندئذ سيكون شهادة. الآية التي بعدها جاءت لتبين هذه القيمة (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) حتى لا يضعف الإنسان أمام حبّ الحياة، حتى لا يقع الإنسان في عشق الحياة وحبها حتى ولو كانت حياة ذليلة مهينة لا كرامة له فيها. ولذلك ختمت فقالت (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) رسولًأ بأي شيء؟ رسول السلام، رسول العدل، رسول القيم والمحبة ولذلك جاءت الآية (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿٨٠﴾) الطاعة، التطبيق، المنهج والتحذير في نفس الوقت من النفاق والازدواجية (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) ازدواجية، يقولون بألسنتهم ما لا يفعلون بجوارحهم وفي واقعهم وسلوكهم لذلك قال (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا). (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴿٨٢﴾) هنا تدبر القرآن. لماذا جاء الكلام عن التدبر واستنكار على من لا يتدبر في هذا السياق؟ لأن التدبر يقودك إلى التطبيق والتنفيذ في الواقع فإذا لم يقدك التدبرإلى التنفيذ في الواقع ستجد الاختلاف ستجد الشجار والنزاع والصراع والحروب وسفك الدماء وانتهاك الأعراض وسلب الأموال والتشتيت والتهجير من قبيل عدم تطبيق المنهج، ولماذا لا يحدث عدم التطبيق؟ لغياب التدبر ولذلك خسر المسلمون كثيرًا في واقعهم حين أعرضوا عن تدبر هذا الكتاب، التدبر فريضة على كل مسلم عاقبل يقرأ هذا الكتاب أنزله لأجل أن نتدبره لأنه بدون تدبر لا يحصل طاعة وتدبر في حياتك أنت كلما ازددت قربًا من هذا الكتاب وتدبرا في آياته ازددت طاعة لله واستسلامًا لمنهجه وسيرا على هدى نبيه صلى الله عليه وسلم. التدبر يولّد فيك الطاعة يولّد فيك الانقياد والخضوع لأمر الله ومنهجه في الواقع وهو ما أراده القرآن (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ). قد يقول قائل لو ما أدرك التناسب بين الآيات، ما دخل الكلام عن التدبر في الآية؟ الكلام عن الطاعة (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿٨٠﴾) التولي والصدود والإعراض عن منهج الله لا يكون إلا بالإعراض عن تدبر هذا الكتاب وعدم تفهّم معانيه نتيجة طبيعية والتدبر يقودك إلى الطاعة والانقياد والاستسلام لأمر الله نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه وأن يجعلنا من أهل القرآن الواعين المتدبرين المنفذين لأوامره وتعاليمه وأن يلحقنا بأولئك الرفقة الطيبة التي أدركت كيف يتدبر المؤمن القرآن وينفذ تلك الأوامر في واقعه وحياته.

 https://soundcloud.com/aldu3at/efj1apl10n8b

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل