تفسير سورة آل عمران - المجلس الأول - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس الأول

 د. أحمد بن محمد البريدي  - دورة الأترجة القرآنية

)الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ([1] .

هذه السورة مدنية , نحن استمعنا لقراءة وجه كامل اشتمل على معانٍ عظيمة , سنبيّن إن شاء الله تعالى شيئاً منها , لكنّني أدعوكم أن تستمعوا له بعد سماع تفسيره مرة أخرى ، لتعلموا قيمة معرفة وفهم القرآن , فإنك لما تقرأه بعد قراءة التفسير سيتبين لك أشياء وستقرأه بروح أخرى , فرق بين أن يقرأ الإنسان وهو يعرف شيئاً من المعاني ثم يتوسع في الفهم ويقرأ تفسيراً أو يستمع لشرح , فإنه لا شكّ ستكون القراءة بقلب آخر وبفهمٍ آخر .

سورة آل عمران سورة مدنية أي نزلت في المدينة , والصَّحيح في ضابط المكي والمدني الهجرة " ضابط الزمان " فما نزل قبل الهجرة هو مكي , وما نزل بعد الهجرة فهو مدني , وقد وردت عدة روايات تُشير في مجملها أنّ صدر هذه السورة نزلت في مُحاجَّة النصارى للنبيّ e في عيسى , صدر هذه السُّورة يقول بعض العلماء إلى بضعٍ وثمانين آية منها إنَّما نزلت في محاجّة النصارى للنبيّ e في أمر عيسى , وسيمرّ علينا  إن شاء الله  في هذه المجالس الثلاثة البَاقية هذه القضية مؤصلّة وهناك تناسب فإنّ أول سورة البقرة تقريباً من الوجه الرابع وأخذ شيئا كبيراً منها نزل في محاجّة اليهود عند ( يا بني إسرائيل ) فبين المحاجّتين ترابط , في البقرةكان التركيز على اليهود وبيان بُطلان اعتقادهم وعقائدهم , وفي آل عمران كان التركيز على النصارى , افتتح الله U هذه السورة بقوله : )الم( وقد تقدّم افتتاح سورة البقرة بهذه الحروف المقطّعة

أُشير إلى عبارة جميلة للشِّيخ ابن عثيمين رحمه الله [2] قال : هذه الحروف المقطّعة ليس لها معنى , وهذا هو الصحيح , لكن يقول الشِّيخ : لكن لها مغزى وهو التحدّي , الله إنّما تحدّى قريش الذين اشتهروا بالفصاحة والبلاغة بماذا ؟! بالقرآن وتحدّاهم أن يأتوا بسورة مثله , فكأنّه يقول لهم أنتم عجزتم والتَّحدي حصل أوله في مكة ، وهذه السورة مدنية كأنّه يقول إن الذي تحديتكم به ، وعجزتم عن الإتيان بمثله وأنتم أهل الفصاحة والبَلاغة مؤلَّف من مثل هذه الحروف ( الم ) ولذلك لا تأتي هذه الحروف في غالب السُّور إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن , وهناك بعض السُّور لم يُذكر القرآن بعد الحروف المقطعة مباشرة مثل سورة مريم , سورة الروم , وسورة العنكبوت , لكن لمّا تأمّلنا وجدنا أنّ القرآن قد ذُكر في أثنائها , ولذلك هذا المغزى صحيح .

ثم قال الله U : )اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ( وقد تقدم تفسير هذه الآية في آية الكرسي فلا نُعيدها لكن نُشير إليها إجمالاً , ومعنى )اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ( إخبار بأنّه المُتفرد بالإلهية لجميع الخلق )الْحَيُّ الْقَيُّومُ( الحيُّ في نفسه الذي لا يموت أبداً , المُقيم لغيره , ليس حيّاً في نفسه فقط ، بل حيّ في نفسه ومُقيم لغيره سبحانه وتعالى , ثم قال الله تبارك وتعالى : )نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ (وقوله : ) نَزَّلَ ( ردٌّ على المعتزلة , ردّ على من يقول أنَّ القرآن مخلوق المعتزلة وغيرهم , لكن اشتهروا من ؟! المعتزلة هم الذين فتنوا الإمام أحمد رحمه الله في وقته لمّا أقنعوا المأمون الخليفة العبّاسي بأنّ القرآن مخلوق ولم يقنعوه فقط , بل قالوا امتحِن الناس , اعرضهم من قال أنّ القرآن مُنزّل غير مخلوق فعذّبه واسجنه , فما ثبت إلا الإمام أحمد رحمه الله ومحمد بن نوح , محمد بن نوح مات في السِّجن , والإمام أحمد رحمه الله ثبتَ ثبوت الجبال الراسيات , حتى إنَّهم أتَوا إلى علي بن المديني : وقالوا له لماذا لم تثبت مثل ما ثبت أحمد بن حنبل ؟! شيخ البخاري , قال : هل تقارنوني بالإمام أحمد , ذاك إمام , إكراماً للمنزلة التي أنزله الله U إيَّاها, فحفظ الله  U هذه العقيدة بثبات الإمام أحمد حتى توفي المأمون وأتى بعده الخليفة الآخر ، وانتصر لرأي الإمام أحمد رحمه الله وترك امتحان الناس

لكن القرآن صريح يقول : )نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ( ولم يقل : خلق , وعبّر بكلمة ( نزّل ) لأنّ القرآن نزل منجّماً أيّ مُفرّقا بخلاف الكُتُب السَّماوية السابقة فإنّها قد أُنزلت جملة كما قال الله U: )وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ([3] أي كما نزلت بقية الكتب , قال الله U: )لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ([4] وقد ثبت عن ابن عباس في الحديث المرفوع حكماً أنّ القرآن أُنزل من اللوح المحفوظ إلى السَّماء الدنيا لكنّه إنزالٌ من مكتوب إلى مكتوب , أمَّا النزول الذي يعنيه القرآن هنا فهو نزول الوحي وهو أنَّ الله تكلّم به حقيقة ) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ( أي نزّل عليك القرآن يا مُحمد بالحق أي لا شكّ فيه ولا ريب , بل هو مُنزّل من عند الله كما قال الله في أول سورة البقرة )الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ( هاتان السورتان فيهما تَناسب )مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ( الذي بين يديه الكتب السماوية , الكُتب المنزّلة قبله من السَّماء على عباد الله الأنبياء فهي تُصدّقه بما أخبرت به وبشَّرت في قديم الزمان , وهو يُصدِّقها لأنّه طابق ما أخبرت به وبشّرت من الوعد من الله بإرسال محمد e ، وإنزال القرآن العظيم عليه .

ثم قال الله I: )وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ ( أي على موسى ابن عمران ) وَالْإِنْجِيلَ ( أي على عيسى , وهذه كلها توطئة لماذا ؟! للرَدّ على النصارى كما سيأتي )مِنْ قَبْلُ ( أيّ من قبل هذا القرآن أنزل التوراة وأنزل الإنجيل )هُدًى لِلنَّاسِ ( أي في زمانهما , ثم قال الله عز وجل : )وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ (ما هو الفرقان ؟!

قولان لأهل العلم :

القول الأول كما تفضلّتم القرآن .

والقول الثاني أنّه مصدر مُطلق الفرقان يشمل القرآن ويشمل غيره , يدخل فيه الحُجَج والبيّنات والدلائل الواضحات سواء أدلة حسيّة أو معنوية , فكُل ما كان فُرقاناً بين الهدى ، والضلال ، والحق والباطل ، والغيّ ، والرشاد ، فهو فرقان وهذه هو الصحيح , الصحيح أنّ المراد بالفرقان هنا ماذا ؟! العموم ويدخل فيه القرآن والتوراة والإنجيل , لأنّ القرآن قد ذُكر قبل فلا يُعاد ويُكررّ , وقلنا القاعدة التفسيريّة أنّ المعنى إذا بُني على التأسيس أولى من التوكيد , فإّذا فسّرنا هذا القول بأنّه الفرقان بمعناه العام كل دلائل واضحات وبيّنات ، وآيات حسيّة أو معنوية , ولذلك سمّى الله U غزوة بدر ماذا ؟! الفرقان ( يوم الفرقان ) .

قال الله )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ(أي جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل ) لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ( أي يوم القيامة )وَاللَّهُ عَزِيزٌ ( أي منيع الجَناب عظيم السلطان )ذُو انْتِقَامٍ ( أي ممّن كذّب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبيائه العِظام .

ثم قال الله I : )إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ( وهذه الآية قرّرها الله U في كتابه في مواضع كثيرة كما قال في سورة طه )طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى  ([5] أيّ أخفى من السرّ .

الله تبارك وتعالى قال : )إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(أين الذين يستترون ، يظنّون أنّ الله سبحانه وتعالى لا يراهم ؟ الذين يذنبون بالليل والنهار ، أيظنّون أنّ الباري لا يراهم ؟

ولذلك العلماء قالوا إذا أردت أن تعصي الله فتذّكر رؤية الله ولا تجعل الله أهون الناظرين إليك , فالله لا تخفى عليه خافية , يعلم دبيب النَّملة السوداء على صَفاةٍ سوداء في ظُلمة الليل لا يخفى عليه شيء من ذلك .

ثم قال الله I : )هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ( أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى ، وحسنٍ وقبيح ، وشقيٍّ وسعيد )لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( أي هو الذي خَلَق ، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له , وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأنّ عيسى عبدٌ مخلوقٌ مصورٌ في الأرحام , يا من تدّعون ألوهيّة عيسى عليه السلام , بدا الآن يُمّهد لهذه القضيّة )هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ ( تصريحٌ بأنّ عيسى عليه السلام صُوّر في الأرحام وإن جعله الله آية حيث أتى بلا أب كما سيأتينا إن شاء الله , فعيسى صوّره الله في الرَّحم خلقاً كسائر البشر ، فكيف يكون إلهـاً كما زعمتم ؟! وقد تقلَّب في الأحشاء ، وتنقّل من حـالٍ إلى حـال كما قال الله سبحانه :)يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ( ثم قال الله I : )هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ( الكتاب هنا القرآن )مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ( أيّ أصله , فالأصل في القرآن ما هو الإحكام ولا التشابه ؟! الإحكام لأنّه قال : )هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (إذاً الحق ماذا نعمل في المُتشابه ؟!

أن نردّه إلى أَصله كما قال الله )هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ( أي أصله , فمن ردَّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه وحكَّم مُحكمه على متشابهه فقد اهتـدى ومن عكس انعكس ولهذا قال : )هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ( . )وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ( أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد .

وهذه فائدة

 

               : الإحكام والتشابه ورد في القرآن على ثلاث معانٍ :

أولاً : الإحكام العام الذي وُصف القرآن به كله كما قال الله تعالى : )الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ([6] ، )الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ([7] ومعناه هنا أي الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه .

ثانياً : التشابه العام الذي وُصف به القرآن كذلك )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ([8] ومعنى متشابهاً هنا أي يُشبه بعضه بعضاً في الكمال والجودة وهذا هو الجمع بين هذه الآيات .

ثالثاً : ثم عندنا الإحكام الخاص بعضه والتشابه الخاص بعضه ، ودلّ عليه هذه الآية الذي قال الله U : )مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ( .

والتَّشابه نوعان : مطلق ، ونسبي .

فهناك تشابه أشياء في القرآن لا يُمكن معرفتها ، ليس معرفة معناها وإنما معرفة كيفيتها مثل صفات الله , وقت قيام الساعة , وهناك تشابه نسبي يخفى على بعض ويتضح لآخرين , أظنّ المسألة الآن واضحة في قضيّة الإحكام والتَّشابه لأنّها مهمة جداً .

الله تبارك وتعالى قال : )فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ (مرض , قسَّم الناس اتجّاه المحكم والمتشابه إلى قسمين : من في قلبه مرض موقفه من التشابه ما هو ؟!

الفريق الأوّل : ) فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ( .

أمّا الفريق الآخر : )يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( المتشابه من عند ربنا ، والمحكم من عند ربنا نؤمن بالمتشابه ونحمله على المحكم , لا نحمل المحكم على المتشابه، كما ذكرنا في الدرس الماضي لمّا أتوا إلى قول الله : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ([9] قالوا يجوز إلى الضعف ! هذا متشابه الذّي هو مرحلة من مراحل تحريم الربا ، بل احمله على المُحكم الذي في قوله )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ([10] .

وقد اختلف العلماء في معنى المحكم والمتشابه هنا على أقوال وعبارات كثيرة :

* منهم من قال : المحكمات ناسخه ، وحلاله ، وحرامه ، وحدوده ، وفرائضه .

* ومنهم من قال : المحكمات : هي في قوله تعالى : )قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ([11] والآيتان بعدها . وقوله : ) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ( .

وأمّا المتشابهات فقالوا إنّهنّ

* المنسوخة ، والمقدّم ، والمؤخّر ، والأمثال ، والأقسام ، وما يؤمن به ، ولا يُعمل به .

* ومنهم من قال الحروف المقطّعة في أوائل السور .

وكل ما ذكره السلف هنا هو مثال للمُحكم ومثال للمتشابه , فكلّ ما كان متشابهاً واشتبه سواء كان تشابهاً مطلقاً ، أو تشابهاً نسبياً فإنّه يُحمل على هذه الآية , لا نضرب القرآن بعضه ببعض , وإنما نجمع بينه , نؤمن إيماناً قاطعاً أنّه لا تعارض بين آي القرآن , ولا بين القرآن والسنّة , وإذا ما وُجد ما ظاهره التعارض فلا بدّ أن يكون هناك طريقٌ للجمع , ولذلك قال عالمٌ من العلماء أتحدى أن يأتي أحد بآيةٍ تُعارض آيةً أخرى إلا وأجمع له بينهما . لماذا نؤمن بهذه القضية ونجزم بها ؟! لأنّ الكلّ وحيٌ من الله , والله أعلم بما نزّل سبحانه وتعالى .

قال ابن كثـير رحمه الله: ( أحسن ما قيل في المُحكم والمتشابه ما نصّ عليه محمد بن إسحـاق حيث قال : )مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ (فيهنّ حجّة الرب ، وعصمة العباد ، ودفع الخصوم والباطل ، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عمّا وُضعنَ عليه , قال : والمتشابهات في الصدق لهنّ تصريف ، وتحريف ، وتأويل ابتلى الله فيهنّ العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، أن لا يُصرفن إلى

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل