تفسير سورة البقرة - المجلس الثالث والعشرون - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الثالث والعشرون - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

الله Uقال : )وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ( لمّا وضع الله U الربا وطالب برأس المال , في أُناس حتى ما يستطيعون ولا ردّ رأس المال وإلا لا ؟! فقال الله U : )وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ( العُسرة هي ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة .

)فَنَظِرَةٌ( أي تأخير )إِلَى مَيْسَرَةٍ( ثم دعاهم الله U إلى قوله : )وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ( فهذه الآية اشتملت على أمرين :

الأمر الأول : الإنظار , إنظار المُعسِر وهذا واجب , يجب على كل من داين إنساناً مُعسراً أن يُنظره وقد ورد في الأحاديث الصحيحة على فضيلة الإنظار . منها ما جاء في الصحيح أنّ أبا قتادة كان له دينٌ على رجل وكان يأتيه يتقاضاه فيختبئ منه , فجاء ذات يوم فخرج صبيّ فسأل عنه فقال نعم ، هو في البيت . فناداه قال يا فلان أُخرج فقد أُخبرت أنّك ها هنا فخرج إليه . فقال : ما يُغيّبك عنّي ؟! - بعض الأطفال أبوه يقوله قل لهم ما هو في البيت ، فيأتي بالعبارة كاملة فيفضح والده ، فهذا الصبي فضح والده أخبره أنّه في البيت - . فقال : أنا مُعسِر ، وليس عندي . قال له أبا قتادة : آلله ، إنّك مُعسر - يعني استصعب على نفسه - أبا قتادة يُلاحق مُعسِراً . قال: نعم . فبكى أبا قتادة رضي الله عنه ثم قال سمعت رسول الله e يقول : من نفّس عن غريمه أو محا عنه كان في ظلّ العرش يوم القيامة [1] .

فالإنظار واجب لكنّ الله دعانا إلى ما هو أفضل من الإنظار , في الآية قال : )وَأَنْ تَصَدَّقُوا ( معناها تضعُوها عنه , أنت مُعسِر والله موسّع عليك , ولذلك أنا أستغرب من بعض أصحاب العقارات الهائلة الذين يُخرجون شاب فقير مسكين من بيته إذا عليه إيجار , تجد عنده عشر عمائر وعنده في العشر عمائر أربعين شقّة ، وفي الشقة هذه فقير ، ويدفع مرة ومرة ما يستطيع أن يدفع هذا الفقير إيجار البيت ، فيأتي صاحب العمارة بالشرطة ليُخرِج هذا الفقير من البيت , يا أخي هذا مُعسِر ، اصبر عليه , الله أنعم عليك بهذه النعم العظيمة , الله يقول )وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ( ولذلك الصَّدقة سنّة أمّا الإنظار واجب , فيجب عليك أن تُنظره إلى ميسرة . وبقاء الحال من المُحال , إن شاء الله سيُغنيه ربّه U.

ثم قال الله عزّ وجل واعظاً عباده مُذكراً بزوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيره وإتيان الآخرة )وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( يقول الله أنا أخبرتكم بحرمة الرّبا ، أخبرتكم بالصدقة أخبرتكم بكذا . لكن سيأتي يوم , وهو يوم الحصاد " )وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ( . الله حَكَمٌ عَدل * كُل ما ضاقت بك الدُّنيا تذكر أنّ الله لا يظلم أحداً . * كل ما همّت نفسك بسوء تذكر أنّها ستُوفّى كل نفسٍ ما كسبت يوم القيامة . ولذلك قيل أنَّ هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن وقد تمّ الجمع قبل قليل بين هذا القول وقول آية الربا.

بعد ما ذكر الله عز وجل آيات الرِّبا ذكر بعدها آية الدَّين وقد تقدّمت المناسبة في هذا الترتيب وآية الدَّين هذه أطول آية في القرآن , وتُسمّى آية الدين , وقد روى ابن جرير عن سعيد بن المسيب أنّه بلغ أنّ أحدث القرآن بالعرش آية الدين , وقد تمَّ الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة بحمد الله تبارك وتعالى , وقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس انّه قال لمّا نزلت آية الدَّين قال رسول الله e : إنّ أول من جحد آدم u أنّ الله لمّا خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلاً يزهر , قال أي رب من هذا ؟! قال : هو ابنك داود قال أي رب كم عمره ؟! قال : ستون عاماً , قال : ربي زد في عمره , قال : لا إلا أن أزيده من عمرك , وكان عمر آدم ألف سنة , وهذا من الغيبات التي أظهرها أنّ عمر آدم ألف سنة , فزاده أربعين عاماً , زاد من ؟! داود , وأُخذ من عمر آدم أربعين عاماً , فصار 960 عمر آدم , فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة , فلمّا احتضر آدم وأتته الملائكة , قال : إنه قد بقي من عمري أربعون سنة , فقيل : إنك قد وهبتها لابنك داود , قال : ما فعلت – نسي آدم u – قال : فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة .

ولذلك الكتابة مهمة والاشهاد كما سيأتينا , والدَّين هو كل ما ثبت في الذمّة من ثمن بيعٍ أو أجرةٍ أو صداق أو غير ذلك , كل ما ثبت في الذمّة يسمّى ديناً )تَدَايَنْتُمْ (قال الزجاج : يقال داينتَ الرجل إذا عامَلته , فأخذتَ منه بدينٍ وأعطيته , إذاً المداينة هي المعاملة [2] نادى الله تبارك وتعالى النَّاس كذلك بالإيمان كما ناداهم في الربا , فقال سبحانه : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ( يقول ابن مسعود t: إذا سمعت )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا (فأرعِ لها سمعك , فإمّا خيرٌ تُؤمر به أو شرٌ تُنهى عنه . وتتبّعوا نداءات القرآن ولو كُتب فيها كتاباً لكان رائع من منطلق قول ابن مسعود إمّا خيرٌ تُؤمر به أو شرٌ تُنهى عنه [3] .

)إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ( يعني إذا تداينتم بشيء مستقبل فاكتبوه , وهذا إرشاد من الله لعباده ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها , فإنّ الناس ربّما يختلفون في وقت حلول هذا الدين , وربما يختلفون في مقداره ( في كميته ) . قوله : )فَاكْتُبُوهُ ( أمرٌ منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ ، فَإِن قيل ثبت في الصَّحيحين عن عبد الله بن عمر قال رسول الله e: ( إنّا أُمّةٌ أُميّة لا نكتُب ولا نحسُب ) [4] . فما الجمع ؟ هذا يُسمّونه العلماء ظَاهرُ التّعارض بين القرآن والسُّنة . ظاهر أيّ فيما ظهر لك . في الحقيقة لا يوجد تعارض أبداً لا بين القرآن نفسه ، ولا بين القُرآن والسُّنة .

فالجواب :

القول الأوّل أنَّ الدِّين من حيث هُوَ غير مفتقِر إلى كتابةٍ أَصلاً ، لأنَّ كتاب الله قد سهَّل الله ويسَّر حفظه على النّاس ، والسُّنَن كذلك محفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذِّي أُمِر بالكتابة هي أشياء جُزئية تقع بين النّاس فأُمِرُوا أمر إرشاد لا أمر إيجاب ، ( فَاكْتُبُوهُ ) هذا أمر إرشاد . وهذا هو القول الأول وهو قول جماهير المفسّرين .

القول الثّاني : أنَّ الأمر بِالكتابة أمر إيجاب وهو رأي الطّبري رحمه الله ، حيث قال إنَّ كَتبَ الدُّيون واجبٌ على أربابها ، وفرضٌ بهذه الآية والصَّحيح هو القول الأوّل وأنِّ الكتابة من قبيل الإرشاد والنَّدب لا من قبيل الإيجاب " .

)وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ( أيّ بالقِسط والحقّ ، ولا يجُر في كتابته على أحد ، ولا يكتُب إلاّ ما اتّفقوا عليه من غير زيادةٍ ولا نقصان . )وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ( هذا إرشاد ، لأنَّ الكِتابة في وقت نزول الوحي قليلة ، وكان الكُتَّاب قِلَّة فكان النّاس يأتُونَ إليهم . فقال الله U)وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ ( لماذا ما يأب ؟ الله هو الذّي علّمه ، هذا جاهل لا يكتب . فمن زكاة هذا العلم أن تُؤدِّيه كما قال النّبي e( إنَّ من الصَّدقة أن تُعين صانعاً أو تصنع لأخرق ) [5] ثُمَّ قَال الله U)فَلْيَكْتُبْ (* وهذا توكيد معنوي لقوله أن يكتب . * وقيل بل هي تأسيس معنى جديد تُفِيد الأَمر بالمبادرة إلى الكتابة .

)وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ( سياق الآية أن يقول )وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ( فيكون الكلام متَّسِقاً لماذا أعاد الأمر بالكتابة ؟

قال بعض العُلماء أنّه توكيد للكِتابة ، وقال بعض العُلماء بل هُو تأسيس معنى جديد ، وهو الكتابة الأولى قوله : )وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ( أمر بالكتابة مطلقاً " فَلْيَكْتُبْ " دَعوة للمبادرة في الكِتابة . أيُّهُما أولى وهذه قاعدة في التّفسير ، إذا دار المعنى بين التَّوكيد والتأسيس ، نحمل المعنى على أيِّهما ؟ على التَّأسيس ، لماذا ؟ لأنّه يحمل معنىً جديد .

قال الله )فَاكْتُبُوهُ ( هذا أمرٌ للدَّائِنين وقلنا أنّه أمر إرشاد والطَّبري قال أمر إيجاب . وأمَّا الكَاتب قال بعضُ أهل العلم أنّه يجب عليه أن يكتُب خاصَّةً إذا توقَّف ثُبُوتَ الحقّ على الكِتابة وهذا رأي الطَّبري متَّسِق فجعل الأوامر كلَّها من باب الوجوب هُنا في هذه الآية .

وأمّا ابنُ العَربيّ رحمه الله في كتابه أحكام القُرآن فيراهُ أمرَ إرشاد [6] . إلاَّ إذا تعيَّن على الكاتب يعني أنت أتيت إليَّ وأنا مشغول وأعرف أنَّك ستجد كاتباً آخر ، فهل يجب عليّ أن أترك أعمالي وأكتب لك ؟ أم أَدُّلك على شخص آخر تذهب إليه ؟ قد يقول قائل : لا أريد أن يكتب أحداً لي إلا أنت ! وأنت تقول له يوجد غيري ، ولكن يقول لك لا أكتب لي أنت ، الله أَمَرك أن تكتب لي . أليس هذا امتحان للنّاس ؟ ولذلك الصَّحيح أنّه أمرَ إرشاد لا أمر إيجاب ، إلاّ إذا لم يوجد غيره فهنا يتعيّن عليه الكتابة . ويجوز له أخذ الأجرة على ذلك لأنَّ الكتابة صَنعَة .

قال الله تعالى )وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ( من هُو الذِّي عليه الحقّ ؟ الذِّي عليه الدَّين هو الذِّي يُملل ، أيّ وليُملِل المدين على الكاتب ما في ذِمَّته من الدَّين ، وليتَّق الله في ذلك .

ثمّ قال الله )وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ( لَمَّا جَعَل الله U لك الإِملال وهو : أن تقول والكَاتب يكتُب . فقال الله بعدها )وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا( أي لا يَنقُص في كمِيَّته ، ولا في كيفيته ، ولا في نوعه ، ولا في وقته .

)فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ( أيّ صاحب الدَّين )سَفِيهًا ( يعني مَحجوراً عليه بتبديلٍ ونحـوه لا يعـرف )أَوْ ضَعِيفًا ( والضَّعف يشمل ضَعفَ الجِسم ، وضَعف العَقل سواء كان صغيراً أو مجنوناً . )أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ ( يُملّه يعني يُملي الكتابة )فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ ( أيّ وليّ هذا الرّجل إمّا السَّفيه ، أو الضّعيف أو الذّي لا يستطيع إمّا أخرس أو فيه جهل ما يعرف يكتُب - معناه لا يستطيع التَّعبير - أو غير ذلك .

)فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ ( أيّ وليّ صاحب الدّين )بِالْعَدْلِ ( كذلك أمره بما أمر به صاحب العدل . فالقُصُور إذاً ثلاثة : السَّفه ، الضَّعف سواءَ ضَعف الجسم أو العقل ، عدم الاستطاعة لأيِّ سبب من الأسباب .

ثمّ قال الله عزّ وجل )فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ( الضَّمير في وليُّه عائدٌ على من ؟ قال بعضُ أهل العلم أنَّ الضَّمير عائدٌ على الحقّ أيّ وليَّ الحقّ وصاحبه وهُو رأي الطبري ، وضَعَّفَ هذا الزَّجاج والقُرطبي ، وقال إنَّ الضمير عائدٌ إلى الذّي عليه الحقّ ، إذاً الصّحيح أنّ الضَّمير عائدٌ إلى الذِّي عليه الحقّ .

ثمّ قال الله U)وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ( أمرٌ بالإِشهَاد مَع الكِتابة وهذا أمرٌ زائدٌ على الكِتابة لأنّك تكتب ثمّ تُشهد وهذا قد جرت العادةً عند النّاس كذلك يكتُبُون ثمّ الشَّاهد الأوّل والثّاني . ) فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ( طيِّب أربع نِساء هل يصلُح ؟ لابد معهُنّ رجـل بنصِّ القُرآن ، قال الله U)فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ( وهذا إنّما يكون في الأموال وما يقصُد به المال . وإنّما أقيمت المرأتان مقام الرَّجل لنقصان عقلها . كما روى مسلم عن أبي هريرة t عن النَّبي e أنه قال : يا مَعشَرَ النِّساء تصَدَّقن وأكثرن الاستغفار فَإنّي رأيتُكُنّ أكثر أهل النَّار . فقالت امرأةٌ منهُنّ جَزلة : ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النّار ، قال : تُكثرنَ اللّعن وتكفُرنَ العَشِير . ما رأيتُ من ناقصات عقلٍ ودِين أغلب لِذِي لُبٍّ - أيّ لِذِي عَقلٍ - منكُنّ ، قالت : يا رسول الله ما نُقصَان العَقل والدِّين ؟ قال : أمَّا نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدِل شهادة رجل فهذا نُقصَان العقل ، وتمكُث اللّيالي لا تُصلّي وتُفطِر في رمضان بسبب حيضٍ أو نفاس ، فهذا نقصان الدِّين . [7]

وقد جعل الله المرأة على النَّصف من الرَّجل في عدّة أحكام هُنا في الإشهاد ، وفي الميراث، وفي العقيقة فإنَّ الولد يُعَقّ عنه شاتان والبنت يُعقّ عنها شاة واحدة .

ثمّ قال الله عزّ وجل )مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ( فلم يُحدِّد الشاهد وجعَلها للعُرف ، لذلك قَال السَّعدي : ( والعَدالة يُشترَطُ فيها العُرف في كُلِّ زمانٍ ومكان ، فكُلُّ من كان مرضيِّاً مُعتَبَراً عند النَّاس قَبِلنا شهادته ، فلا نشتَرِط ونقول لا يشهد إلا حافظ القُرآن ! وإنَّمَا نترك الأمر إلى ما تعارفَ عليه النَّاس إن كان هذا الرَّجُل مَرضِي شهادته ويُؤَدِّيها كما هُي ) [8] .

نقبل شهادته وهذا من رحمة الله بالعِباد لو اشترط علينا شروط لصَعُبَ علينا هذا الأمر . قال ابن كثير:

( هذا مقيِّد ، حَكَمَ به الشَّافعي على كُلّ مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط ) [9] .

قال تعالى )أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (

أن تضلّ : بمعنى أن تنسى :

)إِحْدَاهُمَا ( أيّ إحدى المرأتين .

)فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ( أي تُخبرها وتقول لها لقد شَهِدنا .

وقد أَبعَد كُلَّ البُعد من قال فتُذَّكِر من الذُّكورة بمعنى أنّ المرأتين يُصبحان رجُلاً واحداً ! وهذا قِيل في التَّفسير بل هَذَا ضَعيف ) .

)فَتُذَكِّرَ ( من التَّذكير وليست من الذُّكُورة ، وهو من غَرائب التّفسير . يعني بعض المفسرين لما ذكر

)فَتُذَكِّرَ( قال تجعلها ذكراً يعني امرأتين في الشهادة تجعلها ذكراً ، وهذا ليس بصحيح ، بل نقول : إذ لو كان هذا المعنى لصحّ أربع نساء ، لكن القرآن لم يُرد بهذا إنما قال : )فَتُذَكِّرَ( من التَّذكـير )فَـرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ( رجُل واحد ، وامرأتان فقط .

قال تعالى)وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ(فيها معنيان :

المعنى الأوّل : إذا دُعُوا للتَّحمُّل فعليهم الإجابة .

المعنى الثَّاني: وقيل وهو مَذهب الجُمهور أنّ المراد ) وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ( أنها الأداء. فَمَا الفَرق بين المعنيين ؟

المعنى الأول المراد به : أيّ دُعُوا للتَّحمُل ، الآن أصلاً لا تُوجد شهادة ، فإذا دعوتُكَ لتشهَد ، أقول لك عندي كذا وكذا يقول ) وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ( .

المعنى الثاني المراد به : وهو قول جُمهور المفسِّرين أنّ المراد بها ليست دعوة الشَّهادة ، وإِنَّما دعوة الأداء أنَّك شهدت وانتهيت ، فاحتاج صاحبُ الدَّين أن تُدلِي بشَهَادَتِك لا تَأبى ، لأنَّ إثبات حقَّه مُتَوَّقِفٌ على دعوته .

إذاً أيُّهما أصحّ ؟ كُلَّها صحيحة ، الآية تحتمل هذا وتحتمل هذا . هل بَينهُما تَعارض ؟ ليس بينهما تعارُض . فهنا قاعدة في التَّفسير إذا استطَعنا أن نحمل الآية على كُلِّ المعاني التِّي قِيلت فيها فهُوَ أولى من حَصرها على معنىً واحد بشرط أنّها لا تتعارض هذه المعاني ، هل هُناك تَعارُض بين تَحمُّل الشَّهادة وبين أَدَائِهَا ؟ لا . إذاً نقول الآية تحتمل المعنيين .

قال تعالى )وَلَا تَسْأَمُوا (وهذا إرشادٌ آخر. )أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ( وهذا من تَمَام الإِرشاد . )وَلَا تَسْأَمُوا ( أيّ: لا تَمُلُّوا أن تكتُبُوا الحقّ على أيّ حال كان من القِلَّة إلى أجله )ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ( الضمير )ذَلِكُمْ ( يرجع إلى ماذا ؟ لكل الآداب التِّي ذُكِرت في الآية الكِتَابة ، والإرشاد ، وتحمُّل الشَّهادة وأدَائها )ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا( أقسَط أيّ أعدل ، وأقوم للشّهادة : أثبَت للشَّاهد إذا وضع خَطّه ثمّ رآه تذَكَّرَ به الشّهادة ) إِلَّا ( استثناء . )أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا( إذاً إذا كان البيع حاضراً يداً بيد فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور .

ثمّ قال الله عَزّ وجل )وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ( .

فالشّهادة الأولى : للدِّين المؤجّل .

والشَّهادة هنا - الثَّانية - : للبيع الحاضر . لماذا أُعفِيَ من الكتابة ، وطُلِبَ منه الشَّهادة ؟

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل