دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة السادسة

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة السادسة: تفسير سورة النبأ - 2

توقفنا عند قول الله تبارك وتعالى (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾) وتكلمت عن النبأ وقلنا إن النبأ هو الخبر الذي لا يحتمل إلا الصدق ولذلك لا يطلق إلا على الخبر المهم والخبر الذي لا يحتمل إلا الصدق. ووصفه بالعظيم العظيم أصلها تكون صفة للشيء كبير الحجم والجسم لكن إذا استعملت في المعاني فتكون للدلالة على أهمية هذا الأمر وأهمية هذا الشيء وأنه عظيم في كل أمر في هذا النبأ فهو نبأ عظيم لأنه من الله تبارك وتعالى عالم الغيب فهو تبارك وتعالى أعطاه من عظم الأوصاف والأهوال ما لا يُحصى.

بعد ذلك نعته بقوله (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾) في قضية استعمال الاسم الموصول، هو نوع من أنواع المعارف لكنه يفتقر دائما إلى جملة بعده تسمى صلة الموصول فعندما يأتي التعبير به يحدث إبهام عندنا في الكلام، الذي فيه إبهام تأتي صلة الموصول لتزيل هذا الإبهام وقلت إن الإبهام ثم إزالته فيما بعد هو عين التدبر لأن الإبهام يجعل الإنسان يفكر ويتدبر (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي) وتوقفنا فيحدث في الكلام إبهام فتأتي جملة صلة الموصول (هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ). نلاحظ أن الله تبارك وتعالى بصلة الموصول جملة اسمية ولم يأت بها جملة فعلية لم يقل: الذي يختلفون فيه، وإنما أتى بها جملة اسمية للدلالة على أن الاختلاف متمكن منهم ودائم فيهم. الجملة الاسمية تدل على الدوام والاستمرار والثبوت، تفيد ثبوت هذا الاحتلاف فيهم إلى ما شاء الله وأنهم مختلفون على الدوام في هذا اليوم الذي أخبر الله تعالى عنه في آيات متعددة.

(كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾) (كلا) نسميه حرف ردع وزجر وإبطال لا سبقه من كلام، معنى الردع والزجر لـ(كلا) أنه إبطال للكلام السابق ولذلك (كلا) في القرآن الكريم تستعمل بمعنيين في العموم:

·         كلا تكون حرف ردع وزجر وإبطال للكلام السابق عليها إذا كان الكلام الذي سبقها يحق إبطاله فتأتي (كلا) بمعنى الردع والزجر.

·         وقد تأتي بمعنى حقًا إذا كانت تؤكد الكلام الذي بعدها وليس لها علاقة بما قبلها.

كلام يحق إبطاله تكون بمعنى الردع والزجر كالتي معنا الآن وقد تكون بمعنى حقًا إذا كانت تؤكد الكلام الذي بعدها. (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ العلق) هل كلا هاهنا تكون زجرًا وردعًا وإبطالًا للكلام الذي قبلها؟ الكلام الذي قبلها كلام صحيح وصادق (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) لا أقول أنها بمعنى ردع وزجر هاهنا وإنما بمعنى حقا إن الإنسان ليطغى.

أترك لكم فرصة لإحصاء (كلا) في القرآن كله ومعرفة (كلا) التي تكون للردع والزجر وعلامتها أن يكون قبلها كلام باطل يحتاج إلى إبطال له ثم بعد ذلك (كلا) التي لا نجد قبلها كلاما يحتاج إلى إبطاله بل هي مؤكدة لما بعدها فتكون بمعنى حقًا.

(كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾) سيعلمون بالسين عندما تدخل على المضارع تجعله للمستقبل، السين وسوف إذا دخلت على المضارع تجعل المضارع للمستقبل وليس للحال، السين للمستقبل القريب وسوف تكون للمستقبل البعيد. إذن سيعلمون هذا مضارع والفاعل واو الجماعة فيه هي الفاعل، أين المفعول؟ سيعلمون ماذا؟ المفعول هاهنا محذوف، الفعل هنا متعدٍ وله مفعول ولكنه محذوف، فرق بين الضمير والمحذوف، الضمير كأنه موجود والمحذوف كذلك لكنه يحذف لحكمة ما واسمحوا لي أن أبين لكم قضية حذف المفعول نتوقف معها قليلا ولو أن فيها صعوبة لكن اسأل الله أن ييسر لي وأوضحها لكم.

لا بد أن نتفق على أسس:

الأساس الأول أن الكلمة وحدها لا تعطي دلالات فيها إعجاز بلاغي ولا فيها تدبر ولا فيها بلاغة ولا شيء، لا بد أن توضع الكلمة مع أختها مع كلمة أخرى أو في جملتها، اللفظة المفردة لا تعطي دلالة في حد ذاتها وإنما لا بد لها من سياق توضع فيه أو توضع بجوار أختها حتى تؤدي المعنى وتتضح. الجمل الفعلية بالنسبة للفعل المتعدي (لا أتكلم عن الفعل اللازم) الفعل المتعدي وهو الفعل الذي تعدّى إلى مفعول بحسب غرض المتكلم نبين الآن: عندما أقول شرب محمد اللبن هذه جملة فعلية شرب فعل ماض محمد فاعل، اللبن مفعول به. أنا أذكر تلك الجملة كاملة هكذا إذا أرادت بيان نسبة الفعل ووصوله إلى المفعول يعني الغرض الأساسي للمتكلم الآن شرب اللبن لمحمد وليس مجرد الشرب لمحمد، لا أقول الجملة كاملة إلا إذا كنت قاصدا في الأصل أن أبين أن الفعل أُسند إلى المفعول ووصل إليه. غرض المتكلم يوضح الأمر متى أذكر المفعول به في الكلام إذا قصدت تسلط الفعل على المفعول أن الشرب كان للبن دون غيره، محمد شرب اللبن دون غيره ولم أقصد مجرد الشرب.

إذا أردت أن أبين إسناد الفعل للفاعل فقط فأحذف المفعول وأقول شرب محمد لأنه ليس من غرض المتكلم أن يبين ماذا شرب، لكن سيكون عند حذف المفعول وذكر الفعل والفاعل فقط سيكون معي أمران: الأمر الأول أني ما قصدت بيان المفعول أبدًأ وإنما قصدت أن الشرب وقع من محمد وأنه من مثله يقع الشرب. بمعنى أخوك الصغير مثلا اسمه محمد ما كان راضيا أن يشرب اللبن أو الدواء أو اي مشروب فشرب بعد قليل فالغرض أن تخبري أمه أو أبوه أنه شرب فقط ليس بالضرورة أن تركزي على المشروب ولكن قصدت التركيز أن الشرب وقع من محمد. الحالة الأولى للمتكلم عند الحذف أن يكون قاصدا إسناد الفعل للفاعل فقط ولا يكون قاصدًا بيان المفعول أبدًا والحالة الأولى هذه أن يكون قاصدًا أن الفعل وقع من الفاعل سواء كان معروفًا أو لم يكن معروفًا المهم الإخبار أن هذا الفعل وقع منه وفقط.

نقرأ سويًأ قول الله تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴿٤٣﴾ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴿٤٤﴾ النجم) أضحك فعل متعدٍ وأبكى فعل متعدٍ يحتاجان لمفعول ولهما مفعول لكن الله تبارك وتعالى ما أراد بيان المفعول أبدًا وما حذفه لنفكر فيه وإنما ليقول لنا أن الضحك منه وحده تبارك وتعالى وأن الإبكاء منه وحده تبارك وتعالى وأن الإماتة منه وحده تبارك وتعالى وأن الإحياء منه وحده تبارك وتعالى. يعني لم يقصد هاهنا أضحكم من؟ ولا أبكى من؟ وإنما قصد أنه وحده هو الذي يُضحك وهو الذي يبكي فالإضحاك منه والإبكاء منه والإماتة منه والإحياء منه، قصد إسناد الفعل لله سبحانه وتعالى دون قصد المفعول لا من قريب ولا من بعيد ولكنه في العموم.

إذن أحيانًا نريد إسناد الفعل للفاعل دون قصد النظر إلى المفعول بالمرّة والغرض الأسمى أن هذا الفعل وقع من الفاعل (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9] هنا ما قصد إلا هل يستوي من له علم ومن لا علم له دون الغرض في الوصول إلى المفعول، دون الوصول إلى الذي يعلمونه، العلم على إطلاقه، هل يستوي من له علم ومن لا علم له، فهاهنا حذف المفعول والغرض أن هذا لا يستوي مع هذا، الذي له علم والذي لا علم له.

الحالة الثانية في حذف المفعول أن يكون معك مفعول لكنك تتناساه وتسقطه وتحذفه قصدًا، أنت حذفته قصدًا لحكمة لأنك تريد أيضًأ أن يتسلط الفعل على الفاعل وتترك تسلط المفعول للمخاطب أو للمستمع أو للقارئ. الفرق بين الحالتين أن في الأولى لا نأتي ناحية المفعول بالمرة لأن الغرض أن نقول إن الفعل وقع من الفاعل ويقع من الفاعل فلا نأتي ناحية المفعول، هذه المرة المفعول معنا لكن تناسيناه وحذفناه لعلة ولحكمة يبينها السياق ل،نا قصدنا أن ذكر المفعول سيفسد المعنى. في قول الله تبارك وتعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿٢٤﴾ القصص) كم فعل حُذف مفعوله في الآية؟ (يسقون) (تذودان) (لا نسقي) (فسقى لهما) أربعة أفعال. نجد أن يسقون ماذا؟ وجد أمة من الناس يسقون أغنامهم، إبلهم، مواشيهم، فأراد الله تبارك وتعالى أن يبين أن الأهم أن موسى عندما ورد ماء مدين وجد سقيٌ من أمة من الناس، لماذا؟ لا يعني، ووجد ذودٌ من امرأتين وأيضًا لا نسقي المرأتان أخبرتاه أنهما لا يسقيان وفقط فسقى لهما اي أنه أحدث السقي لهما إذن هاهنا حذف المفعول لأن الأهم تلك الأحداث أنه وجد أمة من الناس يسقون ليس بالضرورة ماذا يسقون وأنه وجد المرأتين تذودان. تعالوا نتخيل مفعولًا لتذودان: تذودان أغنامهما، إبلهما، الرجال، لو ذكر المفعول سيجعل تلك المعاني مغلقة وإنما حذف المفعول ليقول أن هاتين المرأتين يبتعدان عن مخالطة الرجال سواء كان ذودهما عن الإبل عن الغنم عن الماشية المهم أنه وجدهما تذودان. (قالتا لا نسقي) ماذا؟ ليس بالضرورة لا يقع منا السقيا حتى يصدر الرعاء وأيضًا في (يصدر الرعاء) حذف المفعول، يصدر الرعاء مواشيهم، أغنامهم. (فسقى لهما) هاهنا المفعول حذف لأن الغرض التركيز على إسناد الفعل للفاعل وليس كما هناك في المرة الأولى حيث كان الغرض التركيز على وقوع الفعل من الفاعل وفقط أن منه كذا وكذا وهذه المرة إسناد الفعل للفاعل هو الأهم ولا يذكر المفعول لحكمة تبين من خلال السياق.

(كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾) من أي نوع؟ هل هو من النوع الأول؟ أم من النوع الثاني؟ هو من النوع الثاني، سيعلمون ما تساءلوا عنه استهزاء وسخرية، سيعلمون ما كذبوا به، سيعلمون حقيقة الوعيد الذي توعدهم الله به، هذا هو السر والله أعلم في حذف المفعول هاهنا.

(ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) (ثم) هاهنا حرف يفيد العطف بما أنه يفيد العطف فيا ترى هل هو يفيد العطف والتراخي الزمني أم التراخي الرتبي؟ وقلنا سابقا التراخي التربي أن يكون ما بعد ثمّ أهم وأولى مما قبلها، هو هاهنا للتراخي الرتبي وقد يفيد الأمرين معًا لكنه للرتبي إشارة إلى أن الوعيد الذي بعده أشد وأقوى من الوعيد الذي قبله ولذلك التوكيد هنا (الجملة الثانية لا يصلح أن تكون توكيدًا) لأن التوكيد اللفظي إعادة الكلمة أو الجملة بنفس ألفاظها وحروفها يعني كلا إذا دكت الأرض دكا دكا، هذا توكيد (دكا الثانية توكيد لدكًا الأولى) لكن هنا (ثم) تمنع أن تكون الجملة الثانية توكيدًا للأولى  والتوكيد اللفظي لا يأتي بينهما حرف والتوكيد المعنوي له ألفاظ معينة (كل وجميع). إذن (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) بعض العلماء قال هما علمان لا بد أن يحدث لهما، العلم الأول أن يعلموا يقينًا وقوع اليوم الآخر ووقع البعث والحساب والجزاء (سيعلمون) يقينا وقوعه الذي وعدوا به في الدنيا (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) الثانية يعلمون حقيقة العذاب الذي وعدوا به من الله تبارك وتعالى على تكذيبهم. هم سيعلمون على مرحلتين: المرحلة الأولى بعلمهم يقينا وقوع هذا اليوم والعلم الثاني أن يعلموا أن الوعيد الذي وعدوا به في الدنيا حق ويقع الوعيد عليهم على اختلاف بين المفسرين هل العلم الأول عند الموت والعلم الثاني يوم القيامة عند البعث، ممكن، وعليه تكون (ثم) للأمرين الزمني والرتبي لكن على كل حال الذي نعلمه حذف المفعول نتنبه إليه. خُص الوعيد على اعتبار أنهما عِلمان، المفعول عندما يكون محذوفا قد يكون معلومًأ ولكن المتكلم – حاشا لله أن يكون هكذا – مفهوم البشر أن يكون هو الذي أسقطه وحذفه لحكمة ما، الوعيد ليس بأمر واحد، هناك صراط وهناك ميزان وهناك حساب وهناك جنة أو نار. هذه يدركونها مع العلم الأول أن الله حق وأنه لا إله إلا الله، هذا مع العلم الأول عندما يرون العذاب (وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) الأنعام) شركاؤهم يتبرأون منهم، هذه آيات مرتبطة ببعضها والقضية واضحة لا تحتاج إلى كثير بيان، هذه حذف المفعول و(ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾). الوعيد إجمالا والوعيد تفصيلا نوع العذاب والصراط والحساب والميزان هذا كله يدخل تحت كلمة الوعيد. الوعيد على العموم ويخص الباقي تحته تخصيصًا.

رب العباد بعد ذلك يستدل على كمال قدرته على البعث ببيان كمال قدرته في كونه وبكمال قدرته في تسيير هذا الكون فابتدأ الله تبارك وتعالى بالأرض وقال الله تعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾) إلى آخر الآيات. (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) الهمزة للاستفهام التقريري وهو أنك تلزم المخاطب أن يقرّ بما تقول بحيث لا يملك إلا أن يقرّ بالذي قلته، يعني عندما أقول له ألست أخي؟ لا يملك أن يقول لا، أليس هذا الجوال ملكي؟ تجعله يقر بالحقيقة ويعترف، هذا معنى الاستفهام التقريري. ولذلك اقتران الهمزة بـ(لم) و(لم) حرف نفي وجزم وقلب، هل المراد نفي جعل الأرض مهادًا أم الإثبات؟ الإثبات، وما دور النفي هاهنا؟ النفي يؤكد الإقرار يجعل المخاطب يلزمه بالإقرار، (لم) لا تصبح حرف إثبات لكنها تفيد مع الهمزة تأكيدًا للإقرار فتجعله ثبوتًا ولا تجعله نفيا لكنها ما زالت على أصلها: ألم أفعل لك كذا؟ نحن في عتابنا نقولها، أنت قلت وأردت الإثبات فـ(لم) هي تفيد التأكيد للإقرار.

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) الأرض مهاد، مهادًا ومهدًا، الله تبارك وتعالى نعت الأرض في القرآن الكريم بعدة نعوت أو عدة صفات: مهدًا ومهادًا وكفاتًا وذلولًا وبساطًا وسبلًا فجاجًا، هذه صفات الأرض. المهد والمهاد هو فراش الطفل الذي يمهّد للنوم فيه، الأم عندما تمهّد فراش طفلها بعد أن تفرش الفراش قبل أن تضع الطفل فيه تمرر الأم يدها على الفراش لتتفقده تتأكد أنه لا يوجد شوكة، إبرة، دبوس، إذن الله تبارك وتعالى جعل لكم الأرض ممهدة هكذا، سهلة، من أراد أن يمشي يمشي ومن أراد أن ينام عليها ينام ومن أراد أن يجلس يجلس، ولذلك تقريبًا هو نفس معنى (ذلولا) مذللة لكم، لولا أن الأرض ذللت للإنسان ما يستطيع الإنسان أن يقيم فيها طريقا ولا عمارة ولا أن يمشي عليها بل إن الله هو الذي ذللها (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) الملك) امشوا في مناكب الأرض، منكب الإنسان هو ما بين الكتف والرقبة أيام كانت الأمهات تحملنا في هذا المكان، الله تبارك وتعالى يأمرنا بأن نمشي في منكب الأرض في أعلاها لكن نتعمق لأن البحث عن الرزق والأخذ بأسباب الرزق يتطلب منا جهدا خارقا هذا معنى (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) تعمقوا لتحصلوا على رزقكم الذي قدره الله تبارك وتعالى ابذلوا كل الأسباب، خذ بكل الأسباب، الإنسان يأخذ بكل الأسباب البشرية لكن حقيقة التوكل. التوكل له جناحان جناح للجوارح بالأخذ بالأسباب والقلب يعلم يقينًا أن الله تبارك وتعالى هو الذي يقدر الرزق. (وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) رزقه هو لا تأكلوا من سعيكم أنت أخذت بالأسباب ولا تدري وستأكل من رزق الله. (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا). (كفاتا) الكفت هو الضم، الأرض كفاتا يعني تضمّ الأحياء وتضم الأموات، تضم الأحياء الذين يسيرون على ظهرها والأموات الذي دفنوا في باطنها (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ﴿٢٥﴾ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴿٢٦﴾ المرسلات). (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴿٢٠﴾ نوح) البساط هو الفُرُش التي ينام الإنسان عليها أو يجلس عليها، الأرض مبسوطة لكم كالفراش الممهد أيضًا. الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة نوح (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴿٢٠﴾ نوح) وفي سورة الأنبياء (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿٣١﴾ الأنبياء) الفجاج في الأصل صفة للسبُل لأن السبل الطرق على عمومها والفجاج جمع لكلمة فج وهو الطريق الواسع بين جبلين إذن (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) يبين الله في الآية فجاجا صفة لسبًلا والصفة عندما تكون نكرة وتتقدم على الموصوف تكون حالًا إذن (فجاجا) أي أن الله تعالى يقول وجعلنا فيها حالة كونها فجاجًا سبلًا، (فجًاجًا) حال، الله تبارك وتعالى يخبر في بداية خلق الأرض أنه جعلها على تلك الهيئة (فِجَاجًا سُبُلًا)، وفي الموضع الآخر في قوله تبارك وتعالى (سُبُلًا فِجَاجًا) للإعلام بأنه جعل في الأرض طرقًا واسعة يسلكها الناس.

(الأرض مهادا) هذا يسمى عند البلاغيين تشبيه بليغ. ما التشبيه؟ التشبيه إلحاق شيء مجهول بشيء معلوم في وجه شبه ما بأداة تسمى أداة التشبيه. لا بد أن يكون إلحاق شيء مجهول بشيء معلوم، وهذا دعا بعض البلاغيين بأن يقولوا تشبيه مجهول مجهول، التشبيه عندنا أن نشبه مجهولا بمعلوم حتى نعلمه لكنهم يقولون القرآن فيه تشبيه مجهول بمجهول قضية وجدت لها من ينصرونها، تشبيه المجهول بمجهول في القرآن في قول الله تبارك وتعالى (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴿٦٤﴾ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴿٦٥﴾).

أركان التشبيه: مشبّه، مشبّه به، أداة ووجه شبه، هذه أربع أركان للتشبيه. نستخرج أركان التشبيه من الآية (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) الصافات) المشبّه: طلع الشجرة، المشبه به رؤوس الشياطين، (كأن) أداة التشبيه، أين وجه الشبه؟ لم يُذكر في الآية. قاعدة: لم يذكر القرآن الكريم وجه الشبه في أي تشبيه في القرآن أبدًا. عندما أقول محمد كالأسد. أين وجه الشبه؟ يجب أن أقول في الشجاعة، في القوة، في الجرأة مثلًا. الله تبارك وتعالى ما يذكر وجه الشبه أبدًا، هذا أول أمر، بل تكون أركان التشبيه دائمًا من الأشياء الثابتة التي لا تتغير على مر الزمان والمكان، المشبّه والمشبّه به دائمًا من الأشياء الثابتة التي لا تتغير على مر الزمان والمكان. مثال: عندما أراد الله تبارك وتعالى أن يشبه لنا الدنيا قال (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾ الكهف) هل يتغير مفهوم الماء ونزوله من السماء واختلاط الأرض به إلى يومنا هذا؟! هذه لمحة إعجازية لا يتنبه لها أحد ولمحة بلاغية لا بد أن نفهمها. (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ﴿٣١﴾ القمر) لا يزال هشيم المحتظر حتى هذا الزمن ومنذ أن نزل القرآن، هشيم المحتظر الرجل الذي يصنع حظيرة لحيواناته مكانا يحيطه للحيوانات فيسقفه ببعض فروع الشجر، فروع الشجر فيها ورق، هذا الورق عندما ييبس يتساقط وعندما يتساقط ينزل تحت أقدام الحيوانات فيدوسونه باقدامهم وروثهم ينزل عليه فأراد الله أن يشبه حقارة هؤلاء القوم فأتى بهشيم المحتظر الذي معناه مفهوم منذ أن نزل القرآن إلى يومنا هذا. أركان التشبيه أشياء لا يتغير مفهومها، لا شيئًا نسميه نحن في هذا الزمان كذا وفي الزمن السابق كانوا يسمونه كذا، لا، وإنما أشياء ثابتة منذ أن نزل القرآن إلى ما شاء الله. (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴿٥﴾ الفيل) العصف المأكول أكل الحيوانات، الحيوان عندما يقترب من الشبع يبدأ يأكل بعض الخضار التي نعطيه له ويترك الآخر يقع تحت أقدامه، ما أكله الحيوان ورماه هو العصف المأكول.

إذن الله تبارك وتعالى حتى تعلموا إعجاز القرآن الكريم أنه يتخير في التشبيه ما لا يختلف عليه قوم دون قوم، المفهوم واحد، هناك من الأمصار والبلاد من لا يعرفون الماء الذي ينزل من السماء ويختلط به نبات الأرض؟ أبدًا. إذن هم يقولون التشبيه (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) الصافات) الطلع مجهول ورأس الشيطان مجهول، هذا كلامهم. وعندما أراد البعض أن يبعد تلك الشبهة عن القرآن قال كلامًا أسوأ من الكلام السابق ولكن سنتوقف هاهنا وبإذن الله نكمل في اللقاء القادم.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل