دورة سحر البيان في تعدد القرآءات - المجلس 45 - آل عمران - د. محمود شمس

دورة سحر البيان في تعدد القرآءات القرآنية – 1437هـ

المجلس 45 – توجيه القرآن من الآية   في سورة آل عمران

د. محمود شمس

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

كنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّـهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) ﴿٤٠﴾

وقلت بأن التعبير هاهنا بكلمة (غُلَامٌ) بينما بعد عدة آيات قليلة يقول الله سبحانه وتعالى على لسان مريم عليها السلام (أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ) ... لم قالت مريم (وَلَدٌ) وقال زكريا (غُلَامٌ

الطفل عندما يولد يطلق عليه عدة أسماء:

-         فهناك (الوليد)، والوليد يكون لحظة ولادته، ولد له لحظة هذا هو الوليد، ولذلك قول الله تعالى: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) ، (الْوِلْدَانَ): جمع (وليد) وليست جمع (ولد)، هذا اليوم بما فيه من أهوال فهو يجعل الولدان لحظة ولادتهم يحوّلهم إلى شيب. وعندما امتن فرعون على موسى قال له: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا)، أي: ربيناك منذ اللحظات الأولى لولادتك، هذا وليد.

-          أمّا (الصبيّ)، فقيل: هو الطفل بعد ولادته، وقيل: إلى ما قبل الفطام، وقيل: إلى ما قبل إطلاق اسم الغلام عليه، كلمة (صبي) إلى ما قبل الفطام أو هو ما دون الغلام، ولذلك فإنّ مريم عندما أشارت إلى عيسى (قالوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ فِي المَهدِ صَبِيًّا) ،كان دون الفطام ولم يكونوا على علمٍ متى ولد بالضبط.

-         كلمة (غلام): هو الصبي إلى أن يصل إلى قرب مرحلة البلوغ، أن يقارب مرحلة البلوغ، وهي من المراحل التي يحبها الآباء في الأولاد لأنه يبدأ يسير ويتكلم معهم، قال زكريا: (أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ).

-         (الطفل): يطلق عليه إلى أن يقترب من البلوغ، بعد الغلام بقليل.

-         و(الولد) اسم يطلق على كل مولود مهما بلغ من السنّ، فهي تعمُّ الجميع، أنا ولد باعتباري مولودًا.

مريم –عليها السلام- قالت هاهنا: (أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ)؛ لأن الملائكة قد طمأنتها على المولود: (إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) ، فاطمأنت أن الله تبارك وتعالى سيحفظه، لكن بقيت لها مشكلة، كيف تلده؟ فقالت: (أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ).

أمَّا في سورة مريم قالت: (أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ)، هذا رد مباشر على الملك (قالَ إِنَّما أَنا رَسولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ﴿١٩﴾ قالَت أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ) كأنها ردت عليه دون تفكير.

ونجد أيضًا هاهنا قال الله في شأن ولادة يحيى (كَذَٰلِكَ اللَّـهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، وفي عيسى عليه السلام قال (كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ). في ولادة يحيى (يَفْعَلُ) لأنه فعل جاء من أمر طبيعي رجل وامرأة غاية ما في الأمر عندهم مشاكل في الإنجاب وهما أب وأم ، أما عيسى فهو على غير ما يعتاده الناس، فهو من أمٍّ بلا أب فكان التعبير بالخلق أولى (كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ).

ننتقل بعد ذلك إلى القرآءات المتواترة في قول الله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ) ﴿٤٨﴾:

·                    قراءة الغيب: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ ...)،  لمناسبة ما قبلها: (إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) كلها بالغيب، فقرآءة (وَيُعَلِّمُهُ) معطوفة عليها.

·                     وقرآءة (وَنُعَلِّمُهُ) بنون العظمة؛ لتدل على عظيم ما امتن الله سبحانه وتعالى به على عيسى عليه السلام من تعليمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.

 فالقرآءتان متممتان لبعضهما البعض (وَيُعَلِّمُهُ) / (وَنُعَلِّمُهُ).

بعد ذلك في قول الله تعالى: (وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ) ، فيها قراءتان:

·                    إحداهما بفتح همزة (أَنِّي): (بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم ..).

·                    والقرآءة الأخرى بكسر همزة (إِنِّي): (إِنِّي أَخْلُقُ لَكُم ..).

فقراءة الفتح: جملة (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ) بدل من (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُم)، ولا بد أن نعلم أن البدل يكون على نية القصد بالحكم، بمعنى أنّه هو المقصود بالحكم في الأصل، كأنَّ التقدير: [ورسولا إلى بني إسرائيل أني أخلق لكم من الطين]، لكن جاءت الجملة التي قبلها (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُم) إجمال، ففصّل الاجمال (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ)، وهذا يسمى في اللغة [بدلًا]، وهو المقصود في الحكم أصلًا.

وقرآءة الكسر: (إِنِّي أَخْلُقُ لَكُم) تكون على الاستئناف، وله هاهنا أيضًا دلالة لأنّ جملة: (إِنِّي أَخْلُقُ لَكُم) تفسير وبيان للآية في قوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُم)، كأنه قيل: ما الآية التي جاء بها؟ ففسرتها جملة (إني أخلق لكم من الطين)، فهي استئناف وبيان وتفسير للآية التي ذكرها الله في الجملة التي قبلها. إذن هاهنا لكل قراءة دورا في المعنى ولا بد أن نكون على يقين من هذا.

وأيضا في قول الله تعالى: (أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ). وردت قراءات:

·                      قراءة الإفراد (كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ).

·                      وقراءة (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ).

·                      وقراءة الجمع (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ).

(الطَّائِرِ) مفرد، و(الطَّيْرِ) اسم جنس يدل على جنس الطير وهو جمع، لكن قراءة الإفراد (الطَّائِرِ) فيها دلالة ليست مجرد إفراد، دلالتها في المعنى أن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يُخبر أنه لا يملك أن ينفخ فيه فيكون طائرا ولا يقدر أن يقدم على ذلك إلا في الطير الذي أذن الله له فيه حتى لو كان طائرا واحدا.
 أمّا قراءة الجمع (الطَّيْرِ) فهي تدل على كثرة الطير الذي أحياه الله على يد عيسى أو بسبب عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، لكن كلّ ذلك بإذن الله -تبارك وتعالى-.

نأتي لقرآءة تحتاج منا أن ننتبه سويًا؛ لأن الآية التي وردت فيها من الآيات التي يعدّها المفسرون من الآيات المشكلات.

 وهي في قول الله تعالى: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ).

في هذه الآية لا بد أن نتلمس السياق، فسياق الآية يعطينا دلالات نستطيع أن نصل بها إلى فهم الآية.

 أولًا: الآية وردت في سياق بيان الله لطائفتين من اليهود، حاولوا بدايةً أن يجاهروا بالإضلال، بأن يضلوا المسلمين ويضلوا من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم، ذكر الله ذلك في قوله:

(وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) ﴿٦٩﴾، فهم حاولوا لكنهم لم يستطيعوا، هذه هي الطائفة الأولى.

 وقيل: إن هؤلاء اليهود هم يهود خيبر، حاولوا أن يضلوا المسلمين فما استطاعوا، ففكروا في مخادعة أخرى وفي كيد آخر وفي طريقة أخرى، وهذه هي الطائفة الثانية التي يذكرها الله تبارك وتعالى:

(وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)  ﴿٧٢﴾. هذه هي محاولات خداع ومكر، ماذا كانوا يقصدون؟

هم قالوا لطائفة: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) ، أي: [آمنوا بما أُنزل على محمد في أول النهار] وهو الذي ذكره الله بقوله (وَجْهَ النَّهَارِ)، [ثم أعلنوا كفركم وخروجكم من هذا الدين في آخر النهار] وهذا معنى قوله: (وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

 والضمير في (لَعَلَّهُمْ) يعود إلى المؤمنين، أي: [لعلّ المؤمنين يرجعون]، إذن كان لهم مقصد وغاية من قولهم: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ)، قصدهم -والله أعلم- أن تؤمنوا علنًا في وضوح النهار فيفرح بكم المؤمنون، وسرعان ما يأتي آخر النهار فتنسحبون من هذا الدين وتعلنون كفركم -هذا على حد زعمهم-، فالمسلمون بالتأكيد سيفكرون: [هؤلاء ما تركوا هذا الدين إلا لأنهم علموا أنه ليس هو الدين الحق، وهؤلاء بالتأكيد علموا أنه ليس هو الرسول المبشر به في كتبهم واكتشفوا أن ما في الرسول من صفات لا تنطبق على ما ذكر عندهم في كتبهم].

إذن هذه حركة مكر وخداع منهم عندما قالوا: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ، هؤلاء كان لديهم تخطيط لجعل بعض المؤمنين يرتدون.

 وعندما قالوا: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) اكتشفوا أنهم ربما يفهم القوم أن هذا الدين الذي أمروهم أن يؤمنوا به هو الدين الحق طالما قالوا: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا)، فقالوا (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) هذه الجملة من قول اليهود، تلك الطائفة التي قالت: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)، وهذا يسمى عندنا في البلاغة [الاحتراس].

 فما الاحتراس؟ [الاحتراس] في البلاغة: أن يأتي المتكلم بمعنىً ربما يتوجه عليه توهم، ربما يتوهم البعض أن هذا المعنى ليس هو المعنى المراد أو يفهمونه على ظاهره الذي لم يقصده المتكلم، فيتفطن المتكلم لذلك فيأتي بما يخلصه من هذا التوهم.

مثلا في قول الله –تعالى-: (وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). [الْعَزِيزُ] معناها: أنَّه هو الغالب القاهر القادر الذي ليس فوقه من يرد كلامه، فربما يُفهم من [الْعَزِيزُ] أنه يبطش ويظلم؛ لأن فهم الناس عن القوي في الدنيا أنه يبطش بالناس ويظلم الناس، فجاءت بعدها كلمة [الْحَكِيمُ] لتدفع هذا التوهم، بأنه عزيز قوي قاهر قادر غير أنه لا يظلم؛ لأنه حكيم يضع كل شيء في موضعه، هذا اسمه احتراس.

أيضا في قول الله –تعالى-: (وَقيلَ يا أَرضُ ابلَعي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقلِعي وَغيضَ الماءُ وَقُضِيَ الأَمرُ وَاستَوَت عَلَى الجودِيِّ وَقيلَ بُعدًا لِلقَومِ الظّالِمينَ). قوله: (وَقيلَ بُعدًا لِلقَومِ الظّالِمينَ) دعاء بالهلاك والبعد للظالمين حتى لا يتوهم أن من آمن مع نوح ربما يكون قد شمله الغرق، فجملة (وَقيلَ بُعدًا لِلقَومِ الظّالِمينَ) تبين أن الغرق والهلاك كان للظلمين تحقيقا لقوله سابقا (وَلا تُخاطِبني فِي الَّذينَ ظَلَموا إِنَّهُم مُغرَقونَ).

فالاحتراس: هو أن يتكلم المتكلم كلاما ربّما يتوهم في فهمه أو ربما يُفهم خطأ، فيفطن المتكلم لهذا فيأتي بما يخلصه من هذا الكلام. ونحن نمارس ذلك في كلامنا العادي دون أن نشعر:

أنت تتحدث مع أخ لك عمّن يخلف الوعد ، فتقول له مثلا: [هناك أناس كثر يخلفون الوعود]، ثم تقول: [أنا لست منهم]، هذا أسلوب احتراس، أنت تفطنت أنه ربما يفهم أنك من هؤلاء.

أو تقول: [المعلمون في المدرسة غابوا اليوم وتأخروا عن الدراسة]، ثمّ تقول: [وأنا لست منهم] لتحترس أن يُفهم أنك من هؤلاء، هذه أمور بسيطة لكنها تحتاج لمتذوقٍ يفهمها.

إذن هم احترسوا بقولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، اليهود يقولون لبعضهم البعض: [ولا تؤمنوا إيمانا كاملا إلا لمن تبع دينكم]، فكان الجواب السريع من الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) ردًا على قولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ).

وتأتي قرآءة (ءَأَن يُؤْتَى) بالاستفهام لابن كثير في قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ).

-  (ءَأَن يُؤْتَىٰ): هذا الاستفهام استفهام إنكاري؛ لأن قبلها (قُلْ) أمر من الله لنبيه ، ولأن قبل قوله تعالى (ءَأَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) جملة (إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) وقبلها (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ).

نريد أن نحدد جملة (ءَأَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) هل هي أمر من الله لنبيه وما يزال الأمر متصلا بقوله (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ)؟ أم أنه من كلام اليهود تواصل في حوارهم ويكون قوله تعالى (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) جملة اعتراضية لها دور الرد السريع على زعمهم هذا؟

على قرآءة الاستفهام: فالجملة من كلامهم (ءَأَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ)، وهو استفهام إنكاري؛ لأنهم أرادوا التعليل لقولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، فقالوا: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ءَأَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) كأنهم يستنكرون هذا؛ لأن سياق الكلام يقتضي قولهم باستحالة نزول كتب بعد التوراة واستحالة إرسال رسول بعد موسى، وهم يريدون هذا. إذن: (ءَأَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) جملة تعليلية يعللون بها كلامهم السابق (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، والتقدير: [ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم لئلا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى تُختم بكم]، قصدوا هذا.

وطبعا (لا النافية) تحذف كثيرا مع (أن المصدرية) عندنا في آيات كثيرة، ومن أمثلة ذلك:

في قول الله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا)، هذا امتنان من الله تبارك وتعالى. (أَن تَضِلُّوا) تعليل للفعل (يُبَيِّنُ) ، فهل المقصود التعليل بنفي الضلال أم بوقوع الضلال؟ (يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) هل يريد رب العباد أن ينفي الضلال حتى يكون علة للبيان أو يثبت الضلال ليكون علة للبيان؟ لا يمكن أن يثبت الضلال ليكون علة للبيان، لا يمكن أن يبين الله لنا لنضل، فهنا (لا نافية) محذوفة لأن المعنى يتطلب ذلك بالضرورة. إذن التعليل لا يصح إلا بنفي الضلال، والتقدير: [يبين الله لكم أن لا تضلوا]. إذن هنا (لا النافية) محذوفة.

في قول الله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى ... )، يعني: [أن لا تقول نفس]؛ لأن الله يحذرنا من ذلك.

إذن الضابط في حذف (لا النافية) بعد (أن) كون المعنى لا يستقيم إلا هكذا، ويكون المعنى في حاجة لتقدير نفي، لأنه لو كان إثباتا لاختلّ المعنى.

ربما يقول واحد: [لم يحذف القرآن حرف النفي؟ ولماذا لم يتركه وتنتهي القضية!]. نقول: إنّ تدبر القرآن غاية لإنزاله، والتدبر لن يكون إلا بإعمال العقل والفهم والنظر في السياق ومحاولة معرفة المعنى الصحيح الذي ينبغي أن تأتي به.

 وقد تكلمنا سابقا في أن بعض الأئمة الذين يصلون بالناس يتحرجون من الوقف (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ )، وساعدهم على ذلك أهل التجويد، هذا رأس آية، ولكنهم يقولون: وقف قبيح ولا يجوز، وأنا كنت منهم قبل أن أعرف المعنى. وتدبر القرآن قائم على التفكر والتأمل وفهم المراد.

ولتوضيح ذلك أقول: عندما يقرأ إمام (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ) ويقف عليها، ويقرأ إمام (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ ) فيصلها دون وقف. في أيّ الحالتين سينتبه المصلون ويفزع المصلون؟

الجواب: عندما يقف، لأنهم سيفزعون ويتعجبون: ترى هل المصلون لهم الويل؟، لكن لو قرأها متصلة فالنائم نائم والسارح سارح والذي في غفلة في غفلة وكأن شيئا لم يكن، فالقرآن يريد أن يلفت الانتباه ليثار سؤال: من هؤلاء المصلون الذين لهم الويل؟ ستسأل هذا السؤال، فيأتي الجواب على سبيل الاستئناف البياني: (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) تقبلها الإنسان وفهمها وعرف معناها وعرف من هو المصلي الذي له هذا الويل، هذا أفضل، هذا اسمه: استئناف بياني، يأتي بعد إثارة سؤال من الجملة السابقة يحرّك الذهن للبحث عن جواب، فيأتي الله -تبارك وتعالى- بالجواب.

وعلى قرآءة الإخبار (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ  ..  أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ).

الجملة أيضًا من كلامهم وتعليل للكلام السابق، لكن حدث لبس عندي في الكلام؛ لأن التقدير على قرآءة الاستفهام [أمن أن يؤتى أحد مثل ما أوتتيتم تنكرون الاتّباع؟]، أما على قرآءة الإخبار فيختلف التقدير ويكون المعنى على تقدير نفي (لا) أي: [لئلا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم].

قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ) ننتبه أن الله ذكر قولين لهم، وذكر ردّين على القولين، لكننا نلاحظ أن القول الأول كان ردّه هو الرد الثاني (أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) ، والقول الثاني رده هو الرد الأول (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّـهِ)، وهذا يسمى عند البلاغيين: "اللف والنشر غير المرتب" أو "اللف والنشر المعكوس".

واللف والنشر: منه ما هو مرتب، ومنه ما هو غير مرتب. ولكلٍ حكمته.

 فاللفّ والنشر المرتب ورد في القرآن الكريم في قول الله تع

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل