في رحاب سورة المؤمنون - 8 - إجابة على أسئلة المشاهدين - د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة - د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ - تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة المؤمنون - 8

 تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

إجابة على أسئلة المشاهدين:

تصحيح من سمر الأرناؤوط: ذكرتم في حلقة ماضية عن كلمة ملكوت في القرآن وانها وردت في آية سورة المؤمنون وسورة الانعام (وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض) ولكنها وردت أيضاً في موضعين آخرين: في سورة يس (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون) وفي سورة الأعراف (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء).

سؤال من الأخ ماهر توفيق: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿١٠٣﴾) في سورة المؤمنون، هذه الآية تنفي الخروج من النار وتلغي الشفاعة.

د. المستغانمي: الخلود في النار المقصود به خلود الكافرين المشركين الذين لا يعتقدون اعتقادا جازما أن الله هو إلههم الأوحد وأنه هو الواحد الصمد، أي الذي ليس اعتقاده صحيحا هذا لا ينجو من النار أما الأحاديث التي وردت في الشفاعة ففي عصاة المؤمنين كانوا يؤمنون بالله ويحّجون لكن غلبت بعض المعاصي عليهم فيذوقون من العذاب ما يكفر عنهم السيئات وتدركهم رحمة الله وتدركهم شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالآية (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) فهي تُحمل على الكافرين المشركين الذين ما ارتدعوا من شركهم وما عادوا إلى التوحيد.

المقدم: وهذا لا ينطبق على من كان في قلبه التوحيد.

سؤال ماء العينين دحمود من موريتانيا: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾) (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾) لماذا تم ذكر الصلاة مرتين؟

د. المستغانمي: ذكرنا ذلك في بداية سورة المؤمنين وفي شرحها وتجلية بعض معالمها، في الحقيقة من أخص خصائص المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة، الآية الأولى تحدثت عن روح الصلاة (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾) الخشوع هو روح الصلاة وفي آخر آية (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾) كأن هاتين الصفتين تحيطان بالمؤمن فلا تتركانه يخطئ، الذي يحافظ على الخشوع في الصلاة والذي يحافظ على الصلوات في أوقاتها بأركانها وفرائضها وسننها يكون مغمورًا أو في وسط سياج يحميه. ولذلك كررت، وقد نقول ثمة من يخشع في الصلاة ولكن لا يحافظ عليها في أوقاتها أو في المساجد أو في الجماعات أو يقصر في أوقاتها ينسى يغفل وقد يتعب في العمل ولكن إذا صلّى خشع، وثمة العكس من يحافظ عليها دائمًا لكنه لا يكاد يخشع فذكرها لتكون بداية عمل المسلم ونهاية عمل المسلم وهذا شيء عظيم جدًا كأن المسلم يمسكه طرفان كما في سورة الإسراء ذكر كثيرا من الصفات وذكر التوحيد ثم ذكر التوحيد، في سورة الإسراء ذكر التوحيد وختم بالتوحيد وذكر صفات المؤمنين.

سؤال من الأخت آمال من جدة: لفت نظري في سورة القصص تكرار كلمة الظالمون سبع مرات في سرد  قصة موسى فقط فلماذا هذا التكرار؟ وكذلك (لما) (وفلما) كثيرا ولم يقل (حين) فما الفرق بينهما؟. وفي سورة القصص والنمل وطه يقول موسى عليه السلام (امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) لم يقل رأيت نارًا مع العلم أن رؤية النار لا تؤنس وإنما تخيف فما الفرق بين رأى وآنس وما الفرق بين فلما (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ) و(فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨﴾ النمل) فما الفرق بين أتى وجاء؟

د. المستغانمي: سؤالها مركب من عدد من الأسئلة. في سؤالها حول كلمة الظالمون التي وجدتها متكررة هي فعلًا أيقونة من أيقونات السورة وما جاءت سورة القصص إلا لتقصص أظافر الظالمين وعلى رأسهم فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) [القصص: 8] ووصفتهم بالظلم

الفرق بين حين ولمّا، (حين) حرف وقد تكون ظرفية و(لمّا) أيضًا تفيد الظرف لكن لها خصوصية في اللغة العربية. قال النُحاة (حين) الظرفية (هي ظرف زمن مبهم) في الأزمنة مثل (حيث) في الأمكنة تحتاج إلى إيضاح يأتي ما بعدها يوضّحها (ولات حين مناص) لات الحينُ حين مناص. وقد يأتي لفظ (حين) متصرّفًا يتقبل كل الحركات، مُعربًا (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ الإنسان) فاعل، (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴿٣٥﴾ يوسف) (حين) تفيد الزمن ووردت في القرآن (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) [البقرة: 177] ظرفية (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِين الْوَصِيَّةِ) [المائدة: 106] (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) [القصص: 15] كلها تفيد الظرفية. (لما) في اللغة العربية يسميها النحاة حرف وجود لوجود (درسنا أن "لو" حرف امتناع لامتناع و"لولا" حرف امتناع لوجود) والآن (لما) حرف وجود لوجود. يقع الكلام الثاني عندما يقع الأول، يقع الحدث الثاني عندما يقع الحدث الأول (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ)[القصص:23] وجد الثاني عند وجود الأول، هذه تسمى (لمّا) الحينية وحرف وجود لوجود. مثال (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٩﴾ القصص) وجد الحدث الثاني عند وجود الأول، هنا (حين) لا تصلح. (لما) تتطلب جملتين وتقتضي حدثين لا يحدث الثاني إلا عند حدوث الأول، مثال في سورة القصص (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٠﴾). الغالب أيضًا في القرآن وفي اللغة أن الحدث الثاني يأتي بـ(إذا الفجائية) مع (لما) (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)[النساء: 77] (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (135) الأعراف) (فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [يونس: 23] (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) الأنبياء) إذن هذه (لما) حرف وجود لوجود أما (حين) ظرف تستعمل ظرفية في زمان معين.

المقدم: (امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) لم يقل إني رأيت نارًا مع أن النار لا يُستأنس برؤيتها

د. المستغانمي: آنس في العربية تعني أبصر وأحسّ بالشيء لأول وهلة، نقول آنسه في أول الأمر، فهو كان يمشي في شدة الظلام المغطِش فآنس، في أول الإبصار لأنه استأنس بها، هي تقول النار تخيف صحيح، لكنه هو كان في ظلمة وفي ليل بارد والنار هنا كانت له نعمة لم تكن مخيفة. (آنس) في اللغة العربية، الإيناس هو الاستيضاح استوضح أمرًا وأبصره وهو الإبصار البيّن الذي لا شبهة فيه وموسى عليه السلام كان في شدة الظلام فآنس وأبصر يعني رأى ما يؤنسه، فلذلك عبّر القرآن بـ(آنس). يوجد في القرآن رأى ونظر وأبصر ولكن هنا استأنس بها فكانت أدق في المجال. عندنا آنس، عندنا أحسّ وعندنا شعر وكلها متقاربة، آنس استأنس بها، أحسّ أدركها بالحواس (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا) أدركوا بحواسّهم، شعر أدركه بالشعور وهي من الشِعار وهو اللباس الخفيف الرقيق الذي يُلبس. موسى عليه السلام لما رأى النار فعلًا استأنس بها فمن معاني آنس أبصر مع إستئناس وهي أدق في بابها.

المقدم: ما الفرق بين أتى وجاء؟

د. المستغانمي: الإتيان يكون بسهولة ومنه الأتيّ النهر الجاري الذي يأتي بسهولة وجاء فيها قوة وشدة ولذلك في القرآن لم يأت (جاء) إلا في الماضي لم يأتي (يجيء) لأنها شديدة، الياء وبعها الهمزة فيها شدة، جاءت بصيغة (جيء وجئت وجاءهم) كلها بالماضي بينما(أتى) عندنا أتى وآتٍ ومأتي ويأتي، ائتوني، أتت بمعظم التصرفات. بحصت عن المسألة ووجدت أن الدكتور فاضل السامرائي جزاه الله خيرا تحدث عن هذه الحقيقة وأنا أجيبها بما ذكره وهو لمّاح وغوّاص: الفرق بين فلما أتاها ولما جاءها في سورة النمل السياق تحدث عن مجيئه بقوة لأنه قطع على نفسه أشياء قال (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٧﴾ النمل) في سورة القصص قال (لعلي) لم يقطع على نفسه بمعنى استعمل الأشق (فلما جاء) ولما لم يجزم وقال (لعلي آتيكم منها) (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) استعمل الله سبحانه وتعالى فعل (فلما أتاها)، هذا جواب د. فاضل السامرائي جزاه الله خيرا لكن المجيء فيه شدة والإتيان فيه سهولة هذا ما يقوله اللغويون.

أم تسنيم من بلجيكا: في حلقة سابقة من سورة المؤمنون تكلم الدكتور في موضوع التقديم والتأخير في فواصل الآيات مثل (بصير بما تعملون) (بما تعملون بصير) وفسّر لنا جزاه الله خيرا أن الله سبحانه وتعالى يُسبق العمل على صفته العليا إذا كان السياق في العمل ويقدم اسمه إذا كان الكلام عن ذاته وصفاته. وهناك أيضًا عندما تكون الأمور قلبية أو سريّة للعباد يقدّم الله سبحانه وتعالى صفاته على العمل كما في سورة البقرة (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾ البقرة) وكقوله في سورة آل عمران (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٥٣﴾ آل عمران)

د. المستغانمي: نشكرها على هذا التوضيح وصحيح قد يرد الحديث عن صفات الله عندما يكون الأمر متعلقًا بالأمور القلبية التي لا يعلمها إلا الله. القرآن لا تنتهي عجائبه!

نبيل من بريطانيا: ما الفرق بين الفعل والعمل في هاتين الآيتين (فلا تبتئس بما كانوا يعملون) (فلا تبتئس بما كان يفعلون)؟ وما الفارق بين جنات وجنة؟ وما الفارق بين الذنوب والخطايا؟

د. المستغانمي: كل أسئلته جيدة وهي من المتشابه اللفظي، لما الله سبحانه وتعالى يقول (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾ هود) هذه وردت في سياق سورة هود والحديث موجّه إلى نوح عليه السلام (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ) فقال له (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) بينما يوسف عليه السلام وفي سورة يوسف قال لأخيه الصغير بنيامين كما ورد في التاريخ والسير (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦٩﴾ يوسف) وحتى نفرّق بين يفعلون ويعملون جئتك ببحث بسيط حتى نفسّر علميًا الفرق بين اللفظين: في اللغة العربية ثمة فرق كبير بين العمل والفعل، الفعل واسع أعمّ والعمل أخص ونحن نتكلم في الاستعمال القرآني. الفعل هو التأثير في شيء فأنت تفعله والعمل أيضًا لكن في القرآن جاء استعماله خاصًا والصنع أخصّ أيضًا.

المقدم: الفعل عام والعمل أخصّ والصنع أخصّ من العمل

د. المستغانمي: وكلها مستعملة في القرآن (بما كانوا يفعلون) (بما كانوا يصنعون) (بما كانوا يعملون) لما قال (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) الفعل في القرآن ارتبط بشكل عام (افعلوا الخير) وارتبط أيضًا من بين استعمالاته بأخذ الله الكافرين (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦﴾ الفجر) يعني كيف أهلك هاد، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿١﴾)، (فعل) عندما تأتي مطلقة من بين معانيها تحقيق وعيد الله في المشركين والكافرين، (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) [إبراهيم: 45] لم يقل كيف عملنا بهم، هنا من معانيها كيف حقّ وعيد الله في الأقوام المشركين، لأن هذا الفعل ارتبط بفعل الله بالمشركين فأصبح كأنه يقول ألم تر كيف أهلك الله الكافرين أيضًا جاء استعماله في حق البشر في الفعلة الشنعاء الفظيعة، فرعون قال (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) الشعراء) عندما نقول يا فلان فعلت كذا كأنك تشير إلى أنه فعل شيئا شنيعًا، فهذا من التناسق المرعيّ، في حق الله تعالى يجازيهم أشد الجزاء وأسوأ الجزاء والبشر أيضًا ورد في حقهم أن كلمة (فعل) (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ) (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) [الأعراف: 155] أتهلكنا بما أساء السفهاء منا، في آية أخرى (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) [يوسف: 89] من شرّ لكن هذا لا يعني أنها تأتي فقط في الشر، تأتي في الخير أيضًا (للزكاة فاعلون) (وافعلوا الخير). العمل جاءت أيضًا في الشر والخير لكن بما فيه امتداد (من يعمل صالحا) (عملوا الصالحات)، في القرآن ورد كثيرًا العمل الصالح، وهناك من يعمل العمل السيء، لما ارتبط فَعَلَ بالعمل السيئ الذي كانوا يفعلونه قال في سورة هود (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) من سوء ومن إيذاء لك يا نوح بينما يوسف عليه السلام خفّف اللهجة مع إخوته لأن الله أعلمه وأوحى إليه، لما خاطب أخاه بنيامين قال (قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال المفسرون كأنه يلوّح إلى الصفح والعفو، أخفّ وهذه دقة القرآن فقال (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فلا تحزن ولا تغتم بما كانوا يعملون لو قال بما كانوا يفعلون لفهم بنيامين أن السوء في عملهم فخففها. بينما الفعل والصنع: الصنع فيه دقة دائمًا، هو عمل ولكن دقيق (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [النمل: 88] ولما يقول (بما تصنعون) أي بما تعملون وتتقنون من عمل لذلك في سورة النور (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿٣٠﴾ النور) بما يتعمّلون ويتصنعون الله أمرنا بالغض من البصر فإذا كنت تتفعل وتتصنع فالله أعلم بك. فالصنع دائمًا يستعمل في القرآن بشيء من الإتقان. آية عجيبة في القرآن الكريم بحاجة أن نقف عندها وهي قوله تعالى في سياق واحد يقول (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦٢﴾ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿٦٣﴾ المائدة) (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ) من أهل الكتاب (يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) عن من يأكلون السحت والحرام، لما تكلّم عن علمائهم وأحبارهم قال (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿٦٣﴾) في العامّة قال يعملون وفي الأحبار والمتخصصين قال يصنعون لأن المتخصصين من أحبار ورهبان يعلمون بوضوح ماذا أمر الله أما العامة كانوا يأكلون السحت ويأكلون الحرام عبّر عنهم (بما كانوا يعملون) دون دراية ولكن عند الأحبار قال (بما كانوا يصنعون)

المقدم: هي جنة أو جنات؟

د. المستغانمي: في سياق جنة وفي سياق جنات، لما يقول جنة لا يقصد بها مفرد ولكن يقصد بها جنس الجنة. في سياق يستعمل الإفراد وفي سياق يستعمل الجمع وفي سياق يستعمل الزوجية (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾ الرحمن) إذن لكل سياق ما يتناسب. في سورة الرحمن بنيت على الزوجية (جنتان) أحيانًا في سياق المبالغة يقول (جنات) لكن لما يقول جنة ويفردها فلا يقصد جنة واحدة وإنما هي جنس الجنة العظيم الواسع.

سمر الأرناؤوط من السعودية: ما دلالة استخدام هذه الألفاظ: الفلك، الفلك المشحون، السفينة، الجارية في قصة نوح عليه السلام؟ ورد وصف سفينة نوح في سورة الشعراء ويس والصافات بصيغة (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) وورد وصفها بالجارية في سورة الحاقة (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿١١﴾) وورد وصفها بالفلك في عدة سور منها الأعراف ويونس وهود ووردت في سورة المؤمنون في ثلاث آيات (22، 27 و28) وورد وصفها بالسفينة في سورة العنكبوت (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) ووصفها بـ(ذات ألواح ودُسُر) في سورة القمر. فهل يمكن تحديد سياق معين لورود كل لفظ في السور التي ذكرت فيها؟

د. المستغانمي: الأصل فيها الفلك هي أتت ببعض المترادفات المتقاربات وإن كان كل مفردة في القرآن لها دلالة كما قال ابن عطية الأندلسي: لو أدرت لسان العرب لتجد لفظة هي أدق في بابها لن تجد إلا في القرآن الكريم، والشيخ الشعراوي رحمه الله يقول: اللفظة عاشقة لموضعها. لا يمكن وضع السفينة مكان الفلك، أن الفلك هو الأصل (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) [هود: 38] وهي وردت كثيرًا والفلك ترتبط بالجريان (لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ) [الجاثية: 12] وحتى في الفلك الكواكب والنجوم السيارة تجري في فلك معين فكلمة الفلك مرتبطة بالجريان فهي التي وردت كثيرا في القرآن وعندما قال الفلك المشحون الفلك المملوء هذه صفة للفلك كما تحدث في سورة يس (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) يس) المملوء. استعمل السفينة عندما أرادت الرسوّ عندما أرادت التوقف عند الجبل قال (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٥﴾ العنكبوت) لأن كلمة سَفَنَ في اللغة العربية يعني رسا وتوقف. وهي موجودة في سورة يونس (فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ) [يونس: 73] لأن في السورة ورد كلمة الفلك أكثر من مرة فمحافظة على التناسق القرآن متناسق لا يتناسب أن يقول (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ) [هود: 38] ثم وأنجيناه ومن معه في السفينة، عندما ذكر في سورة يونس الفلك (حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) [يونس: 22] قال (فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) الشعراء) لما جاء في سورة هود الفلك في عدة أماكن راعاها الله سبحانه وتعالى ولما جاء في سورة العنكبوت قال (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) لأن السفينة من شأنها أن ترسو، أن تسفن. سمّاها (الجارية) في سورة الحاقة (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿١١﴾) في هذه السورة فيها كثير من الكلمات التي جاءت أوصافها وحذف الموصوف. الحاقة وصف ليوم القيامة (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ﴿٩﴾) بالفِعلة الخاطئة، (في الجارية) أي في السفينة الجارية، (واهية) فهي سماء واهية، (لا تخفى منكم خافية) لا يخفى منكم فِعلة خافية، ورد فيها كثيرًا ذكر الوصف اكتفاء بالوصف وعدم ذكر الموصوف وذكر الموصوف أحيانًا (عيشة راضية) (جنة عالية) واللفظة تتناسب مع الإيقاع الصوتي (الحاقة، الجارية، القارعة، خاوية، الخاطئة، رابية، واعية...). في سورة القمر (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾) هي السفينة، دسر جمع دسار وهو المسمار الكبير المعدني، لماذا في سورة القمر؟ ما قال حملناهم على الفلك أو على الجارية، ذكرها بما سوف تكتشف به وسورة القمر فيها إعجاز عجيب اكتشف الناس علوم الفضاء وجدوا أن بالقمر شقًا عجيبًا ولما جاءت السفينة ذكرها بما سوف تكتشف به (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿١٥﴾ القمر) أي معجزة سوف يكتشفها من يكتشفها ودلتنا الآن العلوم الحديثة في الجيولوجيا عن طريق الأقمار الصناعية اكتشفوا الدسر المعدنية الكبيرة، الدسار الواحد مترًا في جبل الجودي الذي يقع في تركيا 300 قدم سفينة كبيرة جدا تقريبا مئة متر والمعادن ظاهرة للإيماء والإشارة بأنها ستكتشف ببعض مكوناتها جاءت الكناية عن موصوف (ذات ألواح) الألواح المتحفّرة التي مضت عليها القرون (ودسر) وهذا يتناسق مع ذكر القمر وانشقاق القمر.

المقدم: يتناسق مع الإعجاز ويتناسق مع الدلائل ولذلك في ذات السورة يقول الله سبحانه وتعالى (كذبوا بآياتنا) هذا شيء من الآيات

 

د. المستغانمي: وأنا أضيف لك دليلًا قاطعًا قوله تعالى (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً) لما تحدث عن فرعون في سورة يونس وأخرج جثته نكالا قال (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً) [يونس: 92] وموجود تركناه آية، عبرة. فهذا الدليل اللغوي يدل على الإعجاز العلمي. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل