برنامج هدى للناس - وقفات مع الجزء 18 - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة 18 – الجزء الثامن عشر

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

سورة المؤمنون وسورة النور وآيات من سورة الفرقان

أبرز محاوروموضوعات ومقاصد سورتي المؤمنون والنور

سورة المؤمنون هي في الحقيقة تصف طائفتين من البشر على وجه هذه الأرض: طائفة أهل الإيمان من خلال تعداد صفاتهم وبيان مآلهم، وطائفة الكفار من خلال تعداد صفاتهم وبيان مآلهم، والمؤمن حينئذ يستفيد بذكر الأول وهو صفات المؤمنين بأن يتمسك بها ويستفيد من ذكر الثاني أن يبتعد عنها وأن يحذر منها لئلا يقع في عقوبة من ارتكب تلك الصفاة. هذا هو المحور الذي تدور عليه سورة المؤمنون وقد جاء فيها ذكر الأنبياء وبعض ما دار بينهم وبين أقوامهم لكن معظم السورة هو حول هذا المحور.

سورة النور تدور عامة آياتها على محورين رئيسين الأمر الأول: استقامة المجتمع وطهارته وطهارة الأعراض والبعد عن الولوغ فيما يحطّم هذه الأعراض ويستتبع ذلك الآداب التي في الأسرة فيما بين أبنائها، آداب الإنسان مع البيوت. والجانب الثاني هو يناقش قضية الإيمان والتقوى (ونلاحظ أن قضية الايمان والتقوى وقعت في منتصف السورة) يعني كانت السورة في أولها عن المعنى الأول "الآداب"، ثم جاء ما يتعلق بقضية الإيمان وتوحيد الله عز وجل ثم عاد السياق مرة أخرى إلى مسألة الأسرة والآداب لأجل أن يكون هناك طهارة في المجتمع، ولعل تخلل آيات الإيمان هو تثبيت للمعنى الأول الذي جاء في هذه الاسورة وتنمية وتثمير هذا الإيمان الذي يزكي هذه النفس فتتمسك بصفات الطهر والعفاف وتبتعد عن اللغو والرفث.

وقفات مع آيات سورة المؤمنون

افتتحت سورة المؤمنون بصفات عظيمة: الخشوع في الصلاة والذي يلفت النظر هنا أنه ذكر الخشوع قبل ذكر المحافظة على الصلاة لأنه جاء بعد ذلك (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْيُحَافِظُونَ)[المؤمنون:9]، وفي أول السورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2) المؤمنون)، ابتدئ بالخشوع وكأن الحفاظ على الصلاة يقع بصورتين: الحفاظ على روح الصلاة وذلك بالخشوع والحفاظ على ذات الصلاة وكيانها وذلك بالمحافظة عليها في أوقاتها التي شرعها الله عز وجل.

المعنى الثاني وهو:(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) المؤمنون)  وهذا فيه تزكية للنفس لأن المؤمن ينبغي أن يحفظ وقته وأن يحفظ زمانه عن اللغو وهو الكلام الباطل أو الكلام الذي لا خير فيه، (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) الؤمنون) وهذا دليل على التواصل والتراحم بين أعضاء المجتمع بأداء هذه الزكاة وهي تنمية للمال وهي أيضًا سد لحاجة إخوانه من حوله.

الصفة الثالثة (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(7) المؤمنون) هذه طبيعة ركبها الله عز وجلّ في الإنسان وهي حاجته لهذه الشهوة لكنه يجب أن يقضيها بطريق صحيح فهم حافظون لها والأصل أن هذه لا تقضى إلا في هذه التي ذكرها الله عز وجل أي فيما أحله الله له. ثم عاد إلى العلاقة الاجتماعية (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8) المؤمنون) والإنسان لا يمكن أن يعيش في المجتمع إلا وبين الناس عقود وعهود ومواثيق وأخذ وعطاء فلا بد أن يرعى هذه الأمانات وهذه العهود التي بينه وبين الناس ثم بعد ذلك الآيات (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ(59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) المؤمنون) هذا معنى جليل يؤتون ما آتوا أي يفعلون ما يفعلون من أعمال البر وشعب الإيمان وطرائق الخير إلا أنهم مع ذلك قلوبهم وجلة خائفة من شيئين: الأمر الأول أن لا يُقبل العمل لأنه قد يكون العمل تلبس بشيء من أهواء النفس وشهواتها ورياء ونحو ذلك، الشيء الثاني: أن يحبط العمل بعد ذلك بسيئات قد تقع من الإنسان فتمحو هذه الحسنات. ولهذا كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: أنهم وجلون ليس لأنهم عاصون وإنما هم وجلون من أعمالهم الصالحة خوفًا عليها أن لا تقبل أو أن تُحبط وإذا كانوا هم يخشون على عملهم الصالح من هذا فما تظن من قضية العمل السيء أو المعاصي فسيكونون أكثر وجلًا أشد خوفًا وأعظم حذراً.

بين الله عز وجل بعد ذلك أن هؤلاء هم الوارثون:( أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ(10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(11)المؤمنون) وهذا أعظم جزاء، ووراثة الفردوس الأعلى في جنات النعيم حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

الجزء الثاني في السورة هو الحديث عن أبرز صفات الكافرين وخسرانهم وهذا الحديث أكثر من الحديث عن أهل الإيمان. نذكر بعض المعالم لهذه الصفات: من أعظم الصفات في الكفار التقليد الأعمى وهذا التقليد الأعمى كان هو الحاجز بينهم وبين الهداية والإيمان (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) المؤمنون) الجواب (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ(24) المؤمنون) نسوق هنا قضية التقليد (مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ)[المؤمنون:24]، الأصل حينما الله عز وجلّ ركّب في هذا الإنسان العقل أليس لأجل أن يستعمله فإذا كان هو يلغيه لعقل أبيه أو جدّه أو قومه فما فائدة العقل؟! لكنهم هنا ذكروا أشياء أخرى (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ)[المؤمنون:24] الغريب أن يقلبوا النعمة نقمة، من نعمة الله أن يكون الرسول من البشر لأنه أقرب إليهم وأعرف بهم ويشاركهم في كثير من الأشياء ويسهل التواصل معه والاقتداء به، لو كان ملكاً لكان هناك استغراب من أن يكون ملكًا.

الشيء الثاني: الطعن في النيات (يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)[المؤمنون:42]، هذا الرسول الذي جاء يريد منزلة وهذه المنزلة هي بدعواه الرسالة، وهذا اتهام لا دليل عليه، بل على العكس الأنبياء في سيرتهم تحملوا الشيء الكثير والكثير ولا يريدون من وراء ذلك شيئا.

ومن صفات الكفار الترف والنعيم وهذا الترف وهو النعيم أحياناً يصرف الناس عن الجد، والتفكير عملية جادة فالمترف أحيانًا مسترخي حتى عن التفكير، هو أصلًا مستغرق في لذاته وشهواته  (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ)[المؤمنون:33].

صفة ثالثة: اتباع المقاييس التي يتوارثونها، طبعا فرق بينه وبين الصفة الماضية أنه مجرد محض اتباع لكن هذا أيضا فيه استعمال مقاييس لكنها أيضا مقَلد فيها. (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ(33) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ(34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ(35) المؤمنون)، مجرد استبعاد، (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ(36) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ(37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) المؤمنون)، الغريب مع هذه المقاييس الوَرَع الكاذب الادّعاء بأن هذا يفتري على الله الكذب، وكأنهم هم الصادقون في التعبير عن الله عز وجل، هذه هي مقاييسهم!

أيضاً من الصفات الأخرى الاستكبار والعلو، والاستكبار والعلو هو حقيقة كثير ما يصد النفس عن الانقياد للحق (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ(45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ(46)المؤمنون). الاستكبار يسد منافذ العلم يسد منافذ الهداية يسد منافذ التفكر يسد منافذ الاعتبار فهذا المستكبر العالي أصلًا يرى أن الحجة أقل منه وليس له أصلًا حاجة حتى في التفكير فيها والنظر فيها.

والصفات التي ذكرت كثيرة في هذه السورة منها: كفران النعمة، الإقرار بالربوبية، وإبراز عاقبة، مجموعة أخرى من صفات الكفار هؤلاء القوم الخاسرون.

سورة النور

سورة النور جاءت لمقصدين المقصد الأول حفظ العرض وحفظ المجتمع في طهارته والبعد عن الفاحشة وإشاعتها والرذيلة، وهذا أخذ تقريباً أكثر من نصف السورة ثم جاء ما يتعلق بحفظ الإيمان ثم عادت السورة في سياقها للبداية.

نبدأ بالمقصد الأول وهو حفظ الإيمان في النفوس، الله عز وجل ذكر أن الحق سبحانه وتعالى يسبح له هذه المخلوقات كلها تسبح لله عز وجل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ(43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الأَبْصَارِ (44) النور) إن في ذلك لعبرة، فالله عز وجلّ حينما يسوق هذه الآيات في هذا الكون يسوقها لأجل أن تكون عبرة وعظة ثم أيضاً (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) النور) الإيمان لا يعلو ولا يثبت ولا يستيقن إلا بمثل هذه المشاهدات الإيمانية المشاهدات الحية التي تثبت الإيمان في قلب العبد المؤمن.

الله عز وجلّ ذكر في السورة معنى مهم جدًا وهو استخلاف الإنسان في هذه الأرض هذا الاستخلاف المقصود به عمارة الأرض بعبادة الله عز وجلّ ولهذا قال الله عز وجل (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) النور) أنت وُجدت في هذه الأرض خليفة لأجل أن تعمرها فحينما يمكن الله عز وجلّ لك في هذه الأرض وحينما يجعلك خليفة فلتقم بعبادة الله عز وحل ولتقم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولتقم بالإحسان إلى الخلق ولتشيع الرحمة بين العباد.

معنى آخر رُسم في صورة بديعة جداً: الإنسان سيعمل في الدنيا وسيرحل منها لا محالة لكن فرق بين من يكون عمله هذا مدّخرًا له بل يجده منمّى مكثّر مبارك فيه وبين من تضمحل هذه الأعمال وتكون هباء، الله عز وجل يقول (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (34) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ(40) النور) كل الناس آمنون، كل بني آدم في كبد وعمل لكن فرق بين عمل تجده وبين عمل تجد عقوبته فكل ما يعمل الكافر حتى من أعمال الحسنات البر الله سبحانه وتعالى يكافئه عليها في الدنيا بصحة في بدنه في كثرة في ماله في جاه وسمعة ونحو ذلك لكنه لا يجد شيئا عند الله عز وجل يوم القيامة.

أحد مقاصد السورة الرئيسة في حفظ العرض من خلال مجموعة من التشريعات في السورة:

أولاً: السورة بادئ ذي بدء تحدثت عن خلق سيء ومعصية كبرى وهي معصية الزنا فرض الله عز وجل فيها الحد وأمر بأن لا يكون عندنا رحمة تمنع من إقامة هذا الحد، ليس لأن الإسلام ليس فيه رحمة بل الإسلام كله رحمة، ولكن الرحمة في هذا الموطن التي تمنع من إقامة الحد رحمة غير محمودة (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ(2) النور) هذه الشهادة مع أن الأصل في الشريعة الستر مطلوب لكن هنا مقصدان مقصد الستر ومقصد الردع فلما كان مقصد الردع هو المقدّم هنا غلّب على الستر وطلب أن يشهد هذا العذاب طائفة من المؤمنين.

الشيء الثاني: الله عز وجل حمى الأعراض في مسألة الزنا يعقاب الزاني لكن أيضاً إذا كنا نريد طهارة المجتمع بمعاقبة الزناة والزواني فليس معنى ذلك أن تستطيل ألسنتنا برمي الناس بهذه الفاحشة لمن لم يفعلها، ولهذا كان عقوبة من تجرأ على هذا الفعل أيضاً عقوبة بليغة (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(4) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) النور) هذا في الأعراض لا يجوز باي حال من الأحوال. ولهذا قضية ثبوت الزنا بالشهادة ما حدثت في التاريخ وما تحدث، شبْه مستحيلة، لذلك الذين يرمون المحصنات إذا رمى فإنه سيكون على وَجل لأنه لن يكون معه ثان وثالث ورابع وبالتالي سيجلد، والأمر الثاني تحريم إشاعة الفاحشة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ(19)النور) هذا معنى كبير جداً، وقضية الرمي بالزنا هي واحدة من وسائل إشاعة الفاحشة وتهوينها، الكلام عن هذه الفاحشة هو من إشاعتها، المناقشة السيئة هي من إشاعتها، حضّ الناس على هذه الفاحشة هو من إشاعتها، نشر هذه الصور السيئة وتمكين الناس من رؤيتها هذا من إشاعتها (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)[النور:9] وبالمناسبة نحن في هذا الشهر الكريم  يجب أن يكون شهر الطهر والعفاف وأن نبتعد عن أن نكون سببًا في إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.

الله عز وجلّ ذكر في السورة تلك القصة المؤلمة حادثة الإفك التي رُمي بها عِرض النبي صلى الله عليه وسلم، والله عز وجلّ أنزل من سمائه طهارة عِرض النبي صلى الله عليه وسلم، وأدّب المؤمنين وتوعّد الذين ولغوا بألسنتهم (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)[النور:11] ووجه الخيرية شرعية معالجة هذا الأمر (لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[النور:11] حينما تشاع عندنا ثلاثة أشياء:

أولاً: أن يظن الإنسان بإخوانه وأخواته المؤمنين الخير (وْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا)[النور:12] انظر إلى هذه اللفتة: أنت لما تظن السوء بأخيك فأنت تظن السوء بنفسك.

الشيء الثاني: (لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) النور) الإثبات والأدلة.

الأمر الثالث: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)[النور:15] وهذا تهديد (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ)[النور:15] هذا عظيم لا يجوز أن نتلقف هذا كأنه خبر مفرح ننقله فيما بيننا.

أخيراً قول الله عز وجلّ (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ(16) النور) تظنّ الظنّ الحسن وتطلب الأدلة والاثباتات، الشيء الثاني تكفّ لسانك: (مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)[النور:16] ولهذا يقول الله عز وجلّ بعده مهددًا (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(18)النور)

هذه زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت براءتها من السماء، فكيف لأحد من الناس أن يتكلم في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! والنبي صلى الله عليه وسلم وقف حتى نزلت هذه التبرئة وهو نبي وهو لا يُحابى صلوات الله وسلامه عليه، فبقي متربصًا حتى جاء هذا الخبر من السماء بهذه التبرئة فكانت طاهرة نقية بريئة برّأها الله عز وجلّ برآءة إلهية لا يمكن أن يثور حولها شكّ ولا أن تحوم حولها ريبة.

سؤال الحلقة: اذكر مقصدين من مقاصد سورة النور

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل