دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة الخامسة

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة الخامسة:

توقفنا في اللقاء السابق عند قول الله تبارك وتعالى (اهدنا الصراط المستقيم) وقلت أن الفعل هدى الذي منه الأمر (اِهدِ) يتعدى إلى مفعوله إما باللام فيكون بمعنى التوفيق وإما بـ(إلى) فيكون بمعنى الدلالة والإرشاد وهاهنا حذف الله حرف التعدي (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾) وحذف حرف التعدي للإشارة إلى أن (اهد) هاهنا تحتمل كل معاني الهداية بمعنى أن الله يعلمنا أن نطلب منه وحده كل أنواع الهداية هداية الدلالة والإرشاد هداية التوفيق، إلى آخره. لكن هناك قول وأنا أريد أن أعطيكم كل المعلومات بالأسلوب السهل البسيط: قول يرى أن الفعل هدى هاهنا تعدى بنفسه إلى المفعول (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾) فلم يحتج إلى حرف جر وقيل أنها لغة الحجاز ولغة أهل الحجاز أن الفعل متعد بنفسه. إذن عندنا قولان:

·         أنه متعدٍ بحرف جرّ ومحذوف

·         وقيل هو متعدٍ بنفسه.

فما الفرق؟ لأنه لا توجد قاعدة ولا يوجد أبدًا حكم بدون أن يكون هناك فرق في المعنى. قالوا أن الفعل اهدنا إذا كان متعديًا بنفسه فمعناه أنه في حق المهتدي الذي قد سار في طريق الهداية ويريد المزيد من الهداية فهو لا يحتاج إلى حرف جر لأنه في طريق الهداية في الأصل وهو سيدعو بهذا الدعاء وسيقرأ تلك الآية. فعندما يتعدى الفعل بنفسه فهو في حق من كان في طريق الهداية ويطلب الاستمرارية ويطلب المزيد من الهداية. ويبقى قول القائل بأنها متعدية بحرف الجر المحذوف وهذا في حق البعيد عن الهداية لأن هناك أناس كثر يكادون يكونون مسلمين بالهوية أو بوجودهم في المجتمع المسلم ولذلك عندنا في قول الله تعالى (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158) الأنعام) هذه النفس ذكر الله أنها عند النفخ في الصور وعند قيام القيامة لا ينفع نفسٌ إيمانها لكن بعد ذلك ذكر نوعين من الأنفس: النوع الأول (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ) النفس الكافرة التي لم تكن آمنت من قبل، هذه النفس الكافرة التي لم تكن آمنت من قبل  فعندما تأتي بعض آيات الله لا ينفع تلك النفس الإيمان. والنفس الثانية (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا) هذه نفس مؤمنة لكنها مؤمنة إيمان لغوي بمعنى أنها لم تكسب الخير قط في إيمانها، لم تفعل الخير قط في إيمانها. إذن هذا أمر ينبغي أن نحذر منه ونحذّر من هم تحتنا أو يعيشون معنا فلنحذّرهم من هذا أن هناك نفس مؤمنة سوّى الله بينها وبين التي لم تكن قد آمنت من قبل وأظن تلك النفس يوجد منها أنواعًا كثيرة.

إذن (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾) إذا قلت أن الفعل تعدّى بنفسه يعني نصب المفعول مباشرة فمعنى ذلك أن الهداية هنا في حق من هو في طريق الهداية إلا أنه يطلب المزيد أما إذا تعدت بحرف الجر فتكون في حق من هو بعيد عن الهداية ويطلب إنشاء الهداية له، هذا على قول من يرى أن اهدنا لم تحتاج إلى حرف جر.

الصراط: أصل كلمة الصراط بالسين من سرط وقلبت السين صادًا وقيل إنها لغة الحجاز أيضًا لمجاورتها الراء المستعلية والطاء المستعلية المطبقة فقلبت السين صادا وفي لغة تشمّ الصاد صوت الزاي ومنها قرآءة متواترة (الزراط) إذن السراط من سرط - وسنعود لمعناه بإذن الله - بعد أن نبين أن هناك صراطًا وهناك سبيلًا وهناك طريقًا. الثلاثة تكاد تكون دالة على الطريق لكن بينها فروقات دقيقة، بالنسبة للكلمات التي يرى البعض فيها ترادفًا كلمة تكون دالة على المعنى الأصلى والكلمات الأخرى تدل على المعنى الأصلي ومعنى زائد. الصراط هو بمعنى الطريق السهل الطريق المستسهل الطريق الواسع الذي يسير الإنسان فيه بسهولة. السبيل طريق واسع لكنه يكون في الغالب بين جبلين كما قال الله تعالى (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴿٢٠﴾ نوح) إذن هو طريق لكنه بين جبلين وبالتأكيد الطريق الذي بين جبلين لن يكون طريقًا واضحًا جليّا ولذلك لم يوصف السبيل بالمستقيم أبدًا، الصراط طريق سهل ممهد أما السبيل فهو طريق بين جبلين حتى لو كان واسعًا حتى لو كان ممهدًا لا يمكن أن نصفه بالسهولة ولا يمكن أن نصفه حتى بالوضوح ولذلك لم يوصف السبيل في القرآن بالسبيل المستقيم. الطريق كل ما يطرقه الإنسان بقدميه فهو طريق، الطريق يحتمل هذا ويحتمل ذاك لأن الطريق كل ما يطرقه الإنسان بقدميه، هناك أحيانًا في بعض الجبال إذا سار عليها أناس كثر يعملون طريقا صغيرا يكاد يأخذ قدمي الإنسان مع الضيق هذا يسمى طريق. ولذلك على لسان الجن في قول الله تعالى (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٢٩﴾ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٣٠﴾ الأحقاف) لم كان التعبير هاهنا بالطريق مع أنه موضع صراط؟! وخاصة أنه وصف بالاستقامة؟ فلماذا كان التعبير بالطريق؟ يريد الجن أن يقولوا إنه يسير على نفس الطريق الذي طرقه موسى، هم ضربوا المثل بموسى وقالوا (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) وإلى نفس الطريق المستقيم الذي طرقه موسى من قبل والله أعلم.

الصراط أصل معنا من بلع الطعام ابتلاع الطعام، عندما نفكر في ابتلاع الطعام نجد أن البلع بالنسبة للإنسان وهو يأكل قد تصادفه بعض الشوائب مثلًا حاجة في الأرز، حاجة في اللحم، ماذا يفعل الإنسان؟ ينقّح الأكل من تلك الشوائب أم يأكل الأكل بشوائبه؟ ينقّحه. فالله تبارك وتعالى يريد أن يشير بأن صراط الله المستقيم هو واضح بيّن سهل ولا يحتاج أبدًا إلى شيء لكن قد تقوم بعض الشُبه وبعض البدع التي قد تظهر في وقت من الأوقات فانتبه ولا بد أن تنقّح هذا الصراط الذي تسير عليه. إذن كلمة صراط لها دلالة هاهنا. لِمَ نعته الله بكلمة المستقيم؟ (الصراط المستقيم) الصراط تعني الطريق السهل الواضح، المستقيم تعني الطريق الواضح الاستقامة البيّن وصفه بعض العلماء أنه لا اعوجاج فيه ولا نتوءات فيه وطريق ليس فيه بنايات، مباني عالية التي تجعل الطريق ضيقًا أحيانًا أو تجعل الرؤية تكاد تكون إلى مسافات قصيرة جدًا فطريق الله المستقيم لأنه طريق واضح بيّن كالطريق الذي لا بناية فيه بحيث لا يؤثر على السائر فيه، هذا هو صراط الله المستقيم. وصراط الله المستقيم هو الوسطية التي يتحدثون عنها في الإسلام لأن كلمة وسط تعني البينية بين شيئين هذا معنى من معانيها، الوسطية أمر بينيّ بين شيئين، هذا طويل وهذا قصير والوسطية وسط في المنتصف فهل الوسطية في الإسلام أني أجد هذا يقول هذا حلال وهذا يقول حرام وأنا آخذ حكما وسطا بينهما؟ أو هذا يقول حرام وهذا يقول مكروه فأنا آخذ حكمًا بينهما؟! لا، الوسطية في الإسلام هي صراط الله المستقيم الذي أنزله الله تبارك وتعالى منهج الله هو الوسطية وليست وسطية مطلوبة منا ننشئها والدليل في القرآن الكريم لو قرأتم قول الله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٤٢﴾ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)[البقرة] الواو العاطفة، كما أنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) الوسطية تعني صراط الله المستقيم.

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾)

صراط الذين أنعمت عليهم لماذا أجمل الله تعالى أولًا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾) ثم (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾) على اعتبار صراط الثانية بدل من الصراط الأولى فلماذا لم يقل الحق مباشرة اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم؟ لفائدتين:

الفائدة الأولى: لبيان كون المهدى إليه وسيلة للنجاة وسيلة واضحة سهلة سمحة، صراط الذين أنعمت عليهم هذا صراط واضح وبيّن وسهل هذا مِن نعته بالصراط المستقيم. (استطراد: هذا غير اللفّ والنشر، اللف والنشر يكون هناك اسمين أو ثلاثة ثم تلفّهم ثم تنشر صفاتهم، مثلا طالب محمد وأحمد وعلي، محمد بتصف بالصدق، أحمد يتصف بالذكاء وعلي يتصف بالأمانة فالمفروض أن أقول محمد الصادق وأحمد الذكي وعلي الأمين في اللف والنشر تقول محمد وأحمد وعلي الصادق الذكي الأمين، تنشر الصفات الثلاث ثم ما ذكر أولا يأخذ الصفة الأولى وهكذا على الترتيب وهناك لف ونشر غير مرتّب. اللف والنشر المرتب موجود في القرآن وغير المرتب موجود قليلًا.)

ثم ذكر الإجمال لما قال اهدنا الصراط المستقيم ثم قال صراط الذين أنعمت عليهم على البدلية تكرار كلمة الصراط يدل على أن هذا الصراط محبب لقلوب عباد الله المؤمنين، هذا الصراط الواضح السهل محبب إلى القلوب ووقوعه مؤكد، اتباعه مؤكد من عباد الله المؤمنين لأن تكرار الفعل أو تكرار الكلمة البعض يظن أنه لمجرد التوكيد -وأظن أني تكلمت عن ذلك سابقًا – دعونا نسير وراء القاعدة في تكرار الفعل أو تكرار الكلمة ودلالاتها في المعنى بخلاف التوكيد. في قول الله تعالى في صفات عباد الرحمن (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [الفرقان: 72] إعادة الفعل (مروا) له دلالات غير مجرد التوكيد دلالاته إلى أنه يشير أنهم مروا بالفعل ومروا باللغو ملابسين له ومصاحبين له إلا أنهم مروا مرور الكرام. هم مروا ولذلك حتى الفعل (مرّ) في القرآن يتعدى بحرفين وفي كل مرة له دلالة في المعنى. عندنا (مرّ على) (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) [هود: 38] دلالتها أن مرورهم كان سريعًا، ليس فيه مكث طويل وفيه استعلاء وتكبّر (وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) يوسف) وفي قصة نوح (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)[البقرة: 259] لأن هذا الرجل قال (قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) كأنه استبعاد منه وكأن هناك لمحات تكبر في كلامه. أما كان من الأولى أن يكون المرور على اللغو النسبة لعباد الرحمن يكون: "وإذا مروا على اللغو"؟ يكون فيه تكبر واستعلاء على اللغو يعني عباد الرحمن ينبغي أن يستعلوا على اللغو، واللغو كل كلام لا فائدة فيه يسمى لغوًا. تعالوا نفتش كم نتكلم من الكلام الذي لا فائدة فيه في اليوم؟ كم كلمة نتكلمها لا فائدة فيها تضيع وقت الإنسان وكثير من الناس يتصل هاتفيًا بعد أن يتكلم مسافة ماذا تريد؟ يقول انتظرني، تقول ما طلبك؟ وينصرف الكلام إلى الكلام القبيح وهو اللغو يصرفه العلماء في الغالب إلى الكلام القبيح ولذلك رب العباد جعل اللغو في مرحلة الترقي للمؤمن (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ المؤمنون) (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) [القصص: 55] والأكبر من ذلك أن الله سبحانه وتعالى نفى عن أهل الجنة سماع اللغو قال (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴿٣٥﴾ النبأ) اللغو كلام، نفى الله عن أهل الجنة سماع اللغو والكِذّاب والكِذَاب والتأثيم أربعة اشياء نفاها عن أهل الجنة. رب العباد ينفي عن أهل الجنة ما فيه الأذى. إذن ذكره الله في القرآن ونفاه عن أهل الجنة ليقول لنا انتبهوا هذا يؤذي إخوانكم المسلمين فلا ينبغي أن تتصف به. الكِذّاب (بالتشديد) هو التكذيب والكِذاب (بالتخفيف فيها قرآءة (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَابًا ﴿٣٥﴾) هو الكذب، والتأثيم هو أن تؤثّم غيرك أو يوثّمك غيرك بمعنى واحد جالس يقرأ في كلام الله أو يذكر الله ويستغفر ويسبّح فإذا بمن يأتي يجلس بجواره يقول له ما سمعت وما علمت فلان طلّق وفلان تزوج وفلان فعل كذا؟ فقد أثّمه جعله يرتكب إثمًا، على الأقل أسمعه ما فيه غيبة لإخوانه ثم أوقفه عن الذكر والتسبيح أثّمه أبطأ عنه الأجر، هذا التأثيم ولذلك أنصح دائمًا في أماكن العبادة أن لا تصلي بجوار من تعرف إذا ذهبت إلى الحرمين الشريفين مثلًا لا تصلي بجوار من تعرف ولا تجلسي بجوار من تعرفين لأنه لن ينقطع الكلام، كلما صليت ركعتين وسلّمت ذكر لك كلامًا، هذه أمور مجرّبة وبالضرورة سيعطّلك، سيقول لك كلاما أنت لا تحب أن تسمعه. إذن نفى الله عن أهل الجنة تلك الأشياء حتى لا نقع نحن فيها.

إذن (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾) أيضًا في قضة التكرار في قول الله تعالى في صفات المنافقين أعاذنا الله وإياكم (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ) [النساء: 142] تكرار (قاموا) يظن البعض أنها لمجرد التوكيد، لا، إنما هي للتوكيد ولإفادة معنى آخر (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا) يشير الله أنهم يقومون إلى الصلاة ولذلك البعض يظن أن المعنى وإذا قاموا إلى الصلاة تكاسلوا، لا، قاموا قيام الكسلى، يريد الله أن يخبر بقيامهم إلى الصلاة لكنه قيام الكسلى! تعالوا ننظر إلى الناس في هذا الزمان: بعض الناس لا يقوم إلى الصلاة البتة بل قد يكون جالسًا على درج المسجد ولا يدخل للصلاة، ما هذا الذي يفعله الناس؟!. إذن تكرار الفعل أو الكلمة له دلالات لا بد أن نكون على علم بها. إذن (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ).

(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) لماذا أتى بالاسم الموصول ثم بالجملة التي تسمى صلة الموصول (أنعمت عليهم) وأتى بها بصيغة الفعل الماضي (أنعمت). الاسم الموصول: الذي، الذين، التي، هذا الاسم فيه افتقار وإبهام، لو قلت الذين وحدها فكلمة (الذين) مبهمة ومفتقرة إلى جملة توضح معناها، يكون معي إبهام ثم معي بعد ذلك توضيح لهذا الإبهام (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ولم يقل صراط المنعم عليهم حتى لا يُفهم أن هناك عبادًا لله أنعم الله عليهم وانتهى، لا، إنما الذين أنعمت عليهم تدل على أن هناك في كل زمن من ينعم الله عليه وقرآءة أهل الزمان التالي تشمل كل أهل الأزمنة السابقة. عندما نقرأ الآن (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يعني يا رب من أنعمت عليهم في كل الأزمنة السابقة حتى من ماتوا قبلنا سواء من قريب أو من بعيد فكل من أنعم الله عليه أقول يا رب اهدني إلى هذا الصراط الذي قد أنعمت على كثير من عبادك. وكأن الهداية نعمة من الله أنعم الله بها عليك ولأن الله أنعم عليك بتلك الهداية عليك أن تكون لله شاكرًا على الدوام. (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ونحن في هذا الزمان من يأتي بعدنا سيقرأ تلك الآية فيشملنا (الذين أنعمت عليهم) إذا كنا من أهل من أنعم الله عليهم.

(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾)

غير المغضوب عليهم مع أنه يفهم من أنعمت عليهم أنهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين. لكن أراد رب العباد أن يعلمنا أن ندعوه بهذا الدعاء: يا رب اهدنا الصرط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. البعض يقول إن المغضوب عليهم هم اليهود والضالون هم النصارى، أقول لا تنحصر المسألة في هؤلاء ولا في هؤلاء فقط وإنما هم من جملتهم لأن فيهم تلك الصفات. من هم المغضوب عليهم؟ هم من يعرفون الحق ويتركوه، من غضب الله عليهم هم كل من عرف الحق وتركه، ضابط بسيط وسهل: عرف الحق وتركه. من هو الضالّ؟ هو الذي عرف الحق فحرّفه فضلّ. الذي يعرف الحق ويتركه هو من المغضوب عليهم والذي يعرف الحق ويحرّفه هو من الضالين. وهكذا انتهت سورة الفاتحة ونريد أن نبدأ من أول سورة النبأ.

سورة النبأ

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾) السورة تبدأ بهذا الاستفهام والاستفهام دائمًا يكون للتشويق وللإثارة ولذلك الغالب في القصص أن يبدأه الله بالاستفهام (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٤﴾ الذاريات) (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦﴾ الفجر) (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿١﴾) (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿١٥﴾ النازعات) الله يعلم أنه لم يأتيه لكنه أسلوب إثارة كمن يخبرك بخبر، عندما يقول لك فلان مسافر غدا بخلاف من يقول لك: هل علمت يا فلان؟ ماذا؟ بسفر فلان غدا. الأمر فيه تشويق وإثارة.

(عمّ) مكونة من كلمتين: (عن) حرف الجر الذي يفيد التجاوز و(ما) الاستفهامية لكن عندنا قاعدة في (ما) الاستفهامية. (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر فإنه يحذف ألفها أي (ما) استفهامية يدخل عليها حرف جر تحذف ألفها (فلينظر الإنسان مم خلق) (فناظرة بم يرجع المرسلون) بخلاف لو اقترنت (ما) بـ(ذا) (ماذا) لا يحذف ألفها. إذا كانت (ما) وحدها يُحذف ألفها وفي الوقف نحن نقف باتباع الرسم ["وقِف لكلٍّ باتّباع ما رُسِم" كلام ابن الجزري في طيبة النشر] والقراء لأنه في اللغة يعوضون عن الألف المحذوفة في الوقف هاء السكت، في اللغة يقفون (عمّه) لكن في القرآن الكريم لم ترد تلك القرآءة إلا عن البزّي لابن كثير ويعقوب (عمّه) هاء السكت. إذن نحن نتبع ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح فنقف (عمّ).

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾) التساؤل تفاعل ومعنى التفاعل أنه يكون بين شخصين هذا يسأل هذا وهذا يسأل ذاك، هذا التساؤل. لكن صيغة التفاعل قد تكون من طرف واحد لكن قُصِد بها المبالغة فهاهنا هم بالطبع كانوا يتساءلون سؤال استهزاء أو تعجب لأنهم في الأصل يكذّبون لكن (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾) (يتساءلون) الواو هاهنا واو الجماعة وهذه تقع فاعلًا فلا بد أن يكون لها مرجع تعود إليه، واو الجماعة هنا تعود على من؟ ليس هناك آية قبلها، لكنها تعود على المشركين المكذّبين بالبعث وتجد سورة المرسلات قبلها تكرر فيها كثيرًا (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) فالله تبارك وتعالى يستفهم هاهنا (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾) عن أي شيء يتساءل هؤلاء؟! والاستفهام هاهنا فيه إنكار وتعجّب. إذن (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾) الله تبارك وتعالى يجيب على هذا السؤال لأن السؤال عندما يُسأل لا بد أن يكون له غرض فما غرضه؟ هل السؤال هاهنا في طلب الفهم منهم؟ يعني هل يسألهم الله هذا السؤال حتى يجيبوا؟ لا طبعًا، ولذلك الله تعالى يجيب (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾).

ما النبأ؟ عندنا خبر وعندنا نبأ، الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، يعني لذات الخبر وليس لذات المتكلم بمعنى أن له واقعًا، الخبر معناه أن له واقعًا تستطيع أن تتبين منه، يعني عندما أقول لك أخوك سافر إلى مكة المكرمة تستطيع أن تتصل به وتسأله فإذا كان قد سافر فالخبر صادق وإذا كان لم يسافر فالخبر كاذب دون أن تصف المخبِر بالصدق أو الكذب أنت لا تتحرى الصدق أو الكذب في المخبر، أنت تتحرى الصدق والكذب في الخبر لذلك يقولون الخبر كلام يحتمل الصدق أو الكذب لذاته فقط. النبأ خبر لكنه لا يحتمل إلا الصدق فقط ولذلك نجده هو المستعمل في القرآن الكريم دائمًا (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) [الأعراف: 175] (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) الشعراء) إذن النبأ هو خبر لا يحتمل إلا الصدق.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل