تفسير سورة البقرة - المجلس الثاني عشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الثاني عشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

ثم بين الله U المحرمات التي حصرها ) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ( الحصر هنا) إِنَّمَا (للحصر، فهو ما حرم إلا شيئاً يسيراً، ) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (. قد يسأل سائل فيقول ليست هذه المحرمات فقط في الشرع فكيف حصرها الله تعالى هنا؟ هنا حصر إنما حرم عليكم كذا، وكذا، وكذا فقط ما سواها مباح، فأين الخمر؟ وأين الأمور المحرمة الأخرى؟ نقول وهي لفتة مهمة أن الله U حرّم هنا وبيّنأصول المحرماتالتي استباحها المشركون من الطيبات، وهي المتعلقة بجناب التوحيد، هذه مهمة في معنى هذه الآية. يعني هذه المحرمات هي التي أحلها المشركون وهي محرمة في دين الله وهي متعلقة بالعقيدة والتوحيد، إظهاراً لكمال الشريعة ورداً على المشركين وتعريضاً بهم. فهي ليست جامعة للمحرمات، وإنما هي للأصول المحرمات المستباحة المتعلقة بالعقيدة.

المراد بالمحرمات المذكورة في هذه الآية ؛ أولاً هو ذكر الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله. فأما الميتة فهي كل ما مات دون ذكاة مما له نفس سائلة - يعني له دم - واستثنى منها ميتتان، ما هما؟الحوت والجراد، فالحوت هي السمك، والجراد هذا يجوز أكل ميتته، بمعنى لو وجد الإنسان سمكة على الشاطئ قد قذفها البحر فيجوز أكلها وإن لم يصيدها وكذلك الجراد. أما وجه تحريمها (الميتة) فالله أحكم وأعلم، فهو العالم بحقيقة ما يصلح للأبدان، أبدان بني آدم وما لا يصلح، ومما يظهر من حكمة هذا ما فيها من وصف الخبث، ولهذا فإن الطباع السليمة تستقذرها، تستقذر الميتة فهي مقابل الطيبات، وأيضا غلبت الضرر فيها؛ فإما أن تكون هي ماتت بمرض سابق أو بعلّة عارضة وكلاهما لا يؤمَن ضرره، والموت المفاجئ يقتضي بقاء بعض الأشياء الضارة في الجسم.

أما الدمفهو المقصود به الدم المسفـوح، لتقييد الآية بآية أخـرى في قوله: ) أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا (في سورة الأنعام، أما وجه تحريمه فالله تعالى أعلم، والذي يظهر في ذلك أن فيه الخبث من حيث أنه مما تستقذره النفوس عادة، لاحظوا تستقذره النفوس فليس من الطيبات، ثم أيضاً لماذا خص الدم المسفوح؟من يذكر هذا؟ فيه علة ؛ خص الدم المسفوح لأن ضرره ظاهر من حيث أن شربه يورث ضرارة أو ضراوة وفورانا في الإنسان فتغلظ طباعه، ويصير كالحيوان المفترس وهذا منافي لمقاصد الشريعة لأنها جاءت لإتمام مكارم الأخلاق والسماحة واليسر والرحمة وإبعاد الإنسان عن التهور والهمجية والصفات البهيمية ولذلك قيد بالمسفوح لأنه في حال هيجان وحرارة وكثرة لو تناوله الإنسان لظهر أثره في ذلك. لا شك أن الدم المسفوح فيه هيجان وقت الذبح تجد الذبيحة في غاية ضراوتها وهيجانها فالدم يخرج منها بهيجان، فهذا والله تعالى أعلم سبب ذلك، وشيخ الإسلام يبين هذا يقول: حرم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى النفس البشرية الشهوية الغضبية وزيادته توجب طغيان هذه القوى وهو مجرى الشيطان من البدن [1]، كما قال النبي e: « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » [2] فحُرِم لذلك.

أما الخنزيرفهو حيوان معروف، ووجه تخصيص لحمه مع أن سائر أجزائه في حكمه باتفاق العلماء لأن المقصود منه الذين يحلونه لحمه، فحرم لحمه وخصه ولأن معظم الانتفاع متعلق به، وأما تحريمه فلأسباب الله سبحانه وتعالى أعلم بها منها أنه خبيث من حيث أنه يتناول القـاذورات، كل من اغتذى بجسم وبجسمانية نجسة فهو يحـرم أكله، كما أن فيه (أي الخنزير) من الطبائع الدنيئة الذميمة مما ليس في غيره فلذلك حُرم على من حافظ على نفسه من ذميم الأخلاق، فأخلاق الخنزير أخلاق ذميمة، فهو يرضى ويقر الوقوع على أنثاه ولا يأكل إلا الخبائث أو في عادته يأكل الخبائث.

وأما ما أهلّ لغير اللهفهذا ظاهر لأنه ذبح لغير الله عز وجل، وُجِّه لغير الله تعالى فكان خبثه خبثاً معنوياً لتأثيره على النفوس والأخلاق، أُهِل لغير الله كان ذلك تعلقًا بذلك الإله، وحفظ لمقام التوحيد الذي أمر الله U بحفظه. فهذه دلائل حصر هذه المحرمات.

ثم قال الله:) فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (من اضطر إلى أكل هذه - وهذا من توسيع الشريعة أنه لم يحرمها قطعاً وإنما حرمها في الأصل، فمن اضطُر إليها غير باغ يعني غير متعمد فلا حرج عليه، فغير باغ عن الحكم ولا عاد متعمد عليه فلا إثم عليه.

ثم قال الله:) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (هذه هي غرض الآيات السابقة) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ( لكن تلك في توَعّد على التكذيب وهذه على التكذيب في التشريع، تلك على التكذيب فيما أمر الله تعالى به اتباعه، وهذه في التكذيب على ما شرعه الله U من الشرائع، فلذلك اجتمع هنا التهديد للمكذبين في الأصل والمكذبين للشرع.

) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (وهذا تأكيد في جزائهم في الآخرة، ثم ذكر الله I خاتمة الجزء الأول من السورة،السورة افتتحت بالحديث عن القرآن واختتم الحديث في الجزء الأول عن القرآنبقول الله U بعد هذا البيان وهذا التبيين والتوضيح قال الله: ) ذَلِكَ (كله لأن ذلك قد تشير إلى ما قبل الآية والله أعلم أو تشير إلى السورة كلها، وهذا من أساليب القرآن في تعدد المعنى، ذلك البيان) بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ (أي بعد ذلك) لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (فهو هنا قد فصل الحديث معهم وانتهى الأمر، قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، فمن أراد أن يؤمن فليؤمن ومن أراد أن يكفر فليكفر فهو في شقاق بعيد وسيلقى جزاءه عند الله U، فهذا وجه ختام هذا القسم الذي قلت لكم، وهو قسم في تأسيس العقيدة وقسم في تأسيس الشريعة، فهذا نهاية القسم الأول.

ثم نبتدئ الحديث ولعل القارئ الكريم يسمعنا الآيات) لَيْسَ الْبِرَّ (إلى آية الصيام.) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) (

هذه الآية التي افتتح الله تعالى بها القسم الثاني من السورة، آية والله عظيمةوهيتسمى آية البر،قول الله تعالى: ) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (ثم قال: ) وَلَكِنَّ الْبِرَّ (هذه الآية جمعت ثلاثة أصول، جمعتثلاثة أصول: أصول الإيمان، وأصول الأعمال، وأصول الأخلاق،يعني جمعت الدين كله، تأملوا معي هذه الآية، أولاً غرضُها، جاءت هذه الآية كالحلقة ؛ حلقة الوصل بين القسم الأول بناء العقيدة والقسم الثاني بناء الشريعةكحلقة الوصل يعني هذه حلقة، ويؤكد ذلك أنها جمعت ما سبقها و جمعت ما سيأتي بعدها في هذه الأصول، أصول الإيمان قبلها وأصول الأعمال والأخلاق بعدها، فتأملوا ذلك جيداً وقد ذكر ذلك بعض الأئمة، قال ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:وهذه الآية عظيمة جليلة القدر من أعظم آي القرآن وأجمعه لأمور الدين. [3]  ليس هذا البيان من شيخ الإسلام بالأمر السهل، لأن شيخ الإسلام ممن رسخ علمه في كتاب الله U، فعرف الآيات التي اشتملت على عظائم في الدين (هذه الآية عظيمة جليلة القدر من أعظم آي القرآن وأجمعه لأمر الدين وقد روي أن النبي e قد سئل عن خصال الإيمان فنزلتوقال تلميذه ابن القيم رحمه الله: [4] (تناولت هذه الخصال في هذه الآية جميع أقسام الدين، حقائقه وشرائعه والأعمال المتعلقة بالجوارح والقلب وأصول الإيمان الخمسة، وأخبر I عن أن هذه أنها هي خصال التقوى بعينها) فما أعظم هذه الآية!! وما أعظم التأمل فيها!!

هذه الآية ابتدأت بالحديث ) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (فهذا يقرر حقيقة عظيمة في الدين ما هي؟ أن الدين ليس مجرد مظاهر ورسوم وإنما هو الإيمان وما يظهر من آثاره في النفس من الأعمال والأخلاق، هذه حقيقة من حقائق الدين، ليس المقصود مظهر، ليس المقصود من هذه الصلاة هي الركوع والسجود والقيام والتسليم، لا أبداً إنما هذه هي هيئة، لكن في داخل هذه الهيئة هي حقيقة الصلاة، وهي هذا القلب الذي يعظم الله ويخشع لله U ويكبِر الله تعالى، فكل مظاهر الدين على هذا الوجه، الدين ليس مظهر فقط، ولذلك لو رأينا إنسان قد أعفى لحيته وقصر ثوبه ليس هذا هو الدين، الدين هو الإيمان والأعمال والأخلاق، فإن كان هذا الرجل قد حمل هذه الصفات الثلاثبما فيه الظاهر، فلا شك أنه قد كمل دينه، أما خلاف ذلك، ولهذا نجد وهي مسألة مهمة، أحيانا تجد من هو ظاهره الصلاح خلاف الواقع والواجب، تجد في أخلاقه قسوة ومخالفة للدين وربما جرأ على محارم الله، لا يحكم عليه بالدين بهذا الوجه، بل والله قد يكون ذنبه أعظم من ذنب الذي ليس ظاهره الصلاح لأن هذا سينسب للدين، لأنه بمظهره الصلاح، فلننتبه لهذا أيها الأخوة فإنه أمر جلي عظيم، قد يلمز بالدين بسبب هذا الرجل الذي قد أظهر صلاحاً في ظاهره، وأخفى في باطنه خلاف ذلك وهذا من صفات المنافقين.

لماذا عبر الله تعالى بالبر هنا عن هذه الأصول كلها؟ لأن البر اسم جامع للخير كله وهو دال على تحقيق الكمال.

قال الله U: ) وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (هذه أصول الإيمان، ثم قال الله عز وجل بعد ذلك في أصول الأعمال:) وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ( هذه أصول الأعمال، قال صاحب المنار[5]ذكر الله تعالى بعد أصول الإيمان أصول الأعمال التي هي ثمرته، لاحظثمرة الإيمان الأعمال، ثمرة الأعمال الأخلاق، ثمرة الإيمان الأعمال؛إذا قوي إيمان الإنسان زاد علمه وثمرة الأعمال يتزكي الإنسان بالأخلاق الحسنة والكمال، ولذلك النبي e بيّن حسن الخلق وفضله في قوله e: « أقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحاسنكمأخلاقا » [6] لأن هذه الأخلاق ما جاءت إلا بأساس ؛ إيمان وعمل ثم أخلاق، فبيّن الله U فضل صاحب الخلق، وأخبر بأن صاحب الخلققد يسبق درجة الصائم القائم[7]، أو كما قال النبي e، فدل على أن الخلق كماله دليل على كمال الأعمال ودليل على كمال الإيمان فليُنتبه لذلك، وليس هو الخلق فقط اللسان في حسن كلامه فقط للناس بينما يوغل في صدره الحقد والحسد، لا، لا بد أن توافق القلب واللسان كله.

قال الله U: ) وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (هذا ملحظ دقيق في قوله: ) عَلَى حُبِّهِ (للدلالة على أن الإنسان يؤتي المال بطواعية ورغبة، يؤتي المال على حبه، فمن آتى المال مع أنه يحبه فلا شك أن ذلك دليل على صدق إيمانه، وبدأ بإيتاء المال لماذا؟ يعني قدمه على الصلاة والصيام، في آخرها قال وأقام الصلاة وأتى الزكاة، لماذا؟ قدم المال لأن أهم أنواع البر المتعلقة بالخَلق بعد الدين، البر بالمحتاجين، المتعلقة بالخلق بعد الدين هو قضاء حاجات المحتاجين، ثم أيضاً أنه من أولى ما ينبغي الاهتمام به بعد الإيمان فيما يتعلق بقيام المجتمع المسلم وتقوية أواصره وعراه هذه السورة كما قلت لكم في تأسيس المجتمع المسلم فقدم هذه الصفة تحفيزاً للنفوس عليها، لأن إقامة الصلاة قد فرضت في مكة فتقديمها هنا لا حاجة إليه، فالحاجة إلى ما يعزز في نفوس المسلمين في بدء نشأة الدولة المسلمة تقوية أواصرهم وتكاتفهم وقيام هذه الدولة.

ثم قال الله U: ) وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى (والمراد بذوي القربى من هم؟ هم الذين يقربون من الإنسان بولادة الأبوين أو ولادة الجدين يعني أصوله وفروعه، أصوله الآباء وفروعه الأبناء، هؤلاء هم ذوي القربى ويدخل في هذا من جانب الأبوين الإخوة والأخوات، والمقصود بهم هنا هم المستحقون للنفقة والحاجة فهم أحوج ما يكونوا في الإيتاء، ولذلك بيّن النبي eأن الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي القربى أو ذي الرحم[8]صدقة وصلة، فأكد ذلك في الحديث عن النبي e، كما أن الإحسان إليهم ذوي القربى يورث مودة وتوثيقاً لأواصر المحبة والقربى، فكل شيء يوثِق القربى بين ذوي القربى وذوي الرحم فهو مشروع في هذا المقصد العظيمالذي رعاه الإسلام في كثير من شعائره، أما الأصناف الباقية وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب فتخصيصهم لأنهم أحوج الناس للكافية لضعفهم وعجزهم وانقطاع أمرهم وحصول سبب دافع لإيتائهم المال، والمقصود الأعظم هو الأمر بإيتاء المال هو رفع شأن هؤلاء وقضاء حاجاتهم وتقوية رابطة المجتمع المسلم التي قصدها الإسلام أصلاً في أصوله في قول النبي e: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداع له سائر الجسد بالسهر والحمى). [9]

وجه ذكر إقامة الصلاة وصلتها بالبر، لماذا ذكر الصلاة؟إقامة الصلاة لأنها الركن الروحي في بناء الفرد والمجتمع، فبعد الركن المادي فيما ذكر قبل ذلك، فقيل الركن الروحي الذي يعزز الركن المادي فاجتمع في ذلك البناء التام، بناء مادي جسدي، وبناء روحي قلبي فبذلك يكتمل بناء المجتمع المسلم بهذا الأمر، نلاحظ سر الجمع في هذه الآية بين هذين العملين، وخص إقامتها كما ذكرت لكم في أول السورة ولم يقل يصلون، قال وأقاموا الصلاة، يعني أقاموها على أكمل وجه كما أمر الله تعالى ورسوله، هنا سؤال قال الله تعالى) وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ (ذكر الزكاة مع أنه قال) وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى (<

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل