تدبر مع القرآن - سورة البقرة، الآيات 272-274 - د. محمد داوود

تدبر مع القرآن – سورة البقرة الآيات 272-274

د. محمد داوود

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿٢٧٢﴾ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴿٢٧٣﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٧٤﴾ البقرة)

مضت بنا الآيات وهي تبيّن للمؤمنين أدب النفقة إلى أن وصلت إلى قول الله عز وجلّ (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿٢٧٢﴾) تمضي بنا الآيات في أدب النفقة والكلام موجّه إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن لا يوجه النفقة والصدقة إلى غير المسلمين ليحمل غير المسلمين على الإسلام، هنا بيّن الله عز وجلّ أن أمر القلوب وأمر الهداية بيد الله عز وجلّ فقال الله عز وجلّ (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بعدها بيّن النبي صلى الله عليه وسلم وأرشد أن توجّه النفقة لكل من يسأل ولكل محتاج من كل دين، وهذه سماحة الإسلام أنه يحتوي في المجتمع كل المجتمع بكل أفراده وكل أصحاب الحاجات والعِوَز سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين وانظر إلى هذا الهدي الكريم من الله تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) أنت قبل أن تنفع به غيرك أنت تنفع نفسك (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) لمرضاة الله عز وجلّ. (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) من الله عز وجلّ وانظر إلى التعبير (يوفّى) لما جاءت النفقة بصيغة المضارع (تنفقوا) جاءت التوفية بصيغة المضارع أيضًا وهذا من التناسق بين أفعال الآية إنما هو التناسق في آيات القرآن وإحكام الكلمة القرآنية (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)

ثم يتوجه القرآن للإرشاد والتنبيه على فئة من الفقراء لهم خصوصية من بين المستحقين للصدقات فيقول (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) مثل المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم، مثل أهل الصُفّة، مثل الذين اشتغلوا بالجهاد فلا يستطيعون ضربًا في الأرض أي سعيًا وراء كسب الأموال. ثم يصفهم القرآن بوصف آخر وصف فيه تزكية لهم ويرغّبنا أن المؤمن إذا أصابه فقر فينبغي أن يتحلّى بأدبهم فيقول (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) وانظر إلى (التعفف) ووزن (تفعُّل) يدلك على أن التعفف هنا مبالغ فيه، هم يُظهرون التعفّف بكل سبيل، في المظهر والقول وفي الفعل. (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ) ما السيما التي تعرفهم بها؟ (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) والإلحاف شدة الإلحاح في المسألة. (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) الله مطلع عليه سيجازيكم على ذلك فالله يحفز المؤمنين أن يزدادوا في النفقة لهؤلاء الفقراء الذين أحصروا يعني حصرهم ومنعهم الجهاد في سبيل الله من أن يشتغلوا بأمور الدنيا وأمور التجارة فحياتهم كلها في سبيل الله وإعلاء كلمته فينبغي أن لا تصيبكم غفلة عن هؤلاء وبيّن العلامة التي نعرفهم بها (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا).

ثم يقول ربنا (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) كناية عن دوام النفقة ينفقونها في كل وقت (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) يجمعون بين السر والعلانية، السرّ له موضع والعلانية لها موضع، العلانية حينما تنفق مثلا لتجهيز جيش، حينما تنفق لبناء مدينة، لبناء مستشفى فأنت تقصد العلانية تحفيزًا وترغيبًا لغيرك وحين تكون الصدقة على فقير فالسر هو الأفضل لأنك تستره ولا تعرضه بفضيحة أو نحو ذلك أو إقلال كرامة أو أن ينظر إليه إنسان نظرة دونية، إذن هم يجمعون بين أبواب الخير على كل حال كما بيّن ربنا (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً). هؤلاء (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) إضافة الأجر إلى الله تعظيمًا لهذا الأجر لأن الكرم يكون على قدر الكريم والنِعَمة تكون على قدر المنعم فتعيم هذا الأجر كان بإضافته إلى (ربهم) (عِنْدَ رَبِّهِمْ). (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) لهم هذا الأمان بتأمين المستقبل لأن الخوف يرتبط بما هو آت ولا هم يحزنون على ما مضى فإن الله سبحانه وتعالى يغفر لهم ويسترهم في الدنيا وفي الآخرة.

هكذا في باب النفقة بينت الآيات جملة من الآداب لنفقة المؤمنين كي تبني المجتمع، تبني هذا الغنى في مجتمع المؤمنين أنه لا يضيع فيه فقير وتبني عزًّا وكرامة لما نهى الله عز وجلّ سبحانه وتعالى عن المنّ والأذى وهذا الخير في مجتمع المسلمين ليس لهم وحدهم لكن لهم ولكل الناس وعاتب الله نبيه حين قال له (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ). هذا بيان من الله عز وجلّ كي يتأدب المؤمن بأدب الإيمان في نفقته وكي يصحح النيّة في نفقته وكي يعلم كيف يوجّه هذه النفقة فتبني في الأمة هذا الخير وهذه الرحمة وتحقق العدالة الاجتماعية في المجتمع وتبني الكرامة للفقراء في هذا المجتمع، مجتمع المؤمنين. ولو نظرت إلى هذه الآيات لوجدت أن بها بعضًا من فنون البديع:

(لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) يسمونه في علم البيان: نفي الشيء بإيجابه. وهو من التعبيرات المميزة في القرآن الكريم التي جاء بها القرآن ليبين هذا الأمر.

أيضًا فن المقابلة بين الليل والنهار وبين السرّ والعلانية وهذا من جمال أسلوب القرآن الكريم ومن إحكام المفردة القرآنية.

القرآن جاء بكلمة (أُحْصِرُوا) إنما فيها بيان للمنع التام لهم وليس بأيديهم، لم تكن كسلًا منهم ولم تكن تقاعسًا منهم ولكنها ظروف فرضت عليهم لأنهم اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله، فانظر إلى إحكام المفردة القرآنية.

(بِسِيمَاهُمْ) السيما هي العلامة، وحين يقول سيماهم أن لهم علامة يتميزون بها بهذا الأدب الجمّ وكأنها خصوصية يتفرّدون بها.

قوله تعالى (إِلْحَافًا) كلمة توحي بشدة الإلحاح في المسألة، وهنا فيها بيان وإشارة إلى ذمّ الإلحاف في المسألة وشدة الإلحاح في المسألة، هكذا الكلمة القرآنية  فيها إحكام من وجه وفيها جمال وبيان وعمق معنى من وجوه أخرى.

 

في النفقة يعبر القرآن بالمضارع في الأعم الأغلب ليبين أن النفقة فيها ديمومة عند المؤمن وليست لسبب عارض أو هي مؤقتة في حياته، أبداً، فيها ديمومة لأن الفعل المضارع دلالته تفيد التجدد والاستمرار والديمومة (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) (وَمَا تُنْفِقُونَ) (وَمَا تُنْفِقُوا) فالتعبير بالمضارع لديمومة النفقة والحرص عليها والاستمرار فيها. وهذا من بيان القرآن الكريم في هذا الأدب الرباني، وهذا يحمل المؤمن أولًا على التأدّب بهذ الآداب ويحمل المؤمن أيضًا على أن يتخلّق بهذه الأخلاق وأن لا يحرم نفسه من ثواب الصدقة حين يستوفي أدبها وشروطها وربنا حين قال في كل هذا السياق القرآني عن الصدقة كان في أغلبه ترغيبًا وليس أمرًا ونتعلم من ذلك أن أسلوب التحفيز في الدعوة ينبغي أن يحمل من الترغيب الكثير، هذا هدي ربنا الباري فسبحان من هذا كلامه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل