تفسير سورة البقرة - المجلس الحادي عشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الحادي عشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال الله U)وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( ما مناسبة هذه الآية؟ مناسبتها إلى أن الله تعالى يقول: يا أمة الإسلام يوم أن أكرمكم الله بالدين ستحسبونه حياةً رفاهية وراحة، لا، لابد من المشقة فيه ولابد من الصعوبة ولابد أن يواجهكم أعداء الله وستجدون في ذلك قتالاً وفقراً وجوعاً ونقصاً لأنكم ستحملون هذا الدين، ربما يشغلكم عن أمر دنياكم فالله تعالى. قال: ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ (لاحظ كلمة شيء يفيد أن هذا الذي سيصيبكم ليس بشيء أو هو شيء يسير في مقابل ما أنتمفيه من نعمة هذا الدين أرأيتم أن الدنيا كلها ونعيمها لا تساوي شيء مقابل هذا الدين العظيم الذي نحن فيه ونحن عليه مهما كان الإنسان عليه من جوع وخوف ونقص فإن حمله لهذا الدين هو والله الخير كله. قال الله U ذلك تهيئة لهم حتى تتهيأ نفوسهم لما سيلاقون بسبب حملهم لهذا الدين من مواجهة وتضييق وقتال وفقر وغير ذلك، هنا سؤاللماذا خص هذه الأمور الأربعة الخوف والجوع ونقص الأموال والأولاد؟ هذا كله متعلق بالجهاد وتبليغ الدين،لاحظوا الخوف متعلق بخوف العدو وما يقع بعده، لاشك أن الذي يذهب للجهاد يكون في قلبهم وهذا خوف طبعي بشري لا تثريب فيه،ثم الجوع أيضاً لأن الخروج للجهاد والهجرة من البلاد سبب لترك الأموال والفقر المسبب للجوع كما حال كثيرٍ من المهاجرين الذين تركوا أموالهم، أما نقص الأموال فلما ينشأ من قلة العناية بها بسبب خروجهم للغزو، إذا خرجوا للغزو والقتال تركوا مزارعهم وثمارهم وأموالهم فضعف إنتاجها والعناية بها فكان ذلك ضعفاً فالله Uيقول: لنبلونكم بشيء من ذلك فاصبروا واحتسبوا، ) وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ (بسبب القتال) وَالثَّمَرَاتِ (بسبب تركهم لرعايتها والعناية بها ومعاهدتها.

هل وقعت هذه الأمور على الصحابة؟ نعم يقول هنا الرازي في كلام يقول: قال القفال: " أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين، وقد كان الخوف في وقعة الأحزاب، وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجر النبي e إلى المدينة لقلة أموالهم، حتى أنه e كان يشد الحجر على بطنه، وروي أنه e لما خرج التقى مع أبي بكر قال: ما أخرجك؟ قال: الجوع. قال: أخرجني ما أخرجك، وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل، وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للانشغال بجهاد الأعداء ".

ثم قال الله U: ) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (انظر إلى أن الله U يهيئهم لذلك ويبشرهم بمقابل ما يصيبهم من البلاء قال) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (ثم ذكر صفات الصابرين الخلص) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (ما مناسبة هذه الجملة للصبر؟ مناسبتها أن قوله: ) إِنَّا لِلَّهِ (متضمنة إقرارهم بالعبودية وتفويض الأمور إليه سبحانه وتعالى والرضا بقضائه وقدره فيما يبتليهم به فهم قالوا: نحن لله، فله I أن يدبرنا على ما يريد، هذا هو الإيمان إقرار بعبودية الله وتفويض الأمور إليه ) إِنَّا لِلَّهِ (نحن لله U فما يكتب لنا فهو خير لنا لأن الله U لا يريد بنا إلا الخير. ثم قوله: ) وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (متضمنة كمال اليقين والجزاء عنده، يعني نحن لله تعالى وإنا إليه راجعون فيجازينا على هذه المصائب وهذا الابتلاء يقيناً بهذا الجزاء فانظروا كيف اجتمعت في هذه الجملة كمال الصبر أنهم لله يصرفهم بما يشاء وهذا استسلام لله وتفويض الأمر إليه وإنا إليه راجعون في إيمانهم ويقينهم بأن جزاءهم الأوفر والأوفى والأكمل عند ربهم يوم يلقونه سبحانه وتعالى يوم القيامة.

هنا فائدة نفيسة في التعبير، تعبير القرآن حقيقة له دلالات عظيمة ولذلك من المنهجية التي يمكن لطالب العلم أن يتلقاها أو يأخذها كمنهج في التفسير أنه يعتني بالتعبير، تعبير القرآن، لماذا قال الله كذا وماذا نستفيد من التعبير بهذه الجملة كما قلت لكم) فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (فالتعبير في قوله: )فَلَنُوَلِّيَنَّكَ (لاشك أنه دال معنىً زائد عن معنى فلنوجهنك فيه ولاية وقرب وترضاها فيه معنى الرضا وتمام القناعة بذلك، فهنا نأخذ فائدة نفيسة معينة للإنسان على الصبر في أي مصيبة تصيب الإنسان وهي: أن الله تعالى قال: ) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ (ما قال آمنوا، قال: ) قَالُوا (وهذا يفيد أن الاعتقاد يقوى بالتصريح والقول، يعني قولك:) إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (الحمد لله على ما أصابنا، كلامك هذا يقوي قلبك بالإيمان، لاحظ التصريح بالشيء يقوي، ولذلك إظهار الأمر وإعلانه يكون في القلب فيه إعزاز وثبات ورسوخ، دائماً الإنسان إذا أعلن شيء معناته أنه مستقر في قلبه وإذا أخفاه بلسانه معناته عنده شك فيه، فكونك تلفظ وتتلفظ بالإيمان والصبر ذلك دالٌ على ما في قلبك من اليقين الراسخ فالتصريح بالأمر بالصبر بهذه الكلمة يقوي الاعتقاد.

قال الله U في جزائهم وانظروا ) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ (مِمَن؟) مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (أن الإشارة هنا للبعيد) أُولَئِكَ (دلالة على ماذا؟ دلالة على بعد منزلتهم هنا في الكمال مثل ما قلنا في أول سورة البقرة) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى (فهم هنا حينما قالوا ذلك واعتقدوه وأيقنوا به فقد اعتلوا في إيمانهم وارتفعوا فهم في مرتبة عليا ) أُولَئِكَ (ثم قال الله تعالى: ) عَلَيْهِمْ (ما قال لهم، يعني متوجه الأمر لهم) عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ ( ولماذا عبر بالصلوات هنا؟ للدلالة على معنيين ما هما؟

للدلالة على الثناء عليهم والمغفرة لهم،) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ (يعني ثناء من الله U لهم ومغفرة لهم فما أعظم هذا التعبير القرآني الذي جمع هذين المعنيين، وأيضاً ما الفائدة من جمع صلوات دون إفرادها ما قال: (أولئك عليهم صلاة) دليل وتنبيه على كثرتها منه I ليست صلاة واحدة وليس ثناء واحد، بل هو ثناء متكرر متعدد وهذا الثناء يشمل في الدنيا توفيقاً وإرشاداً ومحبة منه I لعبده وقذفاً في قلوب الناس لمحبته وتيسيراً لأموره كل ذلك من الله وفي الآخرة ثواباً ومغفرة، فما أعظم هذا التعبير القرآني العظيم، وأيضاً التعبير بهذا اللفظ مبالغة في كمال الرضا منه I، لأنهم كمل رضاهم بربهم قالوا: ) إِنَّا لِلَّهِ (فكان جزاؤهم من الله كمال رضاه عنهم I، فانظروا كان الجزاء هنا من جنس العمل، ولذلك هذا الجزاء مقابل قولهم) إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (، ) إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (مقابل) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ( كيف ذلك؟ فإن قولهم: ) إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( أو ) إِنَّا لِلَّهِ ( يقابله ) عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ (رضا وثناء ومغفرة، وقولهم:) وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (في الجزاء يوم القيامة يقابله) وَرَحْمَةٌ (، فالله تعالى يوم القيامة يقابلهم بذلك برحمته I ومغفرته فما أعظم هذا الجزاء، ولهذا قال عمر - انظر إلى تأمل - عمر t ممن تدبر هذه الآية فقال: نعم العدلان وهما:) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ (ونعمة العلاوة. ما هي العلاوة؟ ) أُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (فالله تعالى زادهم جـزاء نعم العـدلان وهما) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ (ونعمة العـلاوة وهي قوله: ) وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (.

ثم قال الله U: ) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (ما علاقة هذه الآية بما قبلها؟ هذه الآية اختلف فيها المفسرون، يعني أشكلت على بعض المفسرين أن علاقتها بآية الصبر بعيدة لكن هي متعلقة بآيات القبلة يعني بعد أن ثبت الله تعالى أمر القبلة ورسخها في قلوبهم ونفوسهم، توجه إلى شأن ما تعلق بها بالقبلة وهو الصفا والمروة الشعائر الباقية التي فيها خلاف وإشكال فأراد الله تعالى أن يبين حكمها وحكم السعي بينها وإنما ورد فيها إشكال لأن الصفا والمروة كان فيهما صنمان فكان الأنصار لا يسعون بينهم، لأن فيهما صنمان لقريش كانوا لا يريدون أن يتابعوا قريش على ذلك، فلما جاء الإسلام سألوا النبي e عن ذلك فكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة كما قالت عائشة فلماء جاء الإسلام سألوا رسول الله e عن ذلك فأنزل الله الآية ولهذا قال:) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (وقال أنس رضي الله تعالى عنه لما سئل عن الصفا والمروة قال: كانتا من مشاعر الجاهلية فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما خشية أن يتبعوا المشركين فأنزل الله) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (وليست من شعائر الجاهلية، فلهذا وقع الإشكال ولهذا قال الله U: ) فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (الآية في سياق الأصـل أن يقـول: (فمن حج البيت أو اعتمر فليسعى بينهما) لكن لما كان هناك حرج واختلاف وخلاف وإشكال الله U هنا رفع الحرج فقال: ) فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (وفي هذه الآية فائدة مهمة وهيأن الصفا والمروة لا يشرع السعي بينهما إلا في نسك من يأتينا بهذه الآية، لا يشرع التطوع بين الصفا والمروة إلا بنسك يعني بإحرام بعمرة أو حج ما هو؟ نعم قال الله) فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ(ولم يقل (إن الصفا والمروة من شعائر الله فاطوفوا بهما) قال: ) فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ (وهذا يجهله بعض الناس خصوصاً الذين يأتون من خارج المملكة ليس عندهم علم فتجدهم يطوفون ويسعون، السعي لا يشرع إلا مع النسك بخلاف الطواف فهو مرتبط بالنسك وغيره وهذه فائدة نأخذها من هذه الآية.

ثم قال الله تعالى: ) فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (فيه قد يكون هناك تسائل ما معنى قوله: ) وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا (تطوع يعني بالصفا والمروة لا تطـوع بالحج والعمرة لأن الله تعـالى قال: ) فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ( فقال: ) وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ( ما قال (فمن تطوع خيراً بالطواف بهما) قال ) خَيْرًا (كلمة) خَيْرًا (،)ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا (وهذا يدل على كل خير وأخصه ما تعلق بالحج والعمرة، لأن السياق فيهما، أرأيتم، الأصل هنا العموم لكن الأخص هو ما تعلق بالحج والعمرة ولذلك في الحج والعمرة يشرع كثرة الخير،كثرة الطواف، كثرة الأعمال الصالحة، الذكر إقامة ذكر الله U، فهذا من كمال الحج والعمرة

ثم قال الله U في آيات بعد ذلك:

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل