تدبر مع القرآن - سورة البقرة، الآية 267 - 270 - د. محمد داوود

تدبر مع القرآن – سورة البقرة الآيات 267-270

د. محمد داوود

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

مضت بنا الآيات إلى قول الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٢٦٧﴾) تواصل الآيات بيان أدب النفقة عند أهل الإيمان فبعد أن بيّن ربنا في الآيات السابقة أن النفقة الرابحة والمقبول عند الله ينبغي أن تكون في سبيل الله عز وجلّ وينبغي على المؤمن أن لا يتبع نفقته في سبيل الله بمنّ ولا أذى كذلك بيّنت الآيات بعد ذلك من آداب هذه النفقة الإيمانية أن المؤمن لا يخشى شيئًا من هذه الأمور التي قد يظن أن النفقة قد تُنقص المال أو نحو ذلك وتبين الآيات أن المنّ والأذى يحبط ثواب الصدقة. وتصل بنا الآيات لبيان هذه الآداب فيقول ربنا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) النفقة ينبغي أن تكون من الحلال الطيب ولا يُقبل أن تكون من حرام وهذا أدبٌ جديد يبينه الله عز وجلّ (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ). ثم يبين هذا الأدب أن الإنسان عليه أن يصطفي الأفضل والأحسن لنفقته وعليه أن لا يقصد الخبيث والذي به عطب أو به عيب يُشينه ويجعله للنفقة فقال ربنا سبحانه وتعالى (وَلَا تَيَمَّمُوا) لا تقصدوا إلى الخبيث. (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) تُغمضوا الإغماض يكون لغضّ البصر وأغمضتُ العين إغماضًا أطبقتُ الأجفان والمراد به هنا التجاوز والتسامح والمساهلة والمعنى: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) لا تقصدوا الرديء وتأخذوه وتخصصوه للنفقة. (وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) لو قُدّم إليكم مثله، مثل هذا الرديء فأنتم لا تأخذوه إلا أن تُغمضوا فيه يكون بشيء من المساهلة ونقص قدره ونحو ذلك، أنت لا ترضى لنفسك هذا فكيف تنفقه إلى الغير وإلى المحتاجين؟! وعلوم أن القرآن بيّن في آيات أخرى (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) آل عمران) والمعنى أن الإنسان ينبغي أن يقصد إلى الحلال الطيب وأن يقصد إلى الذي هو أفضل وأحسن عنده وأن يصطفي صدقته التي يقدمها لأنها قربى إلى الله عز وجلّ لكن أن يأتي الإنسان بالتالف والسيء والذي لا ينفع ولو قُدّم إليه مثله فإنه لا يقبل ذلك ومعنى (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) يعني المساهلة في ذلك والمسامحة في ذلك وأن يُنقص من قدره إن قُدّم إليه مثل ذلك. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) غنيٌ عن نفقتكم وهو حميد سبحانه وتعالى فينبغي إذا أردتم أن تنالوا حمده وشكره وجزاءه أن تصطفوا الأفضل والأحسن في الصدقة لذلك ختم الآية بقوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)

ثم يقول ربنا سبحانه وتعالى أن الحرص هو الدافع على البخل الشديد الذي يكون عند الناس وهذا الحرص ما مصدره؟ فيقول ربنا (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) يخوّف الناس من الفقر، إذا أنفقت سينقص المال وتصبح فقيرًا محتاجًا من أهل العوز (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) الفحشاء في كل القرآن معناها فاحشة الزنا وتعمم إلى كل فحش من القول والفعل لكنها هنا في هذا الموضع الوحيد في القرآن كله إنما تأتي بمعنى البُخل الشديد لأن السياق قيدٌ للمعنى، هذا هو الموضع الوحيد لكلمة الفحشاء في القرآن كله تأتي هنا بمعنى البخل الشديد والحرص الشديد وهي في القرآن بمعنى الزنا وفحش القول وفحش العمل. لكن السياق هو الذي خصصها وقيّدها هنا، والمقابلة بين (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) ما الذي يتناسب مع ذلك؟ ويأمركم بالبخل، فقال ربنا (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ).

(وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ) مقابلة: الشيطان يعدكم الفقر في مقابل (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ) يغفر لكم الزلّات والذنوب (وَفَضْلًا) سعة من عنده. (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) الجزاء الأوفى وسعة العطاء تجدونها عند الله عز وجلّ زالله عليم بكل هذه الأمور لذلك هو يوجه ويرشد لأنه سبحانه وتعالى هو ولي الذين آمنوا ينقذهم من وساوس الشيطان (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)

والله عز وجلّ يقول بعد ذلك (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) والحكمة هي أفضل القول وأفضل العمل فإذا أصاب الإنسان أفضل القول وأفضل العمل فهو من الحكماء (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) الصواب والأفضل في الصواب قولًا وفعلًا وعملًا. (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) رُزق من الله هذا الخير وهذا التوفيق وهذا الإنعام وهذا من كمال العقل للمؤمن كمّله الله به.

ثم يقول ربنا (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ما يعتبر بهذه النعم التي أفاءها الله على عباده وأنه ينقذ المؤمنين من الشيطان ويرشهم ويوجههم إلى ما يقربهم إليه كي يكون المؤمن دائمًا موصولًا بالله رب العالمين ما يذّكر ذلك ولا يعتبر بذلك إلا أصحاب العقول السوية لذلك قال ربنا (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).

وتمضي بنا الآيات لبيان ثواب النفقة حين تكون من الحلال الطيّب وحين تكون في سبيل الله فيقول ربنا سبحانه وتعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) إن الله يعلمه أي إن الله يجازيكم عليه أفضل الجزاء لا تخفى عليه خافية فإن كنت تقصد الطيب لتنفق منه وتنفق في سبيل الله وليس رئاء الناس فاعلم أن الله يعلم كل نواياك الطيبة وسيجازيك عليها وهذا يبث الطمأنينة ويكون حافزًا للمؤمن كي يزيد من نفقته. (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) هما طريقان: طريق الله وطريق الشيطان فإذا سلك المؤمن طريق ربه واهتدي بهديه واستجاب لآياته فوليّه الله يخرجه من الظلمات إلى النور ويؤيده وأما إذا اختار طريق الشيطان فما من شك أنه سيخسر كل الأنوار وسيدخل الظلمات عن طريق الشيطان ولن يكون له من دون الله نصير ولا معين لذلك قال ربنا (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).

ثم يبين الله سبحانه وتعالى أن الصدقة إما أن تكون سرًّا وإما أن تكون علانية (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٧١﴾) قد تكون النفقة في بعض المواطن يُستحب لها العلانية حتى تكون حافزًا للغير ولإخوانك من الأثرياء والأغنبياء وحتى تشجع الناس وحتى تدفع عنك تهمة من التهم أو غير ذلك وتبقى الأفضلية الأعلى لصدقة السر (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) وهذا تحفيز آخر إذا علم الإنسان مقصد الصدقة وحافظ عليها، حافظ على النية أن فيها تكفير عن السيئات (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) خبير بالنوايا وخبير بالمقاصد، خبير حين تكون الصدقة في العلن وخبير بنوايا الصدقة حين تكون في السرّ، الله خبير لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

هذا هو أدب النفقة الذي نتعلمه من هذه الآيات وفي هذا البيان العظيم من الله سبحانه وتعالى، سبحان من هذا كلامه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب فاعتبروا يا أولي الأبصار.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل