في رحاب سورة المؤمنون - 7 - د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة - د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ - تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة المؤمنون - 7

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحور التي تدور حوله السورة:

د. المستغانمي: نحن أسلفنا فيما سبق من حلقات أن سورة المؤمنون محورها العام هو الحديث عن فريق المؤمنين الكبير وأعمالهم التي يتميزون بها (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾) مطلع السورة حدد كثيرًا من أعمال المؤمنين ما يقومون به وأفعالهم، وفي وسط السورة أيضًا جاء حديث عن صفاتهم الإيمانية الداخلية (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾) وفي نهاية السورة أيضًا جاء ذكر لهم (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴿١٠٩﴾)، فالمحور العام هو الحديث عن المؤمنين كما أفرد الله تعالى سورة للكافرين (قل يا أيها الكافرون) وأفرد سورة للمنافقين، أفرد سورة لأهل الإيمان. يتخلل ذلك كما ذكرنا شيء من القصص القرآني الذي تمثل في قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٢٣﴾) وما جاء بعده وشيء من دلائل التوحيد (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾) (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٨٧﴾ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٨﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴿٨٩﴾) هذه دلائل التوحيد ودلائل نفي الشرك فلذلك السورة تحدثت عن أهل الإيمان وعن صفاتهم وتخللها شيء من المواضيع العقائدية التي تتناول في القرآن المكي بشكل عام.

المقدم: نحن تقيبا في نهاية السورة وكنا قد توقفنا عند الآية 91 (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٩١﴾) سياق الحديث في خارج القرآن لن نقول هكذا سنقول: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ولو حدث هذا لصار كذا وكذا، لكن هنا كأنه هناك شيء محذوف، لماذا هذه المحذوفات وهو كثير في القرآن؟

د. المستغانمي: هذه الآية عظيمة جدًا (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) هل اتخذ الله ولدا؟أبدًا، هذه (ما النافية) تقرر هذا المعنى الذي يتعلق بنفي أن يتخذ الله ولدا (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) (من) تعبر عن الجنس وتستغرق كل شيء، في الإعراب يقولون (من) زائدة ولكن (من زائدة) للتوكيد لأنه لما نقول ما اتخذ الله من ولد أي ما اتخذ من ولد أبدًا.

المقدم: هي زائدة في الإعراب وليست زائدة في المعنى

د. المستغانمي: أبدًا، لا يوجد شيء زائد في المعنى. قبل أن أجيب عن سؤالك، ما موقع هذه الآية من السورة كلها؟ هذه الآية تثبت الإيمان وتثبت التوحيد ودلائل التوحيد، الآيات التي سلفت (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٨٧﴾ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٨﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴿٨٩﴾) هذه الآيات السابقة مباشرة تثبت توحيد الله، أردفها بما يثبت نفي الشرك، الإنسان لا يسلم اعتقاده حتى يثبت الوحدانية لله وينفي عنه الشركاء وهذا مقتضى (لا إله إلا الله) نثبت إلهية الله وننفي الشركاء عنه، فهذا التجاور. في الوقت نفسه سبق في القصص أن ذكر سبحانه وتعالى (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴿٥٠﴾) لماذا اكتفى القصص القرآني بهذه الآية فقط؟ كأن تلك الآية في القصص كانت تمهيدًا لهذا الكلام مع أن بينها فاصل طويل، الله سبحانه وتعالى جاء من القصص ما يخدم فكرة التوحيد ونفي الشركاء وإلا فقصة عيسى فيها كثير من التفاصيل لكن أتى هنا بما يخدم محور السورة تثبت التوحيد وتنفي الشركاء (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً)  مولده من أم دون أب كان آية كأنه يقول: وهذا يثبت ما يأتي (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) فكونكم اتخذتموه ابن إله أو إلهًا فهذا خطأ (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) تنفي نفيًا قاطعًا أن يكون ثمة إله.

المقدم: حتى من قال بأن عيسى بن مريم ليس ابن إله وإنما إله فهذا ينفي كذلك

د. المستغانمي: هذا ينفي والذين عبدوا الملائكة من دون الله هذا ينفي، ينفي كل جنس الألوهية عن سوى الله سبحانه وتعالى من عبادة الملائكة، عبادة عيسى، عبادة الأصنام. (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) المحذوف شرط المحذوف: لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق، هذا دليل برهاني على نفي الشركاء وهذا الدليل عظيم جدًا. سوف تقول لماذا قدّرت (لو كان)؟ أن يكون مع الله إله مستحيل لأن الدلائل "وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد" (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّه لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: 22] والمستحيل في اللغة العربية النُحاة والعرب أعدّوا له حرف (لو) حرف امتناع لامتناع، امتناع وقوع الجواب لامتناع الشرط، لو جئتني لأكرمتك أنت ما جئتني وبالتالي لم أُكرمك بينما (لولا) حرف امتناع لوجود. إذن لو كان معه آلهة  لذهب كل إله بما خلق، غالبًا في جواب (لو)

المقدم: لكن هنا ما ذكر (لو)

د. المستغانمي: هذا الكلام المحذوف

المقدم: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) في غير القرآن لو حدث هذا أو لو اتخذ ولدا أو لو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق.

د. المستغانمي: اللام الواقعة في جواب الشرط تدلّ على أن ثمّة شرطًا محذوفًا وهو (لو) وليس غيره لأن (لو) غالبًا يرتبط جوابها باللام بينما (إن) تقول إن جئتني أكرمتك ولا تقول إن جئتني لأكرمتك. لكن (لو) غالبًا أقول وورد في القرآن (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴿٧٠﴾) كما في سورة الواقعة (جعلناه) بدون لام. مثال آخر في القرآن الكريم يقول جلّ جلاله (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت) لو كنت تتلوه وكنت تخط من حقهم أن يرتابوا إذن لارتاب المشركون وشكّوا، فاللام الواقعة في الجواب تدل على أن المحذوف  فعل الشرط مع (لو). (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) [النساء: 140] ما قال هنا (إنكم إذن لمثلهم) هنا يجوز تقدير (إن) إن قعدتم معهم إنكم إذن مثلهم. فعل الشرط وإن المحذوفة. قدّرنا (لو) والعلماء والمفسرون قالوا غالبًا يرتبط جواب (لو) باللام.  

المقدم: آية سورة الواقعة (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨﴾ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴿٦٩﴾ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴿٧٠﴾ الواقعة)

د. المستغانمي: وقبلها (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ﴿٦٣﴾ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴿٦٤﴾ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿٦٥﴾) عندما تكلم عن الزرع وفي الماء قال (جعلناه)، والعلماء يقولون يجوز ولكن في الغالب ترتبط مع اللام.

هذه الآية الكريمة من محاور السورة تثبت الإيمان وتنفي الشركاء (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) تقرير، (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) نتيجة ثم أعطى الدليل (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) الدليل العقلي البرهاني، لو كان ثمّة آلهة لكان لتلك الآلهة مخلوقات وآراء وأشياء في هذا الخلق لأننا نقول نحن مخلوقات الله، الإله الذي لا يخلق ما فائدته؟! الإله من خصائصه أن يخلق، أين هذه المخلوقات؟ هذا يستلزم أن مخلوقات هذا الإله تذهب معه ومخلوقات الإله الثاني لا يتصرف فيها الإله الأول هذا يدلّ على أن ثمّة عجزًا في هذا الإلعة والعجز يناقض الإلهية، هذا مدلول قوله تعالى (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) هذا الجانب الأول. لو كان ثمة آلهة مخلوقاتها تتفاوت، نحن الآن الأقمار والشموس والكواكب تتفاوت والبشر يتفاوتون والحيوانات تتفاوت عندنا النملة والحشرة والفيل. بعض المخلوقات فيها قوة أكثر من مخلوقات أخرى - هذا عقليًا - لعلا بعضهم على بعض، لو كان ثمة آلهة أخرى يستلزم أن يكون أن تكون لها مخلوقات مختلف والمتفاوتة تتفاوت، إذن لتفاوت هذا الإله عن هذا الإله والتفاوت في الإلهية لا يجوز

المقدم: يعني سيكون هناك إله يتفاوت عن إله آخر

د. المستغانمي: هذا يثبت أن الثاني ليس إلهًا وهذا الاستدلال العقلي فالله أتى بأدلة عقلية (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) بما أن الواقع يثبت أن ذلك غير موجود فالإله الواحد هو الله الأحد الذي الكل مخلوقاته.

المقدم: ثم أردفها بلفظة (سبحان)

د. المستغانمي: هذه نتيجة، بما أن كلامكم خطأ سبحانه وتعالى عما تصفونه به من شِرك ومن جعل الشركاء معه، هذه كلمة تنزيه. نفى أن يكون معه إله ولم ينفي أن يكون معه ابن

المقدم: بطبيعة الحال

د. المستغانمي: لأنه لو كان له ابن لكان إلهًا بالضرورة

المقدم: لأن ابن الإله إله، ابن الشيء من جنسه

د. المستغانمي: ابن الإنسان إنسان وابن الحيوان حيوان. لو كان له ابن لكان إلهًا بالضرورة وما دام نفى الإلهية عن الآخرين فنفى عن ابنه

المقدم: وبالتالي لا داعي لأن ينفي عن ابنه

د. المستغانمي: عن الابن المزعوم. وثمة آية في سورة الزمر عجيبة، الله سبحانه وتعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم لقّنه أن يقول للمشركين (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) الزخرف)

المقدم: وهذه (لو) الامتناعية

د. المستغانمي: يمتنع أن يكون له ولد لكن لو كان فرضًا وجدلًا وإفحامًا وجاراهم لكنت أول العابدين لأني أعلم عقلًا أن ابن الإله إله.

المقدم: لا يقول هذا الكلام إلا من يثق أن هذا الكلام لا يستقيم

د. المستغانمي: لو الامتناعية تمنع والمتحدث عاقل وهو رسول فيمنعنا نحن أن نفكر فيه الشرك فقال جارِهم وقل: لو كان للرحمن ولد فأنا أول  العابدين لكن لم يكن ذلك لا عقلًأ ولا منطقًا فأنا أول الموحدين.

المقدم: بعد ذلك يقول الله سبحانه وتعالى (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴿٩٣﴾ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٩٤﴾) بداية ما مناسبتها مع ما سبقها من آيات؟ ثم ما الفرق بين في القوم الظالمين أو مع القوم الظالمين أو من القوم الظالمين؟

د. المستغانمي: هذه الآية لما أوضح الله جلّ جلاله وجل ثناؤه لرسوله صلى الله عليه وسلم من الشرك الذي انغمس فيه أهله الرسول يهتز بدنه ويخاف: هؤلاء قومه ويحيطون به، يدّعون على الله أشياء فظيعة! منهم من قال اتخذ الله ولدا ومنهم من قال اتخذ الملائكة  بنات وجعلوا له شركاء فهذا مصير مؤلم ورأى في القرآن السابق من قصص الأنبياء ما حلق بالأقوام المكذبين فهو يخاف عليهم وعلى نفسه علّمه الله في القرآن أن يقول (قل) في القرآن (قل) للتلقين الله سبحانه وتعالى يلقّن رسوله في المواضع الحساسة (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي) إذا كان صعب عليك ما ترى من شركهم قل (رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي).

المقدم: ما هذه (إمّا)؟

د. المستغانمي: (إمّا) أصلها (إن) زائد (ما) شرطية جازمة (إن ترني) (ما) صلتها مؤكّدة (تريَنّي) أُلصقت بنون التوكيد الثقيلة والفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد الثقيلة يُبنى. يُبنى في حالتين: إذا اتصل بنون التوكيد الثقيلة والخفيفة ونون النسوة. (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي) أصلها: إن تُرِني، هذا كلام شديد يحتاج إلى توكيد: إما تريني ما يوعدون من العذاب، العذاب الدنيوي، العذاب الأخروي الرسول صلى الله عليه وسلم لن يكون من بينهم ولا فيهم، يمتاز الناس والرسول يكون مع الملأ الأعلى في الجنة لكنه هو خشي أن يلحق بهم العذاب في الدنيا لأن الأقوام السابقين لحقهم العذاب في الدنيا. إذن (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴿٩٣﴾ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٩٤﴾) (في القوم) (في) في العرب تفيد ظرفية (الماء في الإناء) ظرفية، نقول: في المدرسة، داخل المدرسة أو في المسجد، ظرفية. (مع) تفيد المعيّة، (من) من إلى أو من الجزئئة لا تجعلني منهم أي جزءا منهم. هنا قال (رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) لا تجعلني فيهم هذا تعليم وإيماء وإشارة للرسول صلى الله عليه وسلم أنه حين ينزل الله العذاب عليهم لن يكون الرسول فيهم وكان في المدينة المنورة، إيماءة وإشارة للهجرة النبوية، الظرفية هنا قال (فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) قال اطمئن يا محمد سوف يحيق بهم العذاب وأنت بعيد عنهم ولكن ترى وحاق بهم العذاب يوم بدر والرسول يرى

المقدم: وقال الله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿٣٣﴾ الأنفال) قال وأنت فيهم ما قال وأنت معهم.

د. المستغانمي: (في) الظرفية، فالقرآن دقيق. فيه إشارة تلميحية أنه يوم يُنزل بهم العذاب لن تكون فيهم إنما تكون بعيدًا عنهم وفعلا أراه الله تعالى ما يسرّه في غزوة بدر وكان يرى مصارع القوم، قال: إني أرى مصارع القوم. أريد أن أعلق على شيء آخر في الآية وأنا أقرأ في التفاسير انظر إلى تكرار (ربِّ) أصلها يا ربي حذفت أداة النداء وحذفت ياء المتكلم، انظر إلى عظمة القرآن لكن جاء تكرير فعل المنادى في الشرط وفي جواب الشرط لزيادة التضرع، الله علمه أن يتضرع (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴿٩٣﴾ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٩٤﴾).

المقدم: حينما يدعو الله سبحانه وتعالى مناجيًا ربه يكرر رب رب رب

د. المستغانمي: هذا تضرع وإلحاح علّمه فن الدعاء فجاء بكلمة (رب) للمنادى التي تفيد التضرع في فعل الشرط وفي جواب الشرط. عندما أجابه جلّ جلاله قال (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴿٩٥﴾) هنا وقفة جميلة، الله جلّ جلاله قادر، الله على كل شيء قدير قال هنا: وإنا على أن نريك ما نعدهم من العذاب في الدنيا (لقادرون) وفي آية أخرى في سورة الزخرف قال (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (42) الزخرف) لماذا قال هنا قادرون وهنا مقتدرون؟

المقدم: قادر اسم فاعل من قدَر،

د. المستغانمي: مقتدر من اقتدر افتعل الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى وكلاهما من القدرة وكلاهما اسم فاعل. قادر من فعل قَدَر ثلاثي ومقتدر من اقتدر خماسي لكن لماذا هذا التباين؟ هنا أولا العذاب المذكور في سياق  سورة الزخرف شديد (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (41) الزخرف) ونميتك ونقبضك إلينا يا محمد فإنا منهم منتقمون وسورة الزخرف بنيت على الانتقام وليس على الهلاك. (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (42) الزخرف) زيادة البناء تدل على زيادة المعنى يعني أخذهم أخذ عزيز مقتدر فالزيادة تدل على المبالغة في أخذهم والاقتدار عليهم. والذي اقتضى قادرون في آية سورة المؤمنون أنه في بداية السورة ذكر (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون:18] فالتجاب اللفظي في سورة المؤمنين (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴿١٨﴾) فهنا ناسبها أن يقول (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴿٩٥﴾) أما مقتدرون فناسبها السياق اللفظي في سورة الزخرف فيها مقترنين، مستمسكون، مهتدون، مقتدرون، يناسبها لفظيًأ ومعنوياً. 

المقدم: (لقادرون) هذه اللام هي المزحلقة؟

د. المستغانمي: نعم لام المزحلقة.

المقدم: الله سبحانه وتعالى يقول في الآية التي بعد ذلك (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿٩٦﴾) لماذا قال ادفع بالتي هي أحسن وفي آية أخرى يقول (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) وفي آية أخرى في سورة فصلت يقول (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) لم يذكر حتى السيئة، نقف على هذه الاختلافات.

د. المستغانمي: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) موقع الآية مع ما قبلها هو قال علّمه أن يدعو الله تعالى قال مهما فعلوا فعليك أن تصفح عنهم ادفع بالتي هي أحسن، الرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بالدعوة بالدعاء بالتعليم ثم أن يعاملهم معاملة حسنة. عندما وصف المؤمنين قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) واحد فعل معك سيئة افعل معه حسنة، الرسول صلى الله عليه وسلم أعلى من هذا ومطالَب إذا فعل معه أناس سيئة أن يدفع بالتي هي أحسن، أحسن من الحسنة فهذا اسم تفضيل، فقال العلماء الأسلوب فيه مبالغة، أقول ادفع بالحسنة وادفع بالتي هي أحسن، بالتي هي أحسن أفضل، هذا رسول الله فعلوا معه ما فعلوا وآذوه فقال له (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أما عندما وصف المؤمنين هذا هو المطلوب قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) شيء مقابل شيء حسنة مقابل سيئة. ثم قال (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) بينما في فصلت قال (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) لم يذكر السيئة لأنه ورد ذكرها قبل قليل (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) لم يكرر السيئة لأنه كل ما ذُكر وعُلم لا داعي لتكراره أما هنا لم تذكر السيئة فقال قال (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) ثم قال له (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) وصفوك بأنك شاعر، ساحر، مجنون،

المقدم: كأنه يقول له لا عليك من هذه الأوصاف كلها ادفع بالتي هي أحسن

د. المستغانمي: نحن أعلم بما يصفون، نحن نجازيهم على ما يصفونك به.

المقدم: في سورة فصلت أعطاه النتيجة (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت)

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴿٩٨﴾) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم هل يستطيع الشيطان أن يضرّ النبي أو أن يوسوس للنبي؟ لماذا يتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من همزات الشياطين وهو معصوم؟

د. المستغانمي: هذا كلام جميع أهل السنة والجماعة والإمام القاضي عياض في الشفا يقول أجمعت الأمة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم أن تأتيه الخواطر الشيطانية ومعصوم في جسمه فالشيطان لم يصيبه في جسده

المقدم: وإن كان سُحِر صلى الله عليه وسلم؟

د. المستغانمي: كل شيء بقضاء الله وقدره لكن الله غلّبه على الشيطان يوم صفّده ثم أطلق سراحه عندما تذكر دعاء سيدنا سليمان عليه السلام. هو يعلّمه ويعلم أمته من خلفه وخوطبت الأمة بشخص نبيّها، كل حديث موجه للرسول صلى الله عليه وسلم علينا أن نقتدي به حتى لما يقول له (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴿٧٩﴾ الإسراء) علينا أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن استطعت أن تقتدي بالرسول وأن تمارس وأن تداوم على صلاة الليل فهذا شيء جميل. (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾) يسأله أن يثبته الله على العصمة من الشياطين. ثانيًا قريش والمشركون يسيؤون إليه ويفعلون المستحيل لإحباط دينه وللقضاء عليه، هل هذا من السهل أن يدفع بالتي هي أحسن؟! يأتي الشيطان يقول له هذا عليك أن تجازيهم بمثل

المقدم: كما فعل موسى مع الخضر قال كيف نطلب من القرية الماء والأكل ولم يطعمونا ثم نبني لهم الجدار؟! هم عاملونا بالسيئة كيف نعاملهم بالحسنة؟

د. المستغانمي: بشر! بعض المفسرين يقول: المطلوب منه عظيم (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) قد يأتي خاطر ولو خاطر فقال له (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴿٩٨﴾) الشياطين لن تقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عصمه الله واستخلصه. هذا أمر (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) أن يحضروا معي، من الحضور، وبعض العلماء قال أن يحضرون يوم الممات "اللهم ثبتنا عند الممات: والعياذ بالله عندما يأتي ملك الموت وتأتي الملائكة التي تقبض الإنسان يأتي الشياطين يقولون قل كذا وكذا  (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [إبراهيم: 27] عند الاحتضار

المقدم: والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.

د. المستغانمي: (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) دعاء عام علّمه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم. سألتني يوما ما إبليس لعله من الإبلاس صحيح هذا الكلام. وأنا بحثت هذه القضية فوجدت أن كلمة إبليس كلمة أعجمية ليست عربية ابن عباس يقول: ومنه الإبلاس اشتق العرب من إبليس أبلس بمعنى يئس من رحمة الله والعرب تشتق من لغتها، نقول فلان تفرعن أي فعل فعل فرعون أو تشيطن فعل فعل الشيطان أو تمرّد فعل فعل المَرَدَة. إبليس هو اسم أعجمي يئس من رحمة الله وأيقن أنه هالك فجاء منه كلمة أبلس. هنا لم يقل له أعوذ بك من همزات إبليس وإنما قال من الشيطان. دائمًا الله يستعمل الشيطان في الوسوسة في كل القرآن وإبليس في الكبر والاستكبار والإباء، إبليس يذكر دائمًا في قصة آدم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) البقرة) في جميع المواطن (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف: 50] كلمة إبليس استعملت في القرآن لما يأبى ويرفض ويكفر ويستكبر أما الشيطان ذكرت سبعين مرة كلها في الإغواء (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) [البقرة: 168] (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ) [البقرة: 268] (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 43] بحكم كونه شيطانًا يوسوس وبحكم كونه إبليس يرفض ويأبى. فقال له (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾)

المقدم: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٠٠﴾) (هو قائلها) من القائل؟

د. المستغانمي: الإنسان، عندما يأتيه ملك الموت يخاطب ربه بالتعظيم ارجعون أنتم يا رب لأنه أيقن

المقدم: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا) الله سبحانه وتعالى يرد عليه (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)

د. المستغانمي: هو سيقولها، الآن مهما قرأ القرآ واستمع لكن عندما يأتيه ملك الموت سيقولها (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) الكل سيندم المؤمن سيندم يقول ليتني استكثرت من العمل الصالح والإيمان والكافر سيندم لكن درجات..

المقدم: (ارجعون) من المخاطَب؟

د. المستغانمي: المخاطَب هو الله سبحانه وتعالى، هو عندما تأتيه سكرات الموت يدرك (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿٢٢﴾ ق) يعظّم الله، لماذا لم تكن تعظم الله في الدنيا عندما كان مطلوبا منك ذلك؟! (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) لم يقل الأعمال الصالحة ولكن صالحًا واحدًا، التنكير يفيد التقليل. وبعض العلماء علّق فقال: ما قال لعلي أؤمن. أيهما أفضل أن يؤمن بالله أو أن يعمل صالحًا؟ الإيمان أولى ولكن عند سكرات الموت أدرك كل شيء وصحح اعتقاده وآمن لكن لات حين مناص! كأنه يقول لعلعي أعود إلى الدنيا فأؤمن ويحسن إيماني وأعمل صالحا فيما تركت، كلا، إنها كلمة سيقولها حتمًا ولكن حين لا ينفع الندم.

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) فيها دلالة على أن الموت هو الذي يأتي الإنسان وليس الإنسان يختار الموت.

د. المستغانمي: دائمًا (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) أحدهم مفعول به والموت فاعل وهنا تقديم وتأخير لم يقل حتى إذا جاء الموت أحدهم، القرآن دائما يعكس لأن الإنسان يحب تأخير الموت، لا أحد مهما كان صالحا يحب تأخير الموت، يقال في الآثار أن ملك الموت لما جاء ليقبض روح إبراهيم الخليل ساله أقابضًا أم زائرًا فقال قابضًا فقال له اسأل الله هل رأيت خليلا يقبض روح خليله؟ فجاءه الجواب من الله: وهل رأيت خليلا يكره لقاء خليله؟!. فالبشر يحب الخلود والنملة عندما رأت جيوش سليمان قالت (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٨﴾ النمل) فحب الخلود غريزة، دائما يؤخر الموت التقديم والتأخير في القرآن دقيق جدًا.

المقدم: إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حينما حانت ساعته قال: بل الرفيق الأعلى. حتى من الناحية اللغوية حينما يقال "مات زيد" صحيح زيد من الناحية اللغوية هو الفاعل لكن من الناحية المعنوية هو الذي وقع عليه الموت.

المقدم: يقول سبحانه وتعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴿١٠١﴾) في سورة عبس يقول الله سبحانه وتعالى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿٣٧﴾ عبس) الإنسان يعرف أمه ويعرف أباه ويعرف أخاه فكيف يقول فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون إذن كيف يعرفون بعضهم بعضا؟

د. المستغانمي: هذا سؤال طرحه المفسرون من قبل. النفي هنا ليس معنى فلا أنساب بدليل الآية التي ذكرت (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَت

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل