تفسير سورة البقرة - المجلس العاشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس العاشر  - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

قال الله U: ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (هذه الآية وما بعدها واردة في الأمر الصريح لاستقبال القبلة، واردة في الأمر الصريح لاستقبال البيت الحرام بعد التأكيد وتكرار الأمر والتهيئة إليه، وبعد أن مهد الله Uلذلك بعدة ممهدات كما سبق أن ذكرنا قبل ذلك كما قال الله U: ) قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ (أي له أن يولي من يشاء، ما يشاء I، وقوله تعالى:) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى ( وقـوله تعالى: ) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ( وقـوله: ) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ( وقوله: ) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ( كل ذلك تهيئة لهذه الأمة لأن تتلقى أمر الله Uبالقبول والتسليم والانقياد التام والطمأنينة التامة في مواجهة ما يلاقونه من استهزاء وسخرية وكيد المنافقين واليهود، ولذلك جاء الخطاب هنا للنبي مباشرة) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (لاحظوا أن الله تعالى قال: ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ (وهذا يدل على عناية الله U بنبيه محمد e كيف ذلك؟ الله تعالى قال: ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ (قـد نرى أنك تتطلع إلى ربك إلى أن يحولك من بيت المقدس إلى البيت الحرام، فكان النبي e بعد أن مهد الأمر وذكر إبراهيم، وذكر بناء البيت، وذكر إسماعيل وبنـاءه مع إبراهيم، تطلع النبي e إلى قبلة أبيه، وقيل كان علم النبي e أنه من علم أهل الكتاب أنهم في كتبهم أن آخر نبي سيكون قبلته البيت الحرام، وقيل أن الله تعالى أخبره أو جبريل، على كل حال الروايات في هذا والأقوال مختلفة، فقوله: ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ (ولم يقل " قد نعلم " فهذا يدل على عناية ربانية بنبينا e ويدل أيضـاً على كريم وعظيم أدب النبي eكيف ذلك؟

النبي u كان يريد ويتطلع إلى أن يحول إلى بيت الله الحرام، لكنه لم يسأل ربه، لماذا؟ أدباً منه u في أن يسأل ربه شيئاً، يخشى أن يكون كلفةً على نفسه أو على أمته u، ولهـذا نهى النبي e أمته وأصحابه أن يكثروا السؤال، فلم يستعجل u سؤال ربه، وإنما كان تطلعاًً وترقباً له، وهذه هي عادته u في جميع أمر التشريع، لا يسأل ربه تشريع أمر من الأمور، بل ينهى عن كثرة السؤال المؤدي لذلك خشية تعجز أمته أو تضعف على القيام به فيكون أعظم حجة عليهم، وهذا من عظيم حكمته ورحمته بأمته e تأملـوا أيها الأحبة قول الله U) فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (التعبير في قوله " فلنولينك " ماذا يفيد؟ لم يقل لنصرفنك أو لنحولنك، التولية تدل على ولاية وعناية ربانية من الله U بنبيه، ) فَلَنُوَلِّيَنَّكَ (يعني بمعنى سأمنحك رعاية وكرماً وشرفاً قبلة، أشرف قبلة، فقوله: ) فَلَنُوَلِّيَنَّكَ ( من الولاية والرعاية التي تشمل التكريم والتشريف. وفي هذا إشعار بتولي هذه الأمة، أمر البيت كله، وتولي عهده وأنه ستكون أو سيكون هذا البيت قبلتهم دون غيرهم أو مِمَّنْ تبعهم، وفيه أيضاً بشارة بقرب زوال أمر قريش، لأنه إذا تولى النبي e أمر البيت ويدخل في ولايته ورعايته، فإن ذلك مؤذنٌ بقرب زوال أمر قريش وهو بشرى من الله لنبيه.

ثم تأملوا قال U:) فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (لم يقل هنا " تهواها أو تحبها " أو نحو ذلك، قـال: )تَرْضَاهَا ( وما معنى ترضاها؟ الرضا رغبة ومحبة ناشئة عن تعقل يعني رضيت بالشيء يعني بعد أن عرفت أنه هو المصلحة التامة وهو الذي هو يناسب حالي، فالنبي e لما رأى الأمر وأن ذلك قبلة أبيه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أبواه فرضي أن تكون تلك القبلة هي قبلة أمته، فقال الله U: ) تَرْضَاهَا (ولم يقل " تهواها أو تحبها "، فما أعظم هذا التعبير، ثم قال الله U:) فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (فخص الأمر ابتداء إليه u، لماذا؟

لأنه هو المبلغ، وهو النبي الكريم u، فهو الأصل في التبليغ وأمته متبلغة عنه، أو متبعة له في ذلك الأمر.

قال ) فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ( في هذه الآية نأخذ عدة أحكام، وهو أولاً قبل هذه الأحكام، نلحظ أن الله قال) فَوَلِّ وَجْهَكَ (ويدل على هذا نأخذ منه حكماً، هو لزوم تولي الإنسان وجهه إلى القبلة، وعدم جواز الالتفات في الصلاة وقد جاءت في السنة بذلك وإن كانت جاءت السنة بذلك بعد فرض الصلاة فهذا دليل يمكن أن نستنبطه من هذه الآية قوله) شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (ولم يقل " عين المسجد الحرام ماذا يدل عليه؟ يدل على أن لزوم الواجب في الاستقبال جهة القبلة لمن لم يكن معايناً لها والآية نازلة فيما، أين نزلت؟ في المدينة، وفي المدينة لا يمكن معاينة الكعبة فيها، فقال هنا: ) شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (والشطر هو الجهة كأنه قال " فولي وجهك " جهة القبلة، فيؤخذ من هذا الحكم وهو لزوم استقبال جهة القبلة، لا عين القبلة لمن لم يكن معايناً لها، وقد قال النبي e: « ما بين المشرق والمغرب قبلة » [1] أي في المدينة، يعني الجهة ما بين المشرق والمغرب كل هذا الاتجاه قبلة لأهل المدينة بين المشرق والمغرب، أما نحن فما بين الشمال والجنوب من جهة الغرب فلو مال الإنسان قليلاً غير عامد فلا بأس ولا حرج عليه، ويدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ما بين المشرق والمغرب قبلة، وهذه رحمة من الله وإلا لو أمرنا فاعلين باتجاه القبلة التوجه لعين القبلة لشق ذلك مع أنه في هذا الوقت بالذات في هذا الزمن يمكن للإنسان أن يعاين عين الكعبة، كيف ذلك؟ هذه الأجهزة المتطورة التي توصلك إلى النقطة الدقيقة في التوجه لجهة الكعبة نفسها، فلكن لا نلزم الناس بأن يأخذوا بهذه الآلة، لا يمكن يصلي إلا أن يأخذ هذا الجهاز فيتوجه به إلى القبلة أو نحو ذلك، لكن من استطاع لذلك لا شك أنه أولى وأكمل. لاحظوا أن الله تعالى قال: )فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (ولم يقل (شطر البيت) لماذا؟ لأن الأمر متعلق بماذا (بالصلاة) فسماه مسجد، فلما كان متعلق في الصلاة قال المسجد الحرام، ثم أيضاً أن هذا الإطلاق دال على أن أول ما أطلق لفظ المسجد الحرام في الإسلام، أول ما أطلق لفظ المسجـد الحـرام (المسجد الحرام) بهذا الاسم في الإسلام، فهو دال على شرف الأمة في تسميته بهذه التسمية.

ثم قال الله U: ) وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (بعد أن خص النبي eبالأمر، عممه للأمة ليتعين أمرها وإلا فإن أمر النبي eكافٍ، لكن لما أن الأمر متعلق بالقبلة والقبلة أمرها عظيم في الإسلام، وهي أصل في الدين ولذلك سمي أهل الإسلام أهل القبلة، أكد أن الله U عليه تأكيدات كثيرة في هذه الآيات كما سيأتي.

ثم قال الله عز وجل مخبراً عن حال أهل الكتاب قال: ) وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ( كيف علم أهل الكتاب أنه الحق من ربهم؟ علموا ذلك بما في كتبهم ولذلك قال: ) أُوتُوا الْكِتَابَ (ولم يقل وإن الذين وإن أهل الكتاب أو وإن اليهود أو بني إسرائيل، قال:) وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (، أي أن في كتبهم ما يدل على أن هذا النبي ستكون قبلته البيت الحرام وقد ورد في بعض الروايات أن النبي في آخر الزمان ستكون قبلته البيت الحرام، يعلمون ذلك في كتبهم لكنهم كتموه، لكنهم كتموه.

) وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( عما تعملون وفي القراءة يعملون، عما تعملون أنتم أيها الأمة في إتباع أمر الله لكم، وعما يعملون هم في مخالفتهم وفي كتمانهم، فانظر إلى أمر القراءات كيف دلت على هذين المعنيين، ثم قال الله U: ) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ (هذه الآية واردة في ماذا؟ واردة في تأكيد عدم متابعة أهل الكتاب للنبي e وأنهم لا يمكن أن يتبعونك، لأنهم لو تبعوك تبعوك في الأصل على دينك وملتك، كيف وقد كفروا بالله من قبل وكفروا بأنبيائهم؟! فكيف يؤمنون بك؟! فالله تعـالى آنس نبيه عليه الصلاة والسلام وطمـأنه وسلاه لئلا يضيق صـدره وصدر المـؤمنين قال: ) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (فهذا دليل على المفاصلة، ولهذا قال بعدها: ) وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ (لا يمكن لك يا محمد ولأمتك أن تتبعوا قبلتهم بعد ذلك، هذا دليل على ماذا؟ على ثبوت أمر القبلة إلى قيام الساعة، يعني التوجه للكعبة.

ثم قال الله تعالى: ) وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ( يعني مما يدل ويؤكد على أنهم لن يتبعوك، أن بعض أهل الكتاب لا يمكن أن يتبعون قبلة بعض، يعني اليهود لن تتبع قبلة النصارى، ولا النصارى يتبعون قبلة اليهود، فكيف بقبلتك يا محمد؟!.

ثم قال الله U:) وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (هذا الخطاب لمن؟للنبي eقال الله: ) وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (خطاب شديد وعظيم فيه توعد لكن الخطاب ليس للنبي e بذاته، إنما لما كان الأمر عظيماً ومتعلقاً بإتباع أهل الكتاب شدد الله تعالى فيه وخاطب فيه نبيه e كما قلت لكم في قاعدة من قواعد القرآن أن الخطاب إذا كان عظيماً، يتوجه ابتداءً إلى النبي e، ليعظم أمر هذا الخطاب وليتبعه أمة محمد e بعده، وكما قال الله U) لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ([2]هذا ليس مقصود به ذات النبي U وإنما المقصود به ذات الأمر، وهو عظم الشرك وعظم أمره وعظم من اقترفه، فلاحظوا هذا الملحظ العظيم العجيب الدقيق في كتاب الله U تلحظونه في كثير من الآيات التي وجه الخطاب فيها للنبي e، تحذيراً وليس ولا يمكن وقوعه من النبي e وهو المعصوم.

ولهذا بعد أن نزلت هذه الآية وبعد أن حول الله تعالى القبلة إلى البيت الحرام، كان النبي e يتقصد مخالفة أهل الكتاب بعد ذلك، فإذا رآهم على أمر خالفهم عليه،حتى قالوا ما بال محمد ما أن يرانا على أمر إلا خالفنا عليه،بعد القبلة كانت هناك مفاصلة مع اليهود لأنهم دعوا وبأساليب مختلفة من أول السورة كما ذكرت لكم ثم هيأهم الله U في الدعوة أو أدخلهم في الدعوة في القبلة لكن القبلة لما كانت فيها تحويل عن قبلتهم تمت المفاصلة، فكان النبي e يخالفهم مخالفةً تامة وهذا يؤكد لنا عِظم أمر وتشريع مخالفة اليهود، وأن ذلك أمر متأكد في أمة الإسلام،يخالفون أهل الكتاب وما حكمة قول الله U أو في سورة الكافرون) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (إلا المخالفة التامة.

ويدخل في ذلك أهل الكتاب، لهذا حذر النبي e أمته من إتباعهم [3] " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " إنما قال ذلك النبي e تحذيراً لأمته من إتباعهم وإنك حين ترى الواقع ترى وللأسف الشديد مخالفة أمة الإسلام فيما رسم لها النبي e من منهج في مخالفة أهل الكتاب، وكيف نرى اليوم تبعية أمة الإسلام للغرب، وكيف تأثرهم وتوجههم إليهم في أمورهم العظمى قضاياهم الكبرى يتوجهون فيها إلى الكافرين أو إلى الغرب، ولا شك أن هذا مخالفة لله ورسوله ومخالفة للمنهج النبوي وهذا الذي جعل الأمة اليوم في منزلة من الضعف والذلة بين عند أهل الكتاب.

ثم قال الله U: )الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (ماذا يفيد هذا؟يفيد هذا أن الكافرين يعرفون محمدًا e وما أتى به ويدخل في ذلك أمر القبلة لأن المفسرين اختلفوا في هذه الآية) يَعْرِفُونَهُ (من الذي يعرفونه؟

* هل هم يعرفون أمر القبلة؟

* أو يعرفون النبي e؟

* أو يعرفون القرآن؟

الظاهر والله تعالى أعلم أن المقصود به هنا النبي e وما جاء بهلماذا؟لأنه قال في سياق الآية) كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (فشبهه بأبنائهم يعني الإنسان ما يشك في ولده، وهو يعلم أنه ولده لا يمكن أن يشك فيه يعرفه، إذا جاء ولده فأعرف الناس به أبوه، فلذلك هم أهل الكتاب يعرفون النبي e أنه نبي وأنه صادق وما جاء به صدق ومن ذلك القبلة لأنه في كتبهم، وصفه في كتبهم واضح، هم أعرف من العرب، هم أعرف بالنبي من العرب، فلذلك قال:) يَعْرِفُونَهُ (ولهـذا قال: ) وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ (الحق ما هو؟ الذي في كتبهم) وَهُمْ يَعْلَمُونَ( ثم قال الله U كلمة فيها الفصل وفيها إثبات الأمر حتى يستقر في نفوس المؤمنين ما يتزعزعون في أمر القبلة لأن وقت التحول مثل ما يقال وقت الأزمة الناس يموجون فيها بالكلام والأخذ والعطاء وأصحاب الشُّبه يقولون شبههم والمنافقون كذلك واليهود كذلك فالله تعالى أراد أن يرسخ في قلوب المؤمنين أن هذا هو الحق، وأن هذه القبلة هي قبلتكم ولا شك فيها، قال الله:) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ (الخطاب للنبي e ولكنه متوجه لأمته، فلهذا قال: ) فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (أي الشاكين في أي أنواع الشك، لأن الامتراء أدق من الشك فالله تعالى أراد أن يرسخ في نفوس المؤمنين هذا الحق حتى يعبدونه على بصيرة فلا يكون الشيطان يدخل عليه فيهم مدخل ثم قال الله تعالى: ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (ما مناسبة هذه الآية؟ ما علاقتها؟ يعني تتابع الآيات ماذا تفيد هذه الآية) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (يعني أن كل أمة لها قبلة اليهود لهم قبلة والنصارى لهم قبلة وأنتم يا أمة الإسلام لكم قبلتكم فاغتنموا هذه النعمة وهذه الهبة الربانية لكم، فاستبقوا الخيرات واتركوهم وأعرضوا عنهم كأن الله تعالى أراد أن يصرف الناس عن الكلام، أي المؤمنين عن الخوض في هذا الكلام، وأن يدخلوا فيه بجدال مع أهل الكتاب إلا هذه قبلتنا حق أو قبلتكم باطل، أراد أن يقطع هذا الكلام ويقول: ) فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (أي أنتم لستم مسؤولون عنهم اتركوهم إن كانوا يريدون الحق عرفوه أما أنتم فاستبقوا الخيرات واغتنموا هذه القبلة التي شرفكم الله بها وصلوا إليها واحرصوا على ذلك واستمسكوا به، لكن هنا سؤال لماذا قال:) فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ( ولم يقل " استبقوا توجه القبلة "؟ ليعم ذلك جميع الأعمال لأن القبلة أصل فيتبعه كل عمل صالح فكأن الله تعالى من رحمته ورعايته وحرصه ورحمته بهذه الأمة I أمرها بالاستباق للخيرات كأنه قال اسبقوهم إلى الخير لتكون أنتم السابقون الأولون يوم القيامة فما أعظم هذه الرعاية الربانية الكريمة بعد أن أمرهم بالقبلة أمرهم باستباق الخيرات والتوجه إليه كاملا في جميع أعمالهم.

ثم قال الله U:) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (لعلنا نشنف أذاننا في سماع الآيات:) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (

 نلاحظوا أنه جاء الأمر بالتوجه في الآيات ثلاث مرات ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (وهنا قال) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (، ثم قال ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (فما فائدة هذه الإعادة وهذا التكرار؟ لأن الإعادة والتكرار في القرآن للشيء دليل على عِظم الأمر الذي ورد فيه، وأنه أمر تحتاج النفوس إلى هز أكثر من مرة والتأكيد أكثر من مرة حتى يرسخ في نفوسها عظمه، النبي e لما جاءه الوحي، أول مرة كيف جاءه؟ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، هزه ثم تركه، قال: اقرأ، قال النبي e: ما أنا بقارئ، ثم أخذه مرة أخرى فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم الثالثة، لماذا؟ ليستعد النبي e استعداداً تاماً في جميع حواسه وإدراكاته لهذا الأمر العظيم الذي نزل عليه من السماء فليس الأمر بالهين. ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ([4]فإدراك الإنسان لا يكون إلا حينما يهتز ويهزه الإنسان، فلذلك المعلم إذا أراد أن ينبه الطالب أو الطفل ربما يهزه انتبه !، أو خشيت على إنسان من شيء انتبه !، تؤكد عليه مرة أو مرتين أو ثلاثة، وهذا سر التكرار في القرآن والله أعلم، لاحظ في سورة الرحمن كيف ورد ) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ([5]تأكيد ثم تأكيد ثلاثين مرة، وأيضاً في آية الدين كرر لفظ الكتابة في وجه واحد عشر مرات، لأهمية الكتابة في آخر الإسلام حتى يتعلمون الدين ويكتبونه بعد وفاة النبي e يتعلمون الكتابة مع أنه أمرهم بالكتابة في شأن ماذا؟ في شأن مدايناتهم لكنهم إذا تعلموا كتابة المداينات سيكون منهم أناس يكتبون شريعة الله ودينه، هنا قلت لكم أن هذا من باب التأكيد وأيضاً فيه معاني يمكن أن نقتبسها أن الأمر الأول الأمر بالتوجه ابتداءً، الأمر الأول للأمر ابتداءً بالتوجه، والثاني لإثبات أنه الحق، ولهذا قرنه بقوله: ) وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ (الأمر الأول لأنه أول أمر فهو متوجه إلى الابتداء ثم الثاني لإثبات أنه الحق ثم الثالث ماذا؟ لاحظوا اقترن بماذا، اقترن بقوله: ) لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ (يعني هو أمر قطعاً لحجة المعارضين، فانظروا هذا الترتيب وهذا التأكيد المقترن بالقرينة في السياق، قال الله U) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ (من هم الناس؟ الظالمون الكافرون اليهود والمنافقون والمشركون لئلا يكون لهم عليكم حجة بعد ذلك بعد هذا البيان التام لا حجة لأحد لأن الله بينه بيان تام.

قال: ) إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ (يعني إلا الذين ظلموا وخرجوا عن أمر الله وجاءوا بأمر من عندهم وكذبوا أمر الله، قال الله تعالى بعد ذلك هؤلاء) فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي (لا عليكم منهم، ليس عليكم منهم ضرر ولا تخشوهم،وفي هذه الآية دليل على ماذا؟

دليل على حفظ الله ومدافعته للمؤمنين بعد إقامة الدين) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ([6]، فهذه الآية فيها دليل على أن الله يدافع عن هذا الدين إلى يوم القيامة، كما قال الله U) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ([7]، فهذا الدين محفوظ بحفظ الله له قام به من قام وارتد عنه من ارتد، ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ([8]فالدين قائم، لكن من ينصره فهو الموفق المُهْدَى إلى الطـريق الصحيح.

ثم قـال الله U: ) وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ( نعمتي ماذا؟ نعمة الدين، ) وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( يعني أتم نعمتي عليكم بأن حوّلكم للقبلة وأتم نعمتي عليكم بعد ذلك بالشرائع وهذه الجملة فيها إشارة للتشريعات التي ستنزل بعد تحويل القبلة، يعني كأن الله يشعر هذه الأمة أن الله سيتم يوم أنعم عليها بالقبلة سينعم عليها بالتشريع كله، ولهذا جاءت التشريعات بعد هذه الآية وفي السورة كلهـا، انظروا إلى هذا الملحظ الـدقيق في هذه الآية،) وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (أي أن الله U أراد هدايتكم، فهدايتكم حاصلة بتحويل القبلة، وهدايتكم حاصلة بإتمام نعمة الله عليكم بهذا التشريع الذي سيُشرِّعه لكم، ألا تلحظون أن هذا مشوق للتشريع، يعني كأنه أراد والله تعالى أعلم يشوقهم للتشريع، فإن كانوا متشوقين لأمر لا شك أنهم يتلقوه بالقبول، فانظر إلى رعاية الله وإعداد الله لأمة الإسلام لأن تتلقى التشريع، لا شك حينما تقول لابنك ولله ولكتابه المثل الأعلى سأعطيك هدية تسعد بها، أو سأمنحك شي تكون به سعيدا، أترى هذا الطفل أو هذا الابن أو هذا الموظف حينما يقول له رئيسه سأكلفك بأمر هو حقيقة فيه عزّ لك وشرف وفيه صدارة، سينتظر هذا الخبر وسينتظر هذا الأمر وسيكون بشوق عظيم، فكذلك الله U يشوقنا بأن هذا التشريع من تمام نعمته علينا، ولهذا قال في سورة الفاتحة) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ([9]أنعمت عليهم بالدين فتم ذلك، ثم قال الله U: ) وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( أي أن الله أراد لنا الهداية وهذه من كمال نعمة الله علينا، أراد لهذه الأمة الهداية التامة وهذا معنى قوله اهدنا الصراط المستقيم الذي نسأل الله تعالى دائماً في كل صلاتنا هذا السؤال العظيم.

ثم قال الله تعالى:) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ (الكاف هنا متعلقة بماذا؟ هذه اختلف فيها المفسرون، كما أرسلنا ماذا؟ يعني هديناكم كما أرسلنا، أو أتممنا عليكم كما أرسلنا، أو حولناكم إلى القبلة كما أرسلنا ! الظاهر والله تعالى أعلم كأن الله تعالى: أتممت عليكم نعمتي بمنحكم هذه القبلة التي هي خير قبلة كما أرسلنا فيكم خير رسول، لاحظوا المعنى الدقيق العظيم، أتممت عليكم بأن منحتكم خير قبلة كما أرسلنا فيكم خير رسول،فاغتبطوا بهاتين النعمتين، واستمسكوا بهما وعضوا عليهما بالنواجذ، ولهذا قال في مهنة الرسول e وأمته) يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (هنا سؤال هو قال هنا  ) يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ (في الآيات السابقة في قصة إبراهيم ماذا قال؟) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ([10]هنا قال: ) يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ ( قدم التزكية ويعلمهم الكتاب والحكمة، ما الفرق بين الموضعين؟ الفرق بين الموضعين هو أن الحديث هناك عن من  عن النبي e.

) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا (فوظائف الرسول بالترتيب، تلاوة وتعليم وتزكية، هذه وظائف الرسول، هذا الأصل في التعليم، هنا الحديث عن من؟ عن الأمة وما من الله تعالى بها في رعايتها وإكمال الدين لها، فقال: يتلو عليهم آياتك ويزكيهم فلا شك أن التزكية أحق بالأمة أو في نتيجتها هي راجعة للأمة أكثر من التعليم، لأنها هي النتيجة التي ترجع للأمة هي الثمرة المرجوة للأمة. حينما الإنسان يتعلم العلم لماذا؟ ليزداد به إيمانا وتزكية وعملا، وهذا نأخذ منه درساً عظيماً وفائدة جليلة دقيقة ؛ هي أن العلم إذا لم يورث العمل لا خير فيه، وأن الأصل في العلم هو في التربية والتزكية، نحن نقيم هذه المدارس لتزكية أبنائنا لا لملئ عقولهم بالمعلومات، إذا كان هدف المدرس ملأ عقول الأبناء بالمعلومات فوالله لن يتربوا،ونحن أيض

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل