تفسير سورة البقرة - المجلس التاسع - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس التاسع - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) (.

هنا في قول الله تعالى: ) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ( ما زال الحَديث إلى آخر الآيات في محاجّة بني إسرائيل ومجادلتهم، وإبطال ما كانوا عليه من الحُجج، من حُججهم:

- أنّهم يقولون وصّانا أبونا يعقوب بأن نكون على ما كان عليه، ونحـن الآن على ما كان عليـه يعقـوب - زعماً منهم -

- ثمّ احتّجوا بأنّهم على ملّة إبراهيم.

- ثمّ احتّجوا أنّهم على الصِّبغة الصحيحة.

- ثمّ احتّجوا أنّ أنبيائهم وآباءهم سيشفعون لهم يوم القيامة.

فالله تعالى هنا دحض شبههم وحُججهم وأبطلها واحدة واحدة، لماذا؟ لئلا يكون لهم بعد ذلك حجّة، تنقطع حجّتهم ويكون البيان تامّا فلا يكون لأحدٍ شبهة أو دخن أو شيئاً مما يجعله يشكّ في هذا الدين، فقال الله:) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ (إذ زعمتم أنّ يعقوب شهد لكم، أو وصّاكم بهذا الدين، هل كنتم حضرتم ذلك عند موته، ولماذا ذكر صفة الموت؟ لأنه لا شكّ أن الإنسان لا يُوصي في آخر حياته عند موته إلا أهمّ ما يوصي به، وأنّ ما وصّى به ناسخٌ لما قبله، فوصيّته هنا، ما هي وصيّة يعقوب؟ فقال الله: ) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ (فهذا نأخذ منه أنّ الإنسان يُوصي عند موته أو عند قُرب أجله أو كبر سنّه، أعظم ما ينبغي أن يُوصي به، ومن ذلك وصيّة أبنائه بالتوحيد وطاعة الله والتئام أمرهم وتقاربهم، إلى غير ذلك مع ما يُوصي به من المال) إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي (انظر الله U يذكر شهادة ووصية يعقوب) إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي (من هم بنو يعقوب؟ الأسباط، أنبياء بني إسرائيل، ) قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا ( ذكر الله أنّ وصية إبراهيم بعبادة الله وحده لا شريك له، ووصية يعقوب وأنكم يجب أن تُقرّوا بهذه الوصية، وهنا ملحظ أنّه ذكر إسماعيل مع أنّه ليس من آبائهم، قال: ) نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ (ليس من أباء يعقوب إسماعيل، لأنّ يعقوب ابن إسحاق، وإسماعيل عمّه، لكن ذكره هنا لأنّ المقصود أنهم يشتركان في التوحيد وهذه الوصية، وأنه داخل فيه من هذا الباب، كما يُقال: أولئك أبائي فجئني بمثلهم، أبائي في الدين أو الشرف أو الخلق أو العزيمة أو غير ذلك ) إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (.

قال الله تعالى:) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ما غرض هذه الجملة مع أنّ الله أعادها في الآيات التي بعدها؟ هذه الجملة في الموضع الأول غرضها غير الغرض في الموضع الثاني، لاحظوا معي غرض الجملة أو الآية

) تِلْكَ أُمَّةٌ (في الموضع الأول هو أنّ الله تعالى يقطع صلتهم بأولئك الأنبياء وأنهم لن يشفعوا لهم وأنهم لن ينفعوهم عند الله تعالى) لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ( ما هو الذي كسبوه أولئك الآباء؟ هو التوحيد ,وأنتم كسبتم الكفر، فلا يُمكن أن تلتقون ولا يُمكن أن ينفعونكم عند الله U) وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ليس بينكم ولا بينهم أيّ أمر ولا علاقة يوم القيامة إلا بالعمل فإن كنتم تبعُ لهم فأنتم معهم.

ثم قال الله تعالى في بيان حجة لهم أخرى ودحضها، قال: ) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا (يزعمون أنهم على ملة إبراهيم ولذلك قال: ) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا (فردّ الله عليهم قال: ) قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا (أي اتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً) وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (وقوله ) وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( يدل على ماذا؟

تعريضاً بهم أنكم أشركتم بعده وخالفتم أمره وملته، قـوله: ) حَنِيفًا ( بمعنى مائلاً، وكيف كان إبراهيم مائلاً, حنيف في اللغة: مائل يمشي بعرجة وميلان، لكن الحنيف في الدين المائل عن الشرك وجميع ما خالف أمر الله U, وهذا يؤكدّ على أنّ الإنسان في هذا الطريق لا شكّ أنه سيُواجهه عقبات، وتُواجهه صوارف منها الشيطان والأهواء والدنيا وشياطين الإنس وشياطين الجن، كل هؤلاء في طريقه يصرفونه فلابدّ أن يميل عنهم بتوحيده واستقامتهم لله عز وجل، أما في دينه فهو مستقيم، لكن في سلوكه في هذه الحياة لابد أن يميل عن الشرك، ويميل عن البدع ويميل عن الصوارف والشهوات والشبهات فلابدّ أن ينصرف، أنت ترى منظراً محرماً لابدّ أن تنصرف، ترى بدعة تتركها، ترى شركاً تتركه وهكذا، فالمقصود هنا أن إبراهيم منذ كان على التوحيد رأى قومه على الشرك فتركهم وجاهدهم، والمعاصي والأصنام فـتركها، فهذا معنى قـوله: ) حَنِيفًا (وقيل الحنيف: بمعنى المُقابل، أنّ العرب كانوا يقولون بالكلمة بمعناها ! المريض يسمونه سليماً، المرأة التي جاءت للصحابة أرادت أن تطلب منهم يرقي، قالت إنّ سيد هذا الحيّ سليماً، ما قالت مريض إشارةً إلى التفاؤل، لعل هذا المعنى مقصود في هذه الآية حنيفاً يعني مستقيماً تمام الاستقامة ولا تعارض بين القولين، قال:) وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (تعريضاً بهؤلاء المشركين.

الله U هنا يُلقّن أمة الإسلام، الله أكبر، ما أعظم تربية الله لهذه الأمة !!، هنا الله تعالى يُعلّمنا ماذا نقول، قال:) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (عقيدة صافية تتوافق وتتواصل مع الأنبياء جميعاً، فكأنّ الله يقول لهذه الأمة آمنوا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكم من القرآن وَمَا أُنزِلَ إِلَى الأنبياء كلهم من الكتب، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى من البينات والمعجزات وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ أيضاً من المعجزات، كلها آمنوا بها فإنكم بذلك تكونون الأمة المسلمة المؤمنة الكاملة) وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( مُقرّون له بذلك، ولذلك شُرعت قراءة هذه الآية في سنة الفجر لأنّ فيها توحيد، فما أعظم أن يستشعر الإنسان هذا المعنى أنّه موصول بالأديـان كلها توحيداً لله U في هذا إشارة إلى أنّ هذه الأمة قد ورثت هذا الدين من الأنبياء جميعاً واحداً بعد الآخر فهي موصولةٌ بهم جميعا، أما أولئك اليهود والنصارى والمشركون فقد خالفوا أنبياءهم وخالفوا رسالة الله إليهم وما أنزل الله عليهم.

) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا (كأنّ هذا فيه دعوة لهم، إن كنتم تريدون أن تهتدوا أيّها المشركون، أيها اليهود، أيها النصارى، فاهـتدوا ) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ (أي خـلاف ومخـالفة واختـلاف) فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ( ما أعظم هذه الكلمة !! هـذه الكلمة ما قال فاتركوهم، المعنى اتركوهم، لكن قال:) فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ (أي أنّ الله سيتولى شأنهم وسيُعذبهم وسيُرهقهم وسيُضعفهم ويُذلّهم، وفي هذه الآية وعد كريم من الله U بأن الله سيكفي هذه الأمة أولئك الكافرين من أهل الكتاب والمشركين) فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ (إذا كنتم على الدين صادقين مسلمين مؤمنين حقا) فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ (وإنما جاء الخطاب للنبي e دون أمته تعظيماً له ووعدُ له كريم، فإنه وعد للنبي e وتبشيراً له أنّ دينك يا محمد مُتصل ممدود إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من أمتي على الحق قائمين لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله [1]، هذا وعدٌ كريم بأنّ هذا الدين لن يُغلب ولا يمكن بإذن الله تعالى أن تستأصل بيضته؟ ولا يمكن للكافرين الغلبة على هذا الدين، فما أعظم وعد الله لنا فما بقي إذا وعد الله بذلك أن نكون أهلاً لهذا الدين وأن نحمله وأن ننصره حتى نبلّغ رسالة الله فَنَشْرُفُ بها، قـال الله بعد ذلك: )وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ (هذا ردّ على زعمهم أننا نصطبغ بصبغة أنبيائنا ونحن على دينٍ صحيح، ما زالوا يصطبغون إلى اليوم، كيف يصطبغون؟ اليهود زعموا أنهم يغتسلون تطهيراً من الذنوب، اليهود يزعمون في عقيدة بينهم أنه حين يُصبغ أحد أبنائهم بهذا الماء الذي يزعمون قدسيته أنه يُطهر ويُقدّس، وكذلك النصارى إلى اليوم فهم يزعمون هذه الصبغة وأنّ من اصطبغ بها فهو نصراني على الدين الصحيح، قال الله U:) صِبْغَةَ اللَّهِ (هنا وافقهم في اسم لكن في الحقيقة أمـر آخـر، فقال الله: ) صِبْغَةَ اللَّهِ (أي دين الله أو فطرة الله) صِبْغَةَ اللَّهِ ( هي الفطرة وقال ) وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً (إذا كنتم تزعمون أنّ عندكم صبغة فالله صبغ هؤلاء المسلمين بصبغته، أيّ شـرفٍ أعظم من هذا، وصبغته هي دينه وفطرته I فطرة الإسلام، والتعبير بالصبغة دليل على أنّ الدين تظهر آثاره على الجوارح، كل إناء بما فيه ينضح، وإن كان الأصل ما وقر في القلب لكن لابدّ أن يُصدّقه العمل، فأنتم ترون أن الإنسان إذا حسُن إسلامه واستقام ظهرت هذه الصبغة عليه، والصبغة تقال في الأمر المعتاد في الأمر الظاهر، في جمال الأمر وظاهره، فالله تعالى أشار هنا إلى أنّ المسلم مصبوغٌ بالفطرة باطناً ومصبوغٌ بشعائر الدين والمظاهر الشرعية وأوامر الله ظاهرة بالصلاة والصيام والذكر والمظهر الشرعي في الجسم بلحيته وما أمر الله به ورسوله e.

قال الله تعالى هنا: ) وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (مقرّون ثابتون مستقرّون على هذا الدين، فهذه إشارة إلى إصرارهم - أي المسلمين - وبقائهم وثباتهم على هذا الدين أنه الحقّ.

ثم قال الله لهم:) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ (أي أنتم تـزعمون أنكم أحباب الله، إن كنتم صـادقين فانظـروا (هُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) ما الذي يفرق بيننا؟) وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ (أنتم تعملون كما تزعمون ونحن نعمل، هذا ردّ عليهم) وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (وأنتم مشركون، الله U كأنه يلقّن المسلمين أنكم إذا كنتم تزعمون أنّ الله ربكم وأنكم أحباب الله وأبناء الله، قال الله قولوا لهم: ) وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (فانظروا لمـن العاقبة عند الله U لمن النجاة يوم القيامة فهذا هو معنى الآية.

) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى (هل تزعمونأنّ هؤلاء

كانوا هوداً أو نصارى) قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ (أأنتم أعلم بهؤلاء الأنبياء الذين ماتوا بحالهم، على ماذا كانوا، أم الله الذي يعلم ويقول لكم على ماذا كانوا عليه فهم على التوحيد.) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ (وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أنّ ذكر أنبيائهم وأنهم على التوحيد مكتوبٌ عندهم يقرؤونه لكنهم يكتمونه، قال الله:) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (يُهددهم ويتوعدّهم بأنكم سترون هـذا الذي أنتم عليه، وهو كتمانكم للحقّ.

ثم قال الله:) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (هذه الآية الثانية ما معناها نحن قلنا أنّ الأولى في قطع زعمهم أنّ هؤلاء الأنبياء سيشفعون لهم عند الله وسينفعونهم يوم القيامة، سينجون وسيدخلون الجنة ببركتهم، فقطع الله ذلك عنهم، في هذه الآية المقصود قطع الأنبياء عنهم ,في الأولى قطعهم عن الأنبياء بالشفاعة ,وهنا في يوم القيامة لن يعترف لهم الأنبياء بالنسب لهم ,سيقطع الأنبياء علاقتهم بهم لأنهم قد خالفوهم ولم يكونوا على ما كانوا عليه, فالأولى قطع لهم هم بزعمهم أنّ هؤلاء سيشفعون لهم، والثانية يوم القيامة يُشير إلى حال الأنبياء معهم وأنهم لن يعترفوا لهم ولن يُقرّوا لهم بصلتهم بهم وأنّى لهم ذلك!!.

) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) (.

هذه الآيات حقيقة تحتاج منّا إلى تأمّل دقيق فهي آيات التشريف لهذه الأمة، آيات أنّ الله شرّف فيها هذه الأمة بأعظم شرف وهو ولاية القبلة، قبلة إبراهيم لهم، فهي تأتي اتصالاً في سياق السورة، ألسنا قلنا أنّ السورة في إعداد الأمة لحمل أمانة الدين والشريعة وتبليغها في الأرض، بلى، فتأتي هذه الآية في تأسيس القاعدة العظمى لهذه الأمة وتشريفها بها وهي ولاية البيت واتخاذه قبله، ولاشكّ أن القبلة من أعظم ما تُشرّف به أمة، أنّ الله يخصّها بقبلة تجتمع عليها، فما أعظم أن نتأمّل هذه الآيات على وفق هذا المعنى، فكلها راجعة إلى المقصـد الأعظم الذي ذكرت لكم وهو إعداد هذه الأمة المحمدية لأمانة الدين وتشريفها بشريعة الله وتبليغه، وصلتها بالآيات التي قبلها، أنه لما ذكر البيت وذكر تشريف إسماعيل ببنائه كأنّ المشركين وأهل الكتاب توجّسوا من أنّ الله عز وجل سيُشرّف وسيُكلف هذه الأمة بالقبلة ويشرفها بقبلة إبراهيم عليه السلام، دليلاً على تنصيبها بالخلافة وتكليفها بذلك فتوجّسوا في ذلك، فقال الله تهيئة للمؤمنين الله أكبر، ما أعظم هذا الإعداد، نحن قلنا أنّ السورة كلها إعداد، فالله تعالى ينبه المؤمنين بما سيقع من الكافرين والمنافقين وأهل الكتاب قبل وقوعه، فقال الله) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (قال الله: " سيقول " لم يقل " قال " مع أنّ الآية نـزلت بعد أن حـوّل الله المؤمنين إلى البيت الحـرام، مبـاشرة نزلت) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ (لكنّ النبي e وضعها في هذا الموضع تهيئة للمؤمنين ليستقبلوها ويُعدوا أنفسهم لما سيُواجهونه، لاشكّ أنّ الإنسان إذا استعدّ للأمر فسيُهيئ نفسه له ويرى كيف يواجه وكيف يردّ الشبهة ونحو ذلك، قال الله:)سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ(من هم السفهاء؟ اختلف المفسرون في هذه الآية اختلافاً كثيرا، لكن حينما نرى الآيات كلها السابقة أين ذكر السفهاء في السورة؟! ذُكروا في موضعين، الموضع الأول إشارة لمن؟ للمنافقين، قال الله: ) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ( إذاً هذا الوصف للمنافقين فهم داخلون هنا وأنهم سيقول المنافقون ذلك، والثانية قوله: ) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ( من هم؟! يدخل فيها المشركون أهل مكة لأنهم رغبوا عن إبراهيم، ويدخل فيها أهل الكتاب، فهذا ذكرٌ لهم جميعاً، جمعهم الله تعالى بهذا اللفظ، لم يقل سيقول المنافقون والمشركون واليهود، قال السفهاء، وإنما عبّر عنهم بالسفهاء تقليلاً لشأنهم أنهم ليس لهم شيء، وليس لقولهم أهمية لا تنظر إليهم، أنت ولله المثل الأعلى إذا قابلت سفيه تقول اتركوه يعني لا تأبه به ,فكأن الله تعالى يُخفف على المؤمنين موجة المُعارضة التي سيُواجهونها من هؤلاء، والاستهزاء والسخرية وغير ذلك ,تركوا قبلتهم واتبعوا قبلة آبائهم إلى غير ذلك، فكأنّ الله تعالى يقول اتركوهم، فهؤلاء لا عقول لهم ,السفيه هو ناقص العقل فالله يستنقص عقولهم تخفيفاً على المؤمنين وتهيئةً لهم، قال:) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (هذه الجملة اختلف فيها المفسرون اختلافا كثيرا وأشكلت عليهم، ما هي القبلة؟! قال بعضهم هذه القبلة هي قبلة الكعبة قبل أن يوجّه لبيت المقدس، وقال بعضهم هي بيت المقدس، وقال بعضهم هي بيت الحرام بعد أن وجّه وحُوّل من بيت المقدس, وبالتأمّل الثاقب في هذه الآية والتي بعدها يظهر والله تعالى أعلم أن الآية محتملة لجميع الأقوال، لأنّ القول قد يكون من الكفار ومن المشركين ومن المنافقين ومن اليهود، وكل قول سيلمز المسلمين بالقبلة التي توجّه إليها أولاً، فالمشركون حين وُجّه إلى بيت المقدس قالوا ترك ما كان عليه آباءهم، واليهود حين وُجّه من بيت المقدس إلى بيت الحرام قالوا رغب في قومه، رغب في أهليه وبلده، انظر كيف يبثّون الشبه، فالله تعالى هنا عمّم القبلة فقوله:) مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (شاملة للمواضع كلها, قال الله: ) قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ (هذا رد عليهم، ما شـأنكم الأمر لمن؟ ومن الذي يقرّه ومن الذي يُدبّر الأمر؟! هو الله U، له المشرق والمغرب، هو المتصرّف في الأمور، فإذا اطمأنّ الإنسان أنّ ذلك هو الله تعالى الذي وجّهه فلا عليه من لـوم لائـم ولا من استهزاء مستهزئ، قال الله: ) يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( هذه لفته إشارة على شرف المؤمنين بأنّ الله هداهم إلى صراط مستقيم، وما الذي هداهم إليه؟! هداهم إلى قبلة الأنبياء جميعاً من إبراهيم عليه السلام إلى النبي e أما ما كان عليه اليهود والنصارى من بيت المقدس فليس هو مما كان عليه أنبيائهم، وإنما قيل أنّ سليمان u سأل ربه أن يُوجّه بني إسرائيل إلى بيت المقدس، وإلا كان عيسى وكان موسى - عليهما السلام، موسى uكان على قبلة أبيه إبراهيم لم يكن إلى بيت المقدس هذا هو الصحيح الظاهر كما جاءت به الآثار، فكأنّ الله تعالى يقول أنني هديتُ هذه الأمة إلى قبلة الأنبياء جميعاً، وهذا شرف وفضل ولاشكّ فهو تطمين للمؤمنين وتهيئة لهم إلى أنكم لا يضركم ولا يضيركم ما قاله هؤلاء السفهاء.

قال الله U في الآية الأخرى بعد ذلك: ) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ( هذه الجملة ما علاقتها بالقبلة؟! هذه الآية تُشير إلى مقصد السورة العظيم الذي ذكرتُ لكم وهو تشريف هذه الأمة المحمدية بالخلافة، تشريف أمة الإسلام بعد أن ولاها الله القبلة كأنّه قال أنتم الخُلفاء في الأرض، قال الله:) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (ولاشكّ أنّ الوسط يُطلّ على جميع الجهات ,وإن كان الوسط هنا له دلالات كما سيأتي ,فانظر ليس له علاقة في القبلة هنا، لكنها دلالة على تشريف هذه الأمة وإعدادها للخلافـة وتشريفها، الله U أراد أن يمنحهـا وينصبها في الأرض خلفاء) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ (فهذه الجملة أشكلت على كثير من المفسرين، في موضعها في ما علاقتها بالقبلة.ليس لها علاقة صريحة واضحة، ولكن بعد التأمّل وقد أشار إلى ذلك بعض المفسرين إلى أنّ هذه الآية ليس لها ارتباط بالقبلة مباشرة وإنما ارتباطها بأنّ الله لمّا ولى أمة محمد بالقبلة وأراد لها أن تشّرف بالقبلة قال أنتم الخلفاء في الأرض، أنتم الذين تنالون شرف الأمانة، أمانة الدين ولاشكّ أنّ هذا هو أعظم الشرف، والعجيب في الأمر وإن كان هذا والله أعلم موافقةً أو توافقـاً ) كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ (هذه الآية جاءت في وسط سورة البقرة تماماً، سورة البقرة 286 آية، وسطها 143 والله أعلم ولعلّ ذلك له دلالة أشار إليه بعض المفسرّين، ولذلك قال الله: ) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (ما قال الله هنا خلفاء، لماذا؟! ليدلّ على أنّ هذه الأمة المحمدية وسط في الأمم، شرّفها الله بأن تكون وسطاً في الدين، في كل التكاليف هي وسط، هي وسط بين التكاليف، بين اليهود في تشدّدهم وتشديد الله عليهم وبين اليهود في تساهلهم وتيسير الله عليهم فكانت أمةً وسطاً، والوسط في اللغة: هو الخيار العدول، ) قَالَ أَوْسَطُهُمْ ([2]ليس وسطهم عمراً، ) قَالَ أَوْسَطُهُمْ (أي خيرهم وأعدلهم وأكملهم، فالمقصود هنا الكمال، الخيار، العدول، فهذه الأمة خير أمة، في سورة آل عمران قال الله في فضل هذه الأمة) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ([3]، فهذه الآية دالة على الخيرية ودالة على العدالة، والعدل هو الذي يستشهد وتُقبل شهادته هو العدل الثقة خير الناس، فلهذا نأخذ من هذه الآية أنّ مشروعية الشهادة خصوصاً في أمـور الدين لمن كمُل إيمانه وعدالته وديانـته، قال لله: ) لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ( لماذا هذه الأمة كانت شهيدة على الناس؟! لأنها آخر أمة، فهي أعلم بالأمم جميعاً، من كانت على الحق ومن كانت على الباطل، وهذا شرفٌ من الله لها وهذا متى؟ هي شهيدة على هذه الأمة في الدنيا وفي الآخرة، أمّا في الدنيا فهم شهداء على الناس في إقامة الدين وهذا تكليفٌ من الله U لهذه الأمة إلى أن تقوم بالدين، فالشهيد هو الذي يبلغ كما قال الله U) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (فالأمة هنا شاهدة على الأمم بإقامة الدين الصحيح، الله Uكلفها، وهذا نأخذ منه أنّنا مأمورون بتبليغ هذا الدين، ونحن شهود عليه بتبليغه وأنّه الحقّ، الله U أكرمنا به، فلابدّ أن نبلّغ، نحن مأمورون أن نبلّغ الأمم بدين الله U يوم أن شرّفنا به وأكمل لنا الدين، فما أعظم هذه الآية، ثم أيضا هذه الآية دالة على أنّ أمة محمد e تشهد على الأمم يوم القيامة، تشهد على الأنبياء أنهم بلّغوا رسالة الله، وتشهد على الأمم بأنهم لم يكونوا على الدين الصحيح، أعظم من هذا شرف أنّ الله تعالى يُنصّبها للشهادة يوم القيامة على الأمم الأخرى والله إنّ هذا لهو الفضل العظيم، والخير والكرامة والشرف الكريم، قال الله U: ) وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ( أي الرسول شهيداً عليكم بتبليغكم، وشهيداً عليكم بتمسّككم بالدين وقيامكم به حقّ القيام، في ذلك حقيقة توثيق لهذه الأمة أنكم مربوطون بهذا النبي، فانظروا ماذا يعمل فاعملوا به وبمـا كان عليه ) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ([4]فهو شهيد عليكم) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ([5]فكونوا على ما كان عليه، ثم اعلموا أنه يوم القيامة يشهد عليكم، لاشكّ أنّ هذا توثيق أيها الإخوة، لو قلت لشخص ولله المثل الأعلى ولكتابه ,هذا الشخص ترى يتابعك شهيداً عليك ,لاشكّ أنّك ستُراقب نفسك وأعمالك وستقوم بالأمر خير القيام، فالله U يقول أنّ الرسول يشهد عليكم إن كنتم على حقّ أو على باطل فاستقيموا كما أمركم الله، ثم قال الله U:)وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (ما هذه القبلة؟! اختلف فيها المفسرون كاختلافهم في القبلة الأولى، إنّ هذه الآية واردة قبل قوله: ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (هذه آية التحويل لكن الآية التي قبلها واردة قبلها فأشكلت على بعض المفسرين، كيف تلك قبلها مع أنّ الآية التي فيها التوجيه) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ (لكن الصحيح وهي لفتة مهمة أنّ الآيات السابقة نزلت بعد آية ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ (والله أعلم لكن النبي e وضعها في موضعه هذا لتهيئة المؤمنين ومحاجّة الكافرين والله أعلم.

ثم قال تعالى: ) لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ( لاشكّ أنّ تحويل القبلة أمر عظيم، تصوروا أننا نؤمر بتحويل القبلة لاشكّ أنّ هذا داعٍ إلى اليهود، وهم الذين حُوّل النبي e عن قبلتهم، ماذا تتوقعون أن يقولوا؟! لاشكّ أنهم سيستهزئون ويسخرون بالنبي e وأصحابه ترك قبلته، كأنهم يقولون هذا دين على حسب أهوائهم مرةً هنا ومرةً هناك، هذا لسان حالهم وقولهم، كيف يوم تتجه لبيت المقدس ومرة للبيت الحرام، فالله تعالى قال:) لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ (من هو صادق من المؤمنين في إتباع الـرسول فيما ولاه الله عليه، لو قال لك الـرسول e وأمرك بأمـر فهل أنت متبّع له أم لا؟!) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ( هذا الصدق, فهو لاشكّ أنه ابتلاء للمؤمنين، لأن المنافقين سيسخرون بهم والكافرين سيسخرون بهم واليهود سيسخرون بهم، فهذا موضع الامتحان والابتلاء في هذه القبلة، فكانت هذه القبلة اشتملت أمرين، تشريف وتكليف وابتلاء، تشريف بأنّ الله ولاهم قبلة إبراهيم، وتكليف لأنّها ستُلاقي بسبب هذا الابتلاء هذا النيل والاستهزاء والسخرية من هؤلاء المعارضين، قال الله: ) وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ (يعني تحويل القبلة كبير أمره عظيم) إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ (إلا من كان إيمانه مستقرّ وهداهم الله لهذا الدين وهم المؤمنون الصادقون المتبعون للنبي e، أمّا المنافقين فكان في قلوبهم ريب، وبثّهم لذلك الشبه، وكذلك اليهود، قال الله U: ) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ( معنى هذه الآية أنّ الله تعالى لما حوّل القبلة من البيت المقدس إلى البيت الحرام، وكان من المؤمنين منهم عثمان بن مظعون وغيره من كان على بيت المقدس وتوفي، قال المنافقون الآن من المؤمنين من مات على غير الإسلام، ووقع في حال المؤمنين الصحابة ما حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟! هل كمُل إيمانهم؟! هل نقص؟! ما هي أعمالهم التي عملوها وصلات

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل