تفسير سورة البقرة - المجلس الثامن - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الثامن - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) (.

هذا المقطع يُبيّن لناالأصل الثَّاني الذِّي ترجع إليه هذه الأمّة المحمدية، فهو ذَكَرَ في بداية السُّورة قِصَّة آدم وهي الأصل الأوّل الذّي ترجع إليه في البداية، ثمّ ذكر هنا الأصل الثّاني وهو الأَصل الإبراهيمي ممّن تتفق عليه الأُمم السَّابقة وتنتسب إليه دعوةً واقتفاءً وبياناً، لأنَّ هذه الأُمّة المحمدية هي الأَحقّ بوراثة إبراهيم u وذلك أنّها هي الأُمّة التّي اتَّبعت ملَّته وكانت على منهجه في التّوحيد، فكأنَّ الله U أراد هنا أن يُبيّن لبني إسرائيل الأُمّة المستخلفة أنّكم إن كنتم صادقين في ولاية الدِّين وفي وراثة إبراهيم فكُونُوا على مِلَّته، فإن لم تكونوا كذلك فلستم أهلاً لولاية الدِّين.

قال الله U بعد أن انتهى من قِصَّة بني إسرائيل مباشرة: ) وَإِذِ ( يعني واذكروا أو واذكر يا محمّد (إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ). تأمّلوا أنّ الله تعالى قال: ) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ (ممّا يدُلّ على أنّ الدِّين لابد له من ابتلاء، فإنَّ الله ابتلى إبراهيم وهُو من صفوة الخَلق، وهذا يُؤَّكِد لنا أنَّ الدِّين لابد فيه من صَبر، وفيه مَشَّقة، وكما قال النّبي e: « حُفَّت الجنّة بالمكاره » [1]. أيّ بالمشاق، وقال النّبي e: أشدّ النّاس بلاءً الأنبياء. لماذا؟ ليَصفُوَ دينهم، ولتمحِيصِهم، وتصفَّيتِهم، وتخليصهم لربّهم U، فإنَّ المعدن لا يمكن أن يصفو إلا بعد تصفية ومشَّقة تصفو منه خُلاصتُهُ وصفوته فَكذلك النَّاس في الدِّين، لابد حين يُصَّفى النَّاس لِدين الله U لابد من الابتلاء.

قال الله U) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ (قدَّم إبراهيم هُنا، مع أنَّ المُبتلِي هو الله U، الأصل أن يقول: (وإذ ابتلى اللهُ إبراهيمَ) فقال) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ (فقدَّم إبراهيم هُنا لأنَّ الحَديث عنه والسِّياق عنه وتكريماً وتشريفاً له. قال ) رَبُّهُ (ولم يَقُل (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ اللَّهُ) دليل على أنَّ اللهُ ابتلاه تربيةً له وتهيئةً له، وهذا يُؤَّكد أنَّ المؤمن حين يُصاب بهذا البلاء فإنَّ هذا تربيةً له من الله U وتهيئةً له إلى أن يَخلُص لِرَبِّه I. ثُمَّ قال الله U(بكلمات) هُنا

وقفة مُهِمّة) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ( لماذا لم يقل (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بالدِّين أو بالأمانة أو بالحَنيفية أو بالصَّلوات أو بأركان الدِّين أو شعائر الدِّين أو غير ذلك)؟ هنا الكلمات إِشَارة إلى أنَّ بنو إسرائيل حِين خَالفوا مِلَّة إبراهيم الحنيفية أراد أن يُخفيها هُنا ليَنظُرَ ما هي هذه الكلمات لعلَّهم قَد اتَّصفوا بها فيكونُوا هُمُ الذِّين حَازوا على ولاية إبراهيم ووراثته في ملّته فأخفاها هنا. وفي هذه مناسبة لطيفة مُهِمّة أنَّ الأمر النّفيس يُخفى ليُعلَمَ قدرُه. يعني مثل ما يقال: خبَّأَتُ لكَ أَمر مهم. فهنا الذِّهن يجُوب في البحث عن هذا الأمر المهمّ، فالسِّر - والله تعالى أَعلم - هنا في إخفاء الكلمات وعدم التّصريح بِهَا لِكي تتحفَّز النُّفوس المؤمنة الصّادقة في اتِّباع إبراهيم للنَّظر إلى هذه الكلمات ومعرفتها لِتحقيقها والتَّمسك بها، لماذا؟

لأنَّهَا سببٌ لِنيل الإمامة فما كان سبباً لِنيل الإمامة فلا شَكّ أنّه نفيسٌ وعظيم، فأخفاها الله تعالى لتَتحفّز النُّفُوس المؤمنة الصّادقة في معرفتها، وهذا مثله مثل قول النبي e: « إنَّ لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنّة » [2] ولم يذكُرهَا النّبي e، لماذا؟ لِتَتحفَّز النّفوس إلى البحث عنها، ومعرفتها، وتحقيقها، وتدَّبُرِّها، وما ورائها من معاني ودلائل حتّى تتَّمكن منها، فكذلك هنا أخفاها لتبحث عنها النُّفوس وتتحلَّى بها لِتنال شرف الإمامة في الدِّين. وما هي هذه الكلمات؟

اختلف العُلماء في ذلك على أقوال كثيرة، تربو علىعشرة أقوال أو تزيد:

فبعضُهُم قال أنَّ الكلمات هُنا: شرائع الدِّين.

وبعضهم قال: هو قول إبراهيم سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر.

وبعضهم قال: أنّ الكلمات: هي المواضع التّي ابتلى الله بها إبراهيم في التّوحيد، كهجرته في إخراج قومه له من بلده، وإبقاء زوجته وابنه في مَوضع البيت، وأمره بذبح ابنه، وإلقائه في النّار. كُلّ ذلك ممّا اُبتُلِيَ به إبراهيم.

وقيل هي: الكواكب التّي حاجّ بها إبراهيم قومه) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (.

وقيل هي: خِصَالُ الفطر التِّي أُمِر إبراهيم أَن يتحلّى بها.

كُلُّ هَذِه الأقواللا تَعَارُضَ بينها،لكن الذِّي يجمعُها، ويُحَقِّقُها وهو المقصود هنا، هو أنّ المقصود هنا: " كلمات التّوحيد "التّي من حقّقها، وحقّق كمالها، فإنّه سينالُ الإمامة في الدِّين. لأنَّ المقصود من السِّياق ليس سياقاً طَبيعيّاً، بل هو سياق في تحقيق الإمامة، ولا شكّ أنَّ أعظم كلمة تكونُ سبباً لِنيلِ الإمامة، هي كَلِمةُ التّوحيد.

فجَمَعَها الله تعالى هنا للدَّلالة على أنَّ كل ما يدُلُّ عليها داخِلٌ فيها، فالتَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والتَّكبير داخلٌ فيها. وكذلك شعائر الدِّين داخلٌ فيها. فَتعدَادُها هنا دليلٌ على أنّها تشمل شعائر الدِّين كلّه، ولكن أصلُها هي كلمة التّوحيد التّي يخلُص فيها المؤمن لرَّبه U مُوَّحِداً مُخلصاً.

قال الله تعالى: ) فَأَتَمَّهُنَّ (الكلمة، لم يقُل الله (وَأَتَمَّهُنَّ) للدَّلالة على أنّ إبراهيم كان حريصاً، عازماً على إِتمام التَّوحيد، لأنّ الفاء للتعقيب، فهُو حريص على مجاهدة نفسه لِتَحقيق التّوحيد لرّبه U لأَنَّه يعلم أنّ هذا التّوحيد هو سببٌ لإمامته، وسببٌ للقُرب من ربّه عزّ وجل وخُلُوص دِينه. قال الله I:) فَأَتَمَّهُنَّ (وهذا يُؤَّكُـد أنَّ إبراهيم قـد أتَّمَ الدِّين وأكمَلَه، وهُوَ ممن كَمُلَ من خلق الله U في دينه، وكما قـال الله U) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (يعني وفّى الدِّين وكمَّله.

ويُبيّن لنا أنَّ أعظم طريق لتحقيق الكمال هو " التّوحيد " من حقّق التّوحيد حقّق كمال الدِّين كُلّه. لماذا؟ لأنّه من حقّق التّوحيد خالصاً فلا يُمكن أن يَصرف عملاً من أعماله إلاّ لله U لأنّه يعرف أنَّه عبدٌ لله، ويعرف أنّه مُتَّوَجِّهٌ إلى الله، ويعرف أنّه مأمورٌ بعبادة الله، فلا يمكن الموَّحِد المحقِّق لله لا يمكن أن يَصرف شيئاً بل من خَواطره لغير الله تعالى، ولذلك الله تعالى ابتلى إبراهيم في ابنه أن يذبحه أو أمره أن يذبحه لكيلا يقع في قلبه تعلُّق بغير الله U فلمَّا رأى الله تعالى صِدقه في تخليّه عن ابنه لوجه الله ولأمره فدلّ ذلك على خُلُوصُه وكمال التّوحيد في قلبه. الإنسان إذا كان غير مستعد في التَّنازل عن شيء لأَجل الله U فليسَ مُحقِّقاً للتَّوحيد، أمّا إذا كان لديه استعـدادٌ صـادق ليس تمنيّاً وليس هو فقط تلفُظّاً وإنَّما صِـدقـاً أن يتخلَّى عن كُلّ شيء لأَجل الله U حتى ماله، وحتَّى بلده، وحتّى كل ما عنده. فيدّل ذلك على صِدق توحيده لله I وإيمانه.

مَاذا قال الله بعد ذلك بعد أن أتمّ التّوحيد) قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (الله أكبر !! ما أعظم هذا الجزاء العظيم والجزاء من جنس العمل، لمَّا أنّه أخلص دِينه لله أخلصّه الله لنفسه، وجعله إماماً يُقتدى به قال الله) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (كلُّ الآيتان دالَّتان على هذا المعنى) قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ (قال للنَّاس: يَدُلّ على أنّ إبراهيم هو مَرجع الأنبياء بعده، جميع الأنبيـاء بعد إبراهيم كلُّهُم من سُلالته، كلُّهُم يرجع إليه، هذا فضل ومنقبة لإبراهيم، والحديث كلُّه هُنا في مناقب إبراهيم وفضائله. ) قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (أيّ جامعاً للخير كُلِّه، وقدوةً يُقتدى به في الخير كُلِّه.

ماذا كان جَوابُ إبراهيم بعد هذه الآية، مباشرة؟ لـمَّا أنَّ الله أكـرمه بنفسه وجعلـه إمـاماً، كَان حـريصاً على أن تبقى هـذه الإمـامـة في ذُرِّيتـه) قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ( ولم يقل (وذُرِّيتي) لماذا؟ لأنَّه يعلم أنّه سيكُون من ذُرَّيته من هم كُفّار من ليسوا على الدِّين، لأنَّ هذه سُنَّةُ الله في خَلقِه لابد أن يكون من خلق الله أُناسٌ كُفّار وأناسٌ مؤمنون سُنَّةٌ باقية إلى قيام السَّاعة، فهو يعلم لمّا قال) وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (أيّ من الصَّالحين المؤمنين. وهذا يجعلنا نقول الحِرص على الذُّريّة أمره عظيم، الحرص على بقاء الصَّلاح فيهم من أهمّ المهمّات لدى المسلم، بل من أهم ما يدعو المسلم ربّه U أن يُصلح الله ذُريّته بعد أن يَمُنّ الله تعالى عليه بالصّلاح، فهذا هو إبراهيم ما قال (أَرنا مناسكنا) مع أنّه تأخرت قوله (ربنا أرنا مناسكنا وتُب علينا) فبدأ بذُريّته لكي تصلُح بعده، ولاشك أنّ صلاح الذُريّة صلاحٌ للإنسان يُعينُونه والنّبي e ذكر أنّ من الأعمال التي لا تنقطع بعد موت الإنسان: « أو ولدٌ صالحٌ يدعُو له » [3]. فهذا نقول نأخُذ منهدرس عظيم لنا تربُويّاً أنّ الإنسان يدعُو أن يُصلِحَ الله ذُريّته وأن يُبقي الدِّين فيهم وأن يجعلهم أئمةً في الدِّين، وهذا مِصداق دعـاء عبـاد الرّحمن) رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (فقوله اجعلنا يشمل الذُّريّة في الإمامة.

قال الله بعدها) قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( لماذا لم يقل الله U: نعم، لكَ ذلك؟ قال الله ) لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( إشارةً لمن؟ تعريضاً باليَّهُود، وتعريضاً بالمشركين الذِّين هُم من سُلالة إبراهيم وليسوا أهلاً للإمامة، لماذا؟ لأنَّهم قد تخَلَّوا عمَّا كان عليه إبراهيم من الخِصال الحميدة وهو التَّوحيد فَظَلمُوا، فالله تعالى يقول هؤلاء لَيسُوا أهلاً للإمامة، فكأَنّه تعريضٌ بِهِم أنّكم أنتم أيُّها الظَّالمون بعد أن تخلَيّتم عن ملة إبراهيم لستُم أهلاً للإِمامة فوَّسع الله تعالى دائرة القَبُول وخصَّ دائرة عدم القبول وهي الظَّالمين، تكريماً لإبراهيم هُنا. والحظُوا التَّعبير بقوله الظّالمين فإنَّ هذا الوصف من الأوصاف الدَّالة على أنَّ من كان فيه هذا الوصف فليس أهلاً للإمامة،والظُّلم ثلاثةُ أنواع:

الأوّل: ظُلمُ الإنسان لنفسه بالمعاصي: هذا ظُلم، فأهل المعاصي ليسُوا أهلاً للإمامة، إلاَّ من تَاب، وَصَدَق التَّوبة، ورجع إلى الله، وجدّد إيمانه وعبوديته. فلا يدخُل في ذلك.

الثّاني: ظُلم الإنسان للعِباد: بغِيبَتهم وأكل أموالهم، وسبِّهم، والعُدوان عليهم، وغير ذلك وما أكثر أنواع الظُّلم بين النّاس.

الثالث:وهو الأكبر: ظُلم الإنسان في عبوديته لله U بإشراكه، وريائه، الشِّرك الأكبر والأصغر، كُلُّ ذلك ظُلم. فكأنّ الله تعالى يقول من كان فيه هذا الوصف فليس أهلاً للإمامة، فحريٌّ بنا أن نضعه أمام أعيننا واهتمامنا أن يتجرّد الإنسان من الظُلم كُلّه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ثمّ قال الله U: ) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا (هنا هذه الآية في بيان فَضِيلة البيت الحرام الذِّي ورثه إبراهيم وأسَّسه فكأنّه تهيئة وتمهيد لمن ينال هذا البيت، من هُو أحقّ النّاس، كأنَّ الله تعالى يقول أحقُّ النّاس بولاية هذا البيت هم من كان ما كان عليه إبراهيم، ولذلك قال الله بعد أن بيَّنَ مناقب البيت) مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا (مـا معنى مثابة؟ يعني مَرجع يثُوب إليه، يرجع إليه، فالنَّاس كلُّهُم يثُوبون ويرجعون إلى البيت، وها نَحن نرى المسلمين في أَقطار الأرض تهوى أنفُسُهُم أن تثُوب وترجَع إلى البيت، ويتعلَّقُون بـه في كل مكان، وهذا سُنَّة مِن سُنن الله U في المؤمنين. أنّ الله حبَّبَ في قُلوبهم البيت، والرُّجُوع إليه والمثابة إليه، والإتيان إليه.

ثم قال الله) وَأَمْنًا (وهذه خَاصيِّة ومنقبةٌ للبيت أن جعل الله له الأمن التّام إلى يوم القيامة. ثمّ قال الله تعالى عَوداً في السِّياق إلى إبراهيم قال ) وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (ما هو مقام إبراهيم؟ مقام إبراهيم فيه ثلاثة أقوال:

قيل: هوالبيت لأنَّه هو الذِّي أسَّسه.

قيل:هو الحَجَر الذّي قام عليه إبراهيم لبناء البيت.

قيل:هو شعائر الحجّ.

والظّاهر - والله أعلم - أنَّ المقصود به هو القولين الأوليين: وهما الحجر تشريفاً لأنَّ إبراهيم جُعِلَ له مقامه عند البيت، والبيت الحرام الذّي أسَّسه إبراهيم.

ويدل على هذا: أنَّ الآية فِيها قراءتانالقِراءة الأولى)وَاتَّخَذوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (والقراءة الأخرىمُتَّوجِهَةٌ في الخِطاب للنّبي e وأصحابه)وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (وهاتان القراءتان قراءتان صحيحتان دالّتان على هَذين المعنيين. وهذا منقبة لإبراهيم وشرف أنّ الله U جعل له مقاماً يُذكر به ولا شَكَّ أعظم شرف، فأيُّ شرف أعظم من أن يُوضع لرجل مقاماً عند البيت فيذكُرهُ النّاس ويُصَّلُّون خلفه لله U لاشكَّ أنَّ هذه خَصلة عظيمة دَالّة على فضل إبراهيم وشرفه.

ثمّ قال الله تعالى) وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ (وهذه منقبة من مناقب إبراهيم أنَّ الله تعالى عهد إليه ولاية البيت وتطهيره، فلا شكَّ أنّ هذا دالٌّ على فضله. لكن السُّؤالما حكمة ادماج وذِكر إسماعيل هنا، ولم يذكر يعقوب وإسحاق، ما الحكمة؟ الحِكمة إشارةً إلى هَذه الأُمَّة المحمدية أنَّها أَولى النَّاس في ولاية البيت، بعد نزول هذه الآية، لأنّ الله حينَ شرَّفَ إسماعيل بأن كان مع أبيه في وِلاية البيت وفي عهده وبنايته، فلا شكَّ أنّه أولى النّاس بوراثته من بعده ولذلك كأنّها إشارة، لأنَّ أُمّة محمد e أولى من يرث هذا البيت إن كانت على ما كان عليه إبراهيم.

قال الله) أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ (والتَّطهير ما هو هنا؟

يشمل معنيين وهما:

التَّطهير المعنوي: بإقامة الدِّين، ونبذ الشِّرك.

التّطهير الحِسِّي: بتنزيه هذا البيت من النّجاسات، والأصنام وغيرها.

وهذا يدُّلُنا على فضيلة القِيام على المساجد وأنّ القائم على المسجد تنظيفاً وصيانةً وتهيئةً لا شَكَّ أنَّ لَهُ فَضِيلة، لأنَّ الله تعالى ولَّى وعَهِد إلى إبراهيم وإسماعيل ولاية البيت الحرام وتطهيره، فلا شكَّ أنَّ بيُوت الله من قام بها فله من الفضل بمقدار ذلك البيت بيتُ الله تعالى. فحريٌّ بنـا أن نَعنِي بهـذه الخَصلة التّي كانت من خِصال إبراهيم وإسماعيل أبينـا - عليهما الصّلاة والسّلام - قال الله تعالى) لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (أمَّا الطَّائفون فهم ذُكِروا وقُدِّمُوا لأنَّألصق عبادة بالبيت ما هي؟

الطَّواف، وأمّا العاكفون فاختُلُف فيهم:

قيل:هم الملازمون للبيت، القائمون فيه، العاكفون الجالسون فيه.

وقيل:هم أهل البيت وهذا هو الأصح، الذّين حوله مُلازمون فيه سُكناً. كأنّ الله تعالى أراد أن يُهيِّئ لهم إبراهيم هذا البيت ويطهره ليقيموا فيه عبادة الله تعالى.

قال الله) وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( لماذا لم يقل الله والعاكفين والمصلِّين؟ لماذا خص الركوع والسجود؟ لأمرين:

المعنى الأوّل:إشارة إلى خاصيّة الصّلاة والخُضوع لله U وأنّ المقصود بالصَّلاة الخشوع والخضوع وتعظيم الله. فالرُّكوع فيه إشارة إلى تعظيم الله تعالى، والسُّجود فيه إشارة إلى الخضوع والتذّلل لله U ولهذا قال النَّبي e: « فأمّا الرُّكوع فعظِّموا فيه الرَّب، وأمّا السُّجود فأكثروا فيه من الدُّعاء أن يُستجاب لكم ».

المعنى الثاني: هو إشارة إلى أمّة محمد eكيف ذلك، من يعرف؟ أنّ الرُّكوع دالٌّ على صلاة أُمّة الإسلام، وذلك لأنَّ اليهود ليس في صَلاتهم ركوعفدلَّ ذلك على أنَّ أولى النّاس بالبيت أمّة محمد e فانظروا كيف جاءت العناية الربّانية بهذه الأمة تهيئةً لها وإعداداً لها وتعريضا بغيرها صرفاً لهم عن ذلك.

قال الله تعالى) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا ([4]هذه فضيلة من فضائل إبراهيم ومنقبة من مناقبه، أنّه دعا ربّه تهيئة البيت لعبادة الله، ودليلاً على حرصه لأُمتّه أن يُقيموا الدِّين في أمن واستقرار ورغد عيش فقال) رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا ( هنا قال) رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا (وفي سورة إبراهيم قال:) رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا (فما الفرق بينهما؟

الفرق بينهما:

أنّ هذا الدُّعاء كان ابتداءً يوم أن أبقى زوجته وابنه عند البيت، فقال: ) رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا (قبل أن يُقام فيه البيت ويبنيه ابتداءً ثم لما بناه قال: ) رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ (الألف واللاَّم للتَّعريف، فهذا أَوجَه المعاني في بيان المتشابه بين اللّفظين.

لاحظوا أنّ إبراهيم u دعا ربَّهُ للبيت بأمرين:

الأمر الأوّل:) آَمِنًا (.

الأمر الثاني: أن يرزق أهله من الثّمرات: وهذان هما عصب الحياة للإنسان وبقائه واستقراره، عصب الحياة للإنسان استقرار أمنه واستقرار عيشه ولا شك. إذا كان الإنسان آمناً في بلده، معافىً في جسده، عنده قوتُ يومه، فكأنّما حِيزت له الدُّنيا بحذافيرها. فإبراهيم يريد أن يُهيِّئ الله تعالى لمن يَلِي هذا البيت باستقرار تامّ. وهذا دليل على فضل إبراهيم، وسِعَة أفقه، وبعد نظره. أنّه يعلم أنّه لن يُقام الدِّين إلاّ باستقرار. وهذا يُؤَّكِد أنّه لا يقوم الدِّين قياماً كاملاً إلاَّ بالأَمن التَّام، وتوَّفُر المعيشة. لأنّه إذا لم توفَّر المعيشة كان النَّاس مُشتَغلون بِعَيشِهم عن عبادة ربِّهم، فإبراهيم u أراد أن يُهيِّئ للنَّاس حتى لا يُشغِلهُم شاغِلٌ عن عِبادة ربّهم U فما أعظم وأَحكَم إبراهيم u وفضلَه علينا بهذا كبير، واستجَاب الله دعاءه فجعل الله تعالى لنا حَرَمَاً آمناً يُجبَى إليهثمراتُ كُلُّ شيءٍ رزقاً، من يَوم أن دَعَا إبراهيم إلى قيام السَّاعة ومكّة بلدُ الله آمناً يُجبى إليه ثمرات كُلِّ شيء من الله فضلاً ورزقاً.

) وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ (وتَأَمَّلُوا أنّه قال من الثَّمرات ولم يقل ثَمَرة دليل على أنَّ إبراهيم أراد أن يُوَّسِع على أهل هذا البَلد بالثَّمرات والرِّزق ولا يكون عَيشُهُم شظَفاً ليُقِيموا الدِّين إقامة كاملة كما أمرهم الله تعالى، ولهـذا قاَل الله: ) مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ (هو يدعو هنا لمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فنأخُذ من هذا درساً.  أنّ طلب العيش لإِقامة الدِّين والاستغناء عن النّاس أمرٌ مشروع بشرط ألاّ يُشغل الإنسان هذا العيش عن عبادة ربّه، أمّا إذا كان هَذا العيش وهذا الرّزق الذّي يسعى إليه الإنسان، يُعينه على طاعة ربّه، وعلى رعاية أهله، والنَّفقة في سبيل الله تعالى والبَذل في ما آتاه الله، فلا شك أنَّ هذا من العبادة لله U التّي أمر الله تعالى بها، قال الله:) قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (يعني أنَّ الذِّين كفروا الله U سيُهيِّئ لهم العيش، لكنّهم يُمتّعهم في الدُّنيا قليل، ثمّ يضَّطرهم يوم القيامة بعد كُفرهم، وعِنادِهم، وتكذيبهم إلى عذاب النَّار وبئس المصير. وهذا تعريضٌ بالمكذّبين من اليَهود والمشركين الذِّين وَلَوا هذا البَيت وكفروا، مع أنَّ الله متّعهم ولكن الله تعالى يقول) فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا (يوم أن ولاّهم الله فكفروا. ) ثُمَّ أَضْطَرُّهُ (أيّ يوم القيامة. ) إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (.

ثمّ تأتي بعد ذلك منقبة أُخرى من مناقب إبراهيم وهي تأسيس هذا البيت وبنائه يقول الله) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ (هذه منقبة لإبراهيم أنّه هو الذّي أسَّسَ البيت ورفعه. ولم يقل (بَنَى) بل قال (رفع) وهُنا خِلاف بين المفسِّرين هل إبراهيم هو الذِّي أسَّسَ البيت أم آدم عليه السَّلام؟ فيه خِلاف وفيه رِوايات:

قيل:أنَّ البيت كَان موجوداً قبل إبراهيم، وأنَّه مَوجود في عهد نوح فجاء الطُّوفان فَهَدَمَه وجَرَفَه مع السَّيل.

قيل:أنّ الذِّي بناهُ آدم.

لكن يظهر - والله أعلم- بعد التّأمُل والبَحث أنَّ إبراهيم هو الذِّي أسَّسَ البيت، لماذا؟

لأمرين:

الأوّل: أنَّ الله لم يذكر عن نوح ولا عن آدم مع عِظَم هذا الأمر أنَّهما بَنَيَا البيت، ولا شَكَّ أنّ بناء البيت ليس بالأمر الهيِّن والسَّهل، وقد ذكر هُنا أنَّ إبراهيم هو الذِّي رفع قواعد البيت.

الثاني:أن هنا قـال) الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ (يعني الأُسُس، معنى هذا هو الذّي أسَّسَهُ، وإلاّ لو لم يكُن هو الذي أسسه م قال (القواعد) ولقال (وإذ يرفع إبراهيم البيت) ولكن يظهر قوله القَواعد أنّه هو الذّي أسَّسَهُ، أينَ كان البيت قبل ذلك؟ وماذا كان؟

قيل:أنَّ البيت كان قبل إبراهيم، كان مُرتفعاً من الأرض، كان تلَّة من الأرض، وكان يَطُوفون حَولها وكانت معروفة أنَّ هذا هو بيت الله كمِثل الصَّفا والمروة الآن ما بُنيَت إلاّ إلى عهد قريب، وإلاَّ فإنَّ الأَصل جَبلان يسعى بينهما فكان موضع البيت أيضاً مرتفعا ومعروف أنّه هذا هو البيت الذِّي يَطُوفون حوله، هذا هو الأَظهر والله تعالى أعلم بالصَّواب.

قال الله تعالى) وَإِسْمَاعِيلُ (إشارة إلى فضيلة إسماعيل ببناء البيت ومشاركته، وأنّه لم يُشاركه إسحاق الذِّي هو نبي وأبو بني إسرائيل (اليهود والنّصارى) فَذِكرُ إسماعيل يدُلّ على أنّ هذه الأمّة أولى النّاس بالبيت بعد نزول هذه الآية.

) رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (يدُلُّنا على صِدقهم وإخلاصهم أن يكون هذا البيت لله خالصاً. ونأخُذ من هذا إلى أن الإنسان وهو يقوم بالعمل الصّالح يدعو أن يتقبّله الله ويجعله خالصاً لله تعالى. هذا البيت هو من أعظم الأعمال ولا شكّ أننّا نأخُذ من هذا فضيلة رفع بيوت الله وبنائها، ونأخُذ من قوله) يَرْفَعُ (فضيلة رفع المساجد وليس معناها رفعُها أن تكون شاهقة بمبالغة، وإنّما رفعها أن تكون لهـا سمة الرِّفعة، وسمّة البُروز عن بيوت النّاس بما أمكن.

ونأخُذ منها وهو الأصل رفعها عمّا يليق بها فلابد أن تُرفع هذه المساجد بذكر الله، والله تعالى يقول في سورة النُّـور: ) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ( بماذا تُرفع؟

بالذِّكر، والإيمان، والصَّلاة، وقراءة القرآن، والتّ

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل