تفسير سورة البقرة - المجلس السابع - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس السابع - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

ثمّ قال الله U بعد ذلك من آية (87) إلى آية (100) كل هذه الآيات سِياق الحديث عنها في بني إسرائيل المُعاصرِين بذكر نوع آخر من جِناياتِهم التي اشتركُوا فيها مع أسلافِهم وهي تكذيبَهم بالكُتب المنزّلة وخاصةً القرآن، كل هذه الآيات من آية (87) إلى (100) كلّها في بيان حالِهم مع القرآن وتكذِيبهم وحِجاجِهم ومُجادلتِهم لئلّا يُؤمنوا به.

قال الله U: ) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ([1]هذا بيان عام لحالِهم مع الرُسل ,هذا حالهم (فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) أرأيتم هؤلاء القوم هذا حالُهم يقتلُون أنبياءَ الله ويُكذّبون آخرون. واللهِ إنّ هؤلاء لقومٌ على ضلالٍ عظيمٍ كبير)وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (يعني اعتذروا باستكبَارِهم وإعراضهم لأنّهم قالوا قلُوبُنا غُلف لا نُدرِك لا نَعِي لا نَفهم) بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ([2].

ثم قال الله: ) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ([3] ما هو؟ القرآن، ) مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ( بماذا يستفتِحُون؟ قالوا إنّه سيخرج نبيّ سنتّبِعُه وسنقاتِلكم معه كانوا يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم هذا النبيّ وهو محمد) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ( لماذا كفروا؟) بَغْيًا ([4] أي حسداً وحقداً وكُرهاً ) أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ( أي محمد عليه الصلاة والسلام من غير نسبِهم ومن غير سُلالتِهم) أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (.

ثمّ قال الله في الآية الأخرى: ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا.... ([5]هل آمنوا بما أُنزل عليهم؟! كلاّ, قال الله: ) وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ (أي غيرِ القرآن بما وراء القرآن وهو التورَاة والإنجِيل) وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ (.

ثمّ ردّ الله عليهم أنّهم لم يُؤمِنوا فقال: ) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ([6]فلم يُؤمِنُوا بذلك، قـال الله: ) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ([7]ماذا قالوا؟) قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا (أعوذ بالله، هذا يُبيّن حال هؤلاء القوم أنّهم انتهوا إلى قوله) سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا (أمّا أمّة محمد e الأمّة المستَجِيبَة فقالوا (سمعنا وأطعنا).

قال الله U عن هؤلاء) قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ثمّ ذكر الله U ادّعاؤُهم بأنّهم يرثِون الجنّة خالصةً لهم في قوله: ) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ([8]إن كنتم تـزعُمون أنّ الجنّة لكم دون غيركم فتمنّوُا الموت، فهل تمنّوُا الموت؟ كلاّ, قال الله U: ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ([9] ها نحن نرى اليهود أحرص النّاس على الحياة، ولذلك انظر كيف يفعلون مع إِخواننا، مع أنّ إِخواننا في ضعفٍ شديد وليس بأيدِيهم إلاّ اليسِير ممّا في أيدي اليهود، ومع ذلك في جُبنٍ وخوفٍ وهَلعٍ شَدِيد من هؤلاء الفلسطِينِيين القلِّة الذين ليس معهم شيء وها أنتم ترون كيف بنُوا السُور خوفاً وذعراً وهلعاً.

ثم ذكر الله U حجةً من حُجَجِهم في زعمِهم أنّهم لا يُؤمنون فجاءوا للنبيّ e قالوا أخبرنا عمّن يأتيك من الملائكة فنرى إن كان هو الذي نُريده أو لا, فقال إنما يأتِيني جِبريل وهو من يأتي أنبياء الله تعالى جميعا، قالوا هذا عدّونا عياذاً بالله تعالى، لماذا قالوا هذا عدّونا؟ لأنّهم زعموا أنّ جبريل أُمر بالوحي أن يكون على أحدٍ من بني إسرائيل فجعلَه على أحدٍ من العرب عياذاً بالله، فاتخذّوه عدوّهم، قال الله U: ) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ([10]يعني هنا الله U يُثبت أنّ هذا القرآن من الله واختِيار الله لئلّا يكـون لهم حجّة) مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (.

ثمّ قال الله U: ) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ([11]خصّ جبرِيل ومِيكال لأنّهم خصّوهما هم، فإن قالوا إن كان مِيكائِل فهو وليُّنا مِن المَلائكة، فقال الله من كان عدوّاً لهؤلاء ) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (.

ثمّ قال الله: ) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ([12]هنا إثبات من الله Uلرسوله، قال الله: ) وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (والمراد بهؤلاء الفاسقين هم هؤلاء بنُو إسرائِيل الكافرين ومن تبِعَهُم، قال الله U) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ([13]يعني هذه الآية ردّ ادّعائِهم أنّه لم يُؤخذ عليهم العهد والميثاق أن يُؤمنـوا بالنبيّ e وأنه لم يعهد إليهم فيه بعهد فأنـكروا أنّ الله عهِد إليهم ) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ([14].

ثم قال الله U في الآيات التي بعدها) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ([15]انظروا إلى ضلال هؤلاء، يعني لمّا أنّ الله أرغمَهم وسدّ الطريق في وجُوهِهم، وقال الله U أنّ كُتبَكم مُصدِّقة لهذا الرسول وأنّكم تقرؤُونه في كُتبِكم، ماذا كان منهم؟ نبذوا كِتابَ الله ورَاء ظُهُورهم أعوذ بالله، يعني قالوا مالَنا ولهذا الكتاب، حتى التوراة نبذُوها لماذا؟ لأنّها تُلزمهم بالإيمان بالنبيّ e فقالوا ما دام التوراة تُلزمنا فننبُذُها عياذاً بالله) نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (فماذا استبدُلوها؟! استبدُلوها بما عند الشَياطِين، قال الله: ) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ (استبدلُوها بالسِحر والأكاذيب والأخاليق التي يختلِقُونها من عند أنفسهم لمّا أُرغموا بالإيمان فقال الله:) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (هذه الآيات الحقيقة لدينا فيها وقفات:

أولاً: قول الله U: ) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ (هم زَعمُوا أنّ هذا السِحر الذي يأخذونه من الشيَاطِين، من أين؟ قالوا أنّ هذا هو الذي وَرِثَتُه الشَياطِين من مُلكِ سُليمَان، وأنّ سُلَيمان إنمّا مَلَك الدنيا بهذا السِحر وأنّه جعله في صُندوق ودُفن في الأرض فاطّلع عليه هؤلاء فأخذُوه وأخذُوا فِيه هذه الأسرار فهم يأخذُونَها منهم، انظروا قـال الله:) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ (الشياطِين هؤلاء يزعمون أنّ هذا السِحر هو بقيـّة أخذُوه من سـرّ من أسرار مُلك سُليمَان وما كان سُليمان uعلى سِحـر، قال الله:) وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ (إنمّا كان على أمرِ الله U وخوارِق أعطاه الله إيّاها

) وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ (

هذه الآية استَشكَل فيها المُفسِّرُون استشكالاً كبيراً جداً، ووقعوا في تأوِيلاتٍ طَويلة لكن الخلاصة هو كيف أنّ هؤلاء الملائِكة يُعلِّمُون النّاس السِحر هذا هو الإشكال؟

قـال الله U: ) وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ (الآية تُبيّن أنّهما يُعلِمّان السِحر، هكذا ظاهر الآية، وبالتـأمّل وبتتبّع أقـوال المفسّرِين وأئمّتهم نجد القول الأظهر - والله أعلم - أنّ الله أنزل من الملائِكة ملَكين وجعلهما فتنةً لأهلِ الأرض يُعلّمُون النّاس السِِحر فتنة، كما أنّ الله Uخلق الخنزير وحرّمه فتنةً للنّاس، وكما أنّ الله تعالى خلق الخمر وحرّمه، فكأنّ الله - عزّ وجل - أراد بتعليم الملائكة فتنةً للنّاس، قال بعض المفسّرين إنّما يُعلمّون الناس السِحر ليَعلَم النّاس الفرق بين عِلم الله ووحيه والخوارق والكرامَات التي وهبَها الله لأنبِيَائه وأوليَائِه وبين هذا السحر الذي أَتى به هؤلاء السحرة، هذا تأويل قد يكون محتملاً والله أعلم، لكن ذكره كثيرٌ من المفسّرين ومنهم ابن جرير - رحمه الله تعالى - وهو عمدة التفاسير ذكر ذلك وبيّنه تفصيلاً ربّما يطُول المقام في ذكره لكنّنا ننقل كلامه، قال ابن جرير رحمه الله: (إنّ الله تعالى قد أنزل الخير والشرّ كلّه وبيّن جميع ذلك لعباده فأوحاه إلى رُسلِه وأمرهم بتعليم خلقه وتعريفهم ما يحلّ لهم ممّا يحرم وذلك كالزنا والسرقة وسائر المعاصي التي عرَفوها ونهاهم عن رُكوبها واقترافِها, فالسِحر أحد تلك المعاصي التي أخبرهم الله تعالى بِها ونهاهم عن العمل بِها وليس في إنزال الله إيّاه على الملكين ولا في تعليم الملكين ما علمّاه من الناس إثمٌ إذ كان تعليمُهما من علّمُاه ذلك بإذن الله U لهما بتعليمِه أي أذِن الله تعالى بِه لهما بعد أن يُخبراه بأنّه فتنة فيقولا:) إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ( يـأتيهم الإنسَـان فيقـول أُريـد أن أتعلّم السِحر فيقولا: ) إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ (قال ابن جـرير (بعد أن يُخبراه بأنّهما فتنة ويَنهَياه عن السِحر والعمل به والكفر)هـذا أظهـر الأقـوال والآية فيها إشكال لكني لا أريد أن أُدخلكم في كلام طويل.

بعد ذلك جاء السِياق في الآية من (104) إلى (110) تابِعوا ذلك في المصحف من آية (104) إلى (110) انتقل الحديث إلى مَِن؟ إلى المؤمنين تحذيراً لهم من أن يتشبهّوا باليهود، قال الله: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ([16]لماذا قالوا؟ كانوا يأتون إلى النبي e فيقولون راعِنا يقصدون من الرّعُونة يعني يتأولّون الكلمة هؤلاء اليهود يُحرّفونها، فكان المُؤمنون يقُولُون للنبيّ eكذلك، فنهاهم الله تعالى أن يقَعُوا في المحظور الذي وقعُوا فيه اليهود، مع أنّ المؤمنين لا يقولون ذلك إلا من باب أنظِرنا وراعِنا من المراعاة، ولكنّ اليهود أخزاهم الله يُحرِّفُون الكَلِم مثل قولهم السّام عليك، عائشة تقول ألا تسمعُهم يقولوا السّام عليك، فالنبّي eيقول ألا تسمعيني أقول وعليكم، [17] أي إن كنتم قلتم السلام عليكم فهو عليكم، وإن كنتم قلتم السّام عليكم فهو عليكم، فهم يُحرّفون الكلِم ويُحاولُون أن يأخذوا من الكَلِمة باطنها المحرّف فنهى الله I المؤمنين من ذلك.

ثم ذكر الله U قوله تعالى: ) مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ([18]ما المراد بهذه الآية؟ المرادأنّ اليهود أرادوا الطعن في القرآن، كيف؟قالوا كيف القرآن يُنزِل الله U آيةً ثم ينسخُها؟ كيف يُنزل آيات ثم يرفعها؟ انظروا إلى هذه الحِيلة وإلى هذه الدسِيسَة، هم الآن يقُولُون هذا لمن؟ للمؤمنين، لِيشكِّكُوا في نفُوسِهم ويُزعزِعُوا أنفسَهم في هذا القرآن، فقالوا كيف هذا القرآن يُنزل ثم يُرفع؟ لو كان من عند الله حقاً ما رُفع ما نُسخ، هذا حقيقة دسِيسَة خبيثة استطاعوا أن يبثُّوها في المسلمين، فأنزل الله U قوله: ) مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (أي نُؤخرّها) أَوْ نُنْسِهَا (أي نُنسِيها النبي eكمـا جاء في بعض الروايات وهي قـراءتان) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (هنا الله U يُعزِزّ في نفوس النبيّ e والمؤمنين قدرة الله وأنّ لله الأمر كلّه، إذا شـاء أنزل الآية وإذا شاء رفعها، فلُه الحِكمة البالِغة I فالأمر له، فقال: ) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ([19].

فهُنا الله U ردّ عليهم هذا الزعم وهذا الطعن وهذا التشكِيك تثبيتاً للمؤمنين، ثم قال الله للمؤمنين أيضـاً:) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ([20]كان بني إسرائيل يُكثرون الأسئلة لنبيّهم، فكان بعض الصحابة يسألُون النبيّ e فحذّر الله المؤمنين من مُشَابَهتِهِم ,وهذا التحذير الثالث مشابهة اليهود وسُلوك سبيلهم في تلقّي أمر الله وتعامُلهم مع نبيّهم وكثرة سؤاله، ونهّاهم النبيّ e عن كثرة السؤال وهذا المراد بهذه الآية.

ثم قال الله في توجِيه المؤمنين وتحذِيرهم) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ([21]. هذا توجيهٌ من الله للمؤمنين وتحذيرٌ لهم من كيدِ اليهود، أنّ هؤلاء يودّون لو يردُّونَكم من بعد إيمانكم فيُزعزِعُون هذا الإيمان في نفُوسِكم ويقذفُون في نفوسكم الشكوك، فالله U حذّرهم بذلك، ثم قال الله U في نفس الآية:) فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (ما معنى هذه الآية؟ يعني كأنّ الله U يقول اتركُوهم لا تُواجِهُوهم أو تُقاتِلوهم فتكون ذلك فتنة) فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (حتى يأتي اليوم الـذي يُريد الله تعالى فيه أن يُجلّيهم أو يقتلهم بأيديكم كما في سورة الحشر وغـيرها) إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (وانشغلوا بماذا؟ ) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ([22]كأنّ الله Uأراد أن يَصرِف نفوس المؤمنين مّما يُثير في نفوسهم غضباً على هؤلاء اليهود، ويشحن نفُوسَهم ممّا قد يدعُوهم إلى الاعتداء عليهم فيدعوا ذلك إلى القتال, فلذلك قال الله U انشغلوا بعبادة الله كأنّ الله يقول لم يحِنِ الوقت إلى قِتَالهم، وهذا نأخذ منه درساً عظيماً أنّ المسلم ينبغي أن لا يستعجِل أمرَ الله فيقول هؤلاء الكفار وهؤلاء اليهود يعيثُون في الأرض فساداً، وهؤلاء اليهود يقُومُون بكل ما لديهم من كيدٍ ومكرٍ وفسادٍ وإفسادٍ في الأرض ومع إخواننا هناك ونحن صامتون !! نعم يجب أن يكون في نفوسنا غـيرة لدين الله ونصرة لإخواننا، لكن لا نستعجِل أمر الله U كما قال النبي e: « ولكنّكم قومٌ تستعجلون » [23] سيأتي اليوم الذي يأذن الله تعالى فيه بكبتِ هؤلاء وقتلهم وإسقاطِ دولتهم، لكن الأمر راجعٌ إلى ما نحن عليه، نحن غير مؤهلّين لأن نُواجِه، انظروا إلى أحوال المسلمين اليوم ضَعف وتخلّي عن مبادِئ الإسلام وتفرّق وشِتات واختلاف فيما بينهم، فكيف ننتصر؟ فهذا يدعونا إلى أن نرجِِع إلى أنفسَنا كما قال الله: ) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ([24].

الآيات التي بعدها من الآية (111) إلى (118) هذه الآيات من قوله:)وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى.... ([25]. كل هذه الآيات في كشف زيف المكذّبِين من اليهود وإبطَالِ افتراءاتِهم والطعنِ في اعتقاداتهم، مقابلةً لماذا؟ الله U هنا يطعن فيما هُم عليه، مُقابل طعنِهم وافترائِهم على دين الإسلام وتشكِيكِهم للمسلمين، يُقابلهم بمثلِ ما هُم عليه, فقال الله U هنا أولاً) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى (من أين هذا لهم؟

افتراء، فهذا دحضَ الله U هذا الافتراء الذي زعمُوه، وقال الله U: ) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ([26]هؤلاء هُم أهل الجنة، ومن هؤلاء؟ هم المؤمنون، كأنّ الله يقول أنّ أهل الجنة هُم المـؤمنون، لكنّ الله عبّـر عنهم بهذا الوصف) مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ِ(وتـأمّلوا هذه الآية) أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (يعني جعل كل أمرَه ووجهه وجهَتَه وتـوجّهَه إلى الله U) وَهُوَ مُحْسِنٌ ( ليس هو عامل، هو مُحسن يعني في عمله مُحسن فجمع بين الإخلاص والإحسان في المُتابعة فهذا المؤمن الحقّ.

ثم قال الله U ناقضاً لهم أمراً آخر ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ([27]هذا بيان لماذا؟ لتنَاقُض تِلك المِِلَل واختلافها، كل ملّة تزعُم أنّها على شيء ليست الأخرى على شيء، فماذا قال الله U: ) وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ (كلٌ معه كتاب، كلٌ واحده تُبطل الديانة الأخرى) كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ (مـن هم الذين لا يعلمون؟ المشركـون، ثم قـال الله U: ) كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (.

ثم قال الله U في ردّ وإبطَال لما هُم عليه وتقبِيح ما هم عليه قال: ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا (هذا وصفٌ لمن؟وصفٌ لليهود ووصفٌ للنصـارى ووصفٌ للمشركين، كل هـؤلاء وقُعوا في هـذا الـوصف، كأنّ الله Uيقُول لو كنتم على دِينٍ ما منعتم مساجِـد الله)

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل