تفسير سورة البقرة - المجلس السادس - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس السادس - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

وقفة سريعة عند قول الله U: ) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ([1]هذه الآية آخر آية من تِعداد النِعم عليهم وهي نعمة تفجير الماء من الحجر اثنَتيْ عشرةَ عيناً، هم استسقوا موسى) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ([2]فقال الله هنا إذ) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى (أيّ بعد أن استسقاه قومه، ) اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ (عبّر هناك (انبجست) وعبّر هنا (انفجرت) ما الفرق بينهما؟!

الفرق بينهما أنّ الاستسقاء هناك من قوم موسى إلى موسى يعني في بداية الأمر، فذكر بداية الخروج الإنبجاس يعني ذكر النعمة في بداية خروجها (فَانْبَجَسَتْ) يعني بدأ الخروج، أمّا هنا فكان الاستسقاء من موسى إلى ربّه يعني بعد ذلك وهو في سياق تِعداد النِعم كما ذكرت لكم، فجاء التعبير البليغ الدقِيق في قوله: (فَانْفَجَرَتْ)يعني في نهاية كمال النعمة ,لتذكيرهم بتلك النعمة حال انفجارها، فانظروا السِِِِياق القرآني هناك وهنا، وهذه نَلفِت إِليها لفتة مهمّة وهي أنّ تغير الآيات المتشابهة بين الأسلوب هنا وهناك، خصوصاً في قصص موسى جاءت في تِسع مواضع من القرآن ,كل آية فيها تعبير، فلماذا عبّر هناك بكذا وعبّر هنا بكذا؟!هذه عظيمة وهي أنّ التعبير جاء موافقاً للسِياق، السِياق في كذا يُعبّر عنه في كذا، ولو كان عندنا وقت لضربنا من ذلك أمثلة يتبيّن فيها عظمة القرآن وإحكامه,كما قال الله U: ) كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ([3] وهو عِلمٌ عظيم"آيات المتشابهة والفرق بينهما " وهو يُعين الحفاظّ على الفهم، فَرق بين هذه الآية وهذه الآية وهذا التعبير وهذا التعبير,الرجوع فيه إلى السياق إلى ماذا تدور عليه الآيات؟سيأتيك المعنى بذلك بعد التدبّر والتأمّل.

ثم قال الله Uبعد ذلك ) وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ([4]هذه لفتة عظيمة وجميلة أنّه قال: ) كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ([5]لماذا نهاهم أن يَعثَوا في الأرض مفسدين بعد أن قال كلوا واشربوا من رزق الله؟

هنا لطيفة مهمّةوهي: أنّ الإنسان إذا مُنحَ الرزق يطغى) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ([6]، ) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ([7]فالله Uحينما مَنحَهُم هذه النعمة حذرّهم أن لا تُؤدّي بهم هذه النعمة وهذا الرزق إلى الفساد في الأرض والطغيان,وهو ما وقع منهم من الإفساد من عِبَادةِ العجل وغير ذلك، وهذا تحذيرٌ لنا إلى أن لا تَبطُر بنا النعمة فتأخذنا إلى الإفساد في الأرض أو أيّ نعمة من أنواع المعاصي التي من الإفساد.

ثمّ تأتي الآيات التي معنا وهي من آية (61) إلى (123)تَابعوا آيةً آية، قول الله U:)وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ ([8]هذه الآيات وما بعدها انتقال كما قال ابن عاشور من تِعدَاد النِعم المعقبة بنعم أخرى إلى بيان سُوء اختيارهم في شَهواتِهم وكُفرانهم لنِعم الله Uماذا اشتملت عليه هذه الآيات:

أولاً:بيان سُوء أدبهم في خِطابهم لنبيّهم موسى وللمُنْعِم عليهم وهو الله Uفقالوا: ) لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ (أكرمهم الله بهذا الطعام فقالوا: ) لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ (هذا واحد.

ثانياً: بيان سُوء اختِيارهم واستِبدالهم الذي هو أدني بالذّي هو خير، استبدلوا الدانِي بالذي هو خير ممّا أنعم الله عليهم، فاستبدلُوا المنّ والسلوى بالفوم والعدس والبصل والحِنطة وما يأكلونه من طعامهم يزرعونه، والله إنّ هذا لدنَاءة وهُبوطٍ في عقولهم، ولذلك قال:) اهْبِطُوا مِصْرًا (.

ثالثاً: توبِيخهم والاستِنكار عليهم بقوله: ) أَتَسْتَبْدِلُونَ (ممّا يدل على أنّ ذلك من كُفرانهِم بالنِعم، فالإنسان إذا استبدل نعمة الله U عليه وأكرمِه بنعمةٍ فتخلّى عنها إلى نعمةٍ أُخرى، فوالله إنّه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، مثال: الإنسان أكرمه الله تعالى مثلاً بِإمامة الناس فحصل له فُرصة تجارية في محلّ يبيع ويشتري، قال والله الإمامة تصرفُني عن هذه التجارة، فترك الإمامة وذهب لمحلّه يَبيع ويَشتري، هذا استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، إنسان كان على وظيفة شرعية ورأى وظيفة دنيوية أكثر مرّتَب، قال والله ذاك المرّتب أحسن فذهب لتلك الوظيفة التي هي في أُمور الدنيا وترك الوظيفة الشرعية) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ([9]أي إلى أمور الأرض الدنيا ومصالحها فلنحذر من هذه الصفة وأن لا نكون من أهلها.

رابعاً: من أعمالهم، قال الله U في هذه الآيات بيان لمجُازاتِهم بجنس عملِهم وما اختَارُوه لأنفسهم من الدُنوِّ قال: ) اهْبِطُوا مِصْرًا (وفي ذلك إِشعار بقطعِ التكريم والعناية بهم.

خامساً: ثمّ بيان جزاءهم وعِقابهم العام الذي استحقّوه بعد هذا الكفر بنِعم الله والعصيان والاعتداء بما يُناسب أفعالهم فقال:) وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (فانظروا إلى هذا الجزاء، وفي هذا بيان لنهاية أمرهم حيث ضُرب عليهم العذاب الذي جمع فيه ذُلّهم ومسكَنتهم واستحِقاقهم غضب الله U وهذا غاية العقاب.

ثمّ انتقل الله U بعد ذلك وهو اللّطِيف الرّحِيم الوَدُود I في الترغِيب والترّهيب، انتقل إليهم في دعوتهم مرةً أُخرى، كما قلت لكم السياق كلّه فيه ترغيب، فيه ترهيب، فيه بيان كفر، فيه بيان عقوبة، كل ذلك لِيُزعزِعهم عن ما هُم فيه ويَدعُوهم إلى الإيمان، ليس الله U يُريد هنا فقط عُقوبتهم، يُريد دعوتهم إلى الإيمان وهو اللّطيف سبحانه الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه، فقال الله:) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ([10]. وفي هذا ترغيبٌ لهم بعد تهديد، دعوةٌ غير مباشرة لهم إلى الإيمان، وبيان جزاء من آمن منهم.

ثمّ انتقل الحديث إلى سِياق آخر وهو بيان كُفرانِهم للنِعم بعد ذلك:

فأولاً: ذكر الله U تمنُّعِهم من أخذ الكتاب حتى رُفع الطُور فوقهم، قال الله U هنا: ) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ([11]. تأمّلوا هؤلاء القوم أمرهم الله فلم يستجيبوا، دعَاهم فلم يستجيبوا، أغرَاهُم بالنِعم فلم يستجيبوا، فما كان مِنه I إلاّ أن رَفع الجبل فوقهم، فقال خُـذُوا الكتاب بقوة أو يُعاقبكم الله ويُسلّط عليكم هذا الجبل فيَسقُط عليكم، هل بعد هذا شيء والله ما بعد هذا شيء أن يُرفع الطور فوقهم إِلزاماً لهم بالإيمان قال الله U:) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( قال الله: ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ([12]. فهذه جِناية من جناياتِهم وكفر من كفرهم.

ثانياً: أيضاً نكثهم للعهود ونقضِهم للمواثيق وتلكّؤُهِم ومراوغتهم في الاستجابة والطاعة لأنبيائهم، قال الله: ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ([13]قصّة السبت أنّ الله ابتلاهم بالحُوت أنّه جعل يوم السبت لا يصِيدُون السمك، فماذا فعلوا؟ نهاهم الله أن يَصِيدوا السمك يوم السبت، انظروا إلى هؤلاء اليهود أهل الحِيل والمُخادعة، جَاؤُوا ليلة السبت فوضعُوا شِباكَهم في البحر وتركُوها، فلمّا كان ليلةَ الأحد جَاؤوا وقد اصطادت هذه الشِباك الأسماك فأخذوها ,قالوا ما صِدنا في السبت وإنّما وضعنا شِبَاكنا, فقال الله U: ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (عََاقبهُم الله بأن قَلب تِلك القريَة,التي هي قرية واحدة عَتَت عن أمر الله عز وجلّ واحتالت,وهذا يُبيّن لناعِظم جُرم الحِيلة على أوامر الله U, بعض الناس يقول أنا لا أُخالف أمر الله ثم يَذهب بحيلةٍ مُختلفة وطُرقٍ غير صريحة ويقول أنا ما خالفت أمر الله، هذا والله عقوبته أشدّ من الذي يأكل الحرام صريحاً، ذاك يحتال وهذا يعرف أنّه حرام لكنّه اجترأ عليه، فعاقبهم الله وجعلهم قردةً خاسئين ,فكانوا يرى بعضهم بعضاً ويبكون، وكان أهل القرى يرونهم فيأتُون إليهم ومع ذلك لم يَعتَبِروا بهم، انظروا إلى ما كان في قُلوبِهم من الكفر والطغيان.

بعد ذلك نأتي إلى قِصّة البقرة التي سُمِيّت بها البقرة، وهي قول الله U: ) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ([14]. هذه القصّة هي قِصّتان ليست قصّة واحدة، القصّة الأولى: هي قصة قتل القتِيل فكان هناك رجل شاب قتله عمّه أو ابن عمّه ونادى في القوم أنّ ابن أخي قُتِل، من قتله؟ هو القاتل وأخفى ذلك وكتمه وزعم أنّ أحداً قتله وكان يبحث عن القتيل، وما كان منهم إلاّ أن قالوا نأتي موسى نستَعلِمه مَن قَتَل القتيل لمّا أيِسُوا من القاتل ! فكانوا يتلكَأون من إِتيان موسى u لأنهم يعرفون أنّه نبيّ الله وسيُخبِرُهم، وبعد إِلحَاح جَاؤُوا إِلى مُوسى، فانظُر كيف حالهم مع مُوسى.فلمّا سألُوه قال لهم موسى ) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ( ما علاقـة البقـرة بالقتيل؟! نحن نُريـد أن تُخـبرنا مَن القَاتِل. الله Uأَراد أن يَختبِرهم في صِدقِهم واستِجَابَتِهم قال: ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (فذَهبُوا ثمّ جاءتهم حِيلة، قالوا لنسأله ما هي هذه البقـرة؟! فشدَدُّوا، ) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ (انظر كيف أَدَبهم مع ربّهم؟! ) ادْعُ لَنَا رَبَّكَ (، ما قالوا ادع لنا الله أو ربنـا) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ([15]. فهل فعلوا؟ ما فعلوا,ذهبُوا ثم أَتَوْا) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا... (69) ([16]انظُروا إلى هذا التشّدِيد، شدّدوا فشدّد الله عليهم، ولو استمرّوا في التشديد لاستمرّ في التشديدِ عليهم)قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ([17]فلمّا رأوا أنّ موسى يُشددّ عليهم وعرفوا أنّ ذلك سيُؤدِّي بِهم إلى شدّة، قالوا:) وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (لو ذبحوا أيّ بقرة في أَول الأمر لكفَاهم، لكنّهم لم يَجدوا هذه البقرة إلاّ عند يَتِيم كمَا جاءت في الروايات، فسَاومَهم إلى وزنِها ذهباً فاشتروها بوزنِِها ذهباً، انظُروا كيف كان حالهم يوم أن شددّوا فشدّد الله عليهم. ) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ ([18]ليستمذلّلة في العمل ) وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ (ليست مسخرّة لسقي الحرث) مُسَلَّمَةٌ (ليس فيها عيوب) لَا شِيَةَ فِيهَا (ليس في لونها اختلاط يعني أبيض أو أسـود، وإنّما هي مسلّمَة صفـراء) قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ (فبحثوا حتى وجدُوها عند يَتِيم فاشتروها ) فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (لأنّهم يعلمُون أنّ هذا حقّ.

ثم قال الله U: ) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا.....(72) ([19]هذه القصّة في طبِيعةِ الوَاقِع أنّها هي السَابِقة، قول الله U:) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (هم ادّارؤوا قبل أن يأتُوا موسى، وإنّما أخرّها الله Uلأنّ الغرض هو بيان حالِهم مع أوامر الله، فقدّم القصّة الأولى مع أنّ حقّها التأخير، وهذا القرآن وهي فائدة عظيمة أنّه يُقدّم ما حقّه التقديم في غرض الآيات، إذا كان الغرض ذلك قدّمه ولو كان متأخرّا في الواقع.

اشتملت قصّة البقرة هذه على عدّة جِنَايَات أعظم عِند الله مِنْ قَتل القتِيل ما هي؟!

- سُوء أدبِهم مع ربّهم.

- سُوء أدبِهم مع نبيّهم.

- واستخفافِهم بالتشريع والأمر.

- وتبَاطُؤهِم في الاستجابة والامتثال لنبيّهم فيه.

- وتعنُتِّهم في سُؤالِ نبِيّهم وإلحاحهم عليه.

- وتشدِيدِهم على أنفُسِهم فيما أمرهم الله U بذلك.

فجعل الله U هذه القصّة لنا علامة وسمّى الله بها السورة، كأنّ الله تعالى يقول يا أمّةَ محمد احذروا أن تكُونوا مثل هؤلاء في تلقّي أوامر الله، السورة كلّها كما ذكرت لكم في تلقّي التشريع وإعداد الأمّة في تلقّي هذه الشريعة وتبلِيغها، فالله U من رحمته ولطفه بِنَا ذكر حال بني إسرائيل لنحذر أن نكون مِنهم، وأشار بهذه السورة كأنّها علامة حمراء أمامكم، إشارة حمراء في كل أمرٍ يأتي بعد ذلك في السورة، كل ما أتاكم أمر احذروا أن تكُونوا مِثل قوم موسى، كل ما جاء تشريع احذروا أن تكونوا مثل ما فعل قوم موسى وهكذا، وهذا يُبيّن لنا علاقة قصّة البقرة بالسورة كلها وأحكامها، هذه القصة مُتعلِقة بجميع الأحكام فهيتحذيرٌ من الله لنا في هذه الأوامر أن نَتلَكّأ أو نتَشدّد أو نتَردّد أو نُعانِد كما فعل هؤلاء، فجاءت هذه القصة في غاية المناسبة والله أعلم.

ذكر هُنا في سُوء تلقّيهم للتشريع عدة وجوه:

أولاً: ) قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا (.

ثانياً: ثم قالوا ) ادْعُ لَنَا رَبَّكَ (ولم يقولوا ادعُ لنا الله أو ربّنا.

ثالثاً: ثم قال: ) فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (ممّا يدل على أنّهم كارهين لأمر الله U, وإذا كان الإنسان كارهًا لأمر الله فذلك دليلٌ على ضعفِ إِِيمانه، أمّا إذا كان مُبَادِراً مُمتثِلاً سبّاقاً إلى الأمر فإنّ ذلك دليلٌ على صِدق إيمانه، نعم المؤمن قد يفعل الأمر وهو كَارِه، يعني مثال التكاليف فيها مشقّة لكن من الناس من يكون إيمانه قويّا فيدفعه هذا الإيمان إلى أن يَستشعِر أنّ هذه التكاليف نِعم ومِنن ولذّة وسرور، أرأيتم قول النبي e: « أرِحْنَا بالصلاة يا بِلال » أو « أَرِحْنَا بِها يا بلال »، من الناس من يأتي لصلاة الفجر وفي نفسه ثُقل، الفراش وثير والجو لطيف ويخرج من بيته في الظُلمات، لاشكّ أنّ ذلك أمرٌ لا يستحملُه إلاّ المؤمن، ولذلك لا يُحافظ على صلاة الفجر إلاّ مؤمن ولا يتخلّف عنها إلاّ مُنافق كما قال أنس t, فمن صِفات المنافقِين أنّهم لا يُصلّون العشاء ولا الفجر لأنّه وقت نوم وراحة، فانظروا إلى أوامر الله في نفُوسِكم إن كنتم تمتثلونها بطواعية فوالله أنّ ذلك دليلٌ على قوة إيمانكم بالله، وإن كان في نفوسكم ثقل فانظروا إلى إيمانكم.

قال الله U: ) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى.... (73) ([20]. أمرهم موسى أن يضربوا القتِيل بجزءٍ مِن البقرة,لكن هنا سرّ أو هنا سؤال، لماذا أُمِروا بذبح البقرة دون غيرها. لنرجِع إلى جناياتِهم أَليسُوا عبدُوا العِجل؟! فالله تعالى أمرَهم إلى أن يَذبحُوا ما قدّسُوه في نفُوسِهم، ليُزيل ما في نفوسهم من تعظيمها فأمرهم الله بذبحها.

قال الله U مخاطباً لهم مباشرةً وهو المقصود به اليهود المعاصرون للنبيّ e) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ([21]بعد ماذا؟ ليس بعد قصّة البقرة، بعد هذه النِعم كلّها التي ذكرها الله ما انتفعتم بها وما دعاكم ذلك للإيمان) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً  (ثم قال الله مُبَيِنًا قسوة قُلوبِهم وأنّها أعظم من الحجارة قَسوة ) وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (قال بعض العلماء: أنّه ما هبط حجـرٌ من جبلٍ إلاّ خشية لله U, وفي تأويل هذه الآية أقوال للمفسّرين إلاّ أنّ أعظمها هو أنّ هذه الجبال تخشى الله U وتُعظِّمَه، ما من مخلـوق إلاّ ويُعظّم الله U, ولهذا كما قرأ الإمام) أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ([22]فهذه الجِبال الصمّ، الجبال القاسِية إنّها والله لتخشَى الله U فأين قُلوبنا القلوب الليّنة أين هي من ذكر الله U؟! ثم قال الله U:) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (

بعد ذلك انتقل الحديث بعد أن بيّن كُفرهم وعِنادهم انتقل الحديثلمِن؟! الخِطاب لمن؟! للمؤمنين، حين يُنزَل عليهم الكتاب هم في المدينة، واليهود كثره وقد يُصيبهم همّ وغمّ من عدم إيمان هؤلاء وطُغيانهم وكُفرهم وعِنادهم، لاشكّ أنّ ذلك قد يُصيب المؤمن فقال الله U قطعاً للأمل في هـؤلاء قـال: ) أَفَتَطْمَعُونَ (أيّها المؤمنون) أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ([23]هل تطمعون فيهم؟! الله U أراد أن يُؤيّسَهم فانتقل الحديث هُنا إلى حال المؤمنين وخِطابِهم مع أنّه أُدمِج في هذا الحديث خِطَاب اليهود أيضاً في آيات منها كما سنذكر، قال الله U عنهم:) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ (

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل