تفسير سورة البقرة - المجلس الخامس - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الخامس - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال الله تعالى: ) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ([1]في هذه الجُملة إظهارٌ لفضيلة آدم u بعد الفضائل السَّابقة بادرته للتَّوبة بعد المعصية، وبُعدِ إبليس عن التَّوبة لأنّ الله Uأمره بالهداية) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ (فالأمر هنا لمن؟ لآدم وإبليس) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ (أمّا إبليس فبقِيَ على ضلاله وكُفرِه، فهذا يَدُلُنَا على شرفِ آدم في مبادرته للتَّوبة بعد المعصية، لقوله: ) فَتَلَقَّى (فالفاء للترتيب كما ذكرتُ لكم، وفي هذا إشارة وإرشاد لِبَنيه بأن يَكُونوا مُبادرين بالتَّوبة حِينَ يَقَعُونَ في المعصية، وأن يتعرَّضُوا للتَّوبة بكَلِمَاتها، ولـذلك هنـا قـال الله U: ) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ (لماذا أخفاها الله U؟ ليُشير إلى أنّها ليست كلمة التّوبة ليست واحدة وإنّمَا كلمات، وهذا من توسيع الله U على عباده التَّائبين أنّهم لم يحصُرُهم في كلمةٍ يقولونها كما قال عن بني إسرائيل: ) وَقُولُوا حِطَّةٌ ([2]أيّ حُطَّ عنّا ذنوبنا، أمّا نحنُ فقد وسّع الله علينا كلمات التّوبة وأتاحَ لنا وفتح لنا باب التّوبة بما يُقِّرَهُ الإنسان بنفسه من الاعتراف والإنابة إلى الله U، ثم قال:) فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (ثمّ أتبع الله U الآية: ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا (وهذا هو التّكليف لآدم وإبليس في الدُّنيا) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النّـَارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( فهـذه الآية هي مَحَطُّ التَّكليف في قـولـه: ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (فها هو سبحانه يقول: ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ( وإنما قال (تَبِعَ) بدون (اتَّبَع)، الفرق بينهما أنّ سورة البقرة جـاءت بلفظة (تَبِعَ) وسورة طه جاء التعبير بـ (اتَّبَع) والفرق بين التعبيرين أنّ كلمة (اتبَّعَ) أنّ ذلك بعد البَيان التَّام بالأدلة الموجبة للإتباع، فيقول: (تَبِع) للزوم الإتباع مباشرة، أمّا (اتَبِع) فيكون مستدعٍ إلى البحث عن ما يَدعُو إلى هذا الإتباع من الأسباب والأدلِّة والبراهين الدَّاعية إلى الإتباع،فهذا الفرق بينهما.

ولمّا أنّه بيّن هنا الأدِّلة بالفضائل، والتَّشريفات، والإكرام العظيم قال هنا: ) فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (وهذا يُفيد كمال حالهم من حيث توّفُّر الأمن والسُّرور اللّذين هما عَصَب الحياة قال:) فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (فَوفَّر الله تعالى على أنّ من اتَبع الهُدى لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقُطبا الحياة هما الأمن والسُّرور والسَّعادة.

ثم بيّن عاقبة الذين كفروا وكذبوا بآياتنا، قال: ) أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ (فبيّن أنهم أصحاب النّار، ونسبتهم إلى الناّر أيّها الإخوة هنا بيان لاستحقاقهم بدخولها وملازمتهم لها بحيث أنّهم لا يفارقونها) أَصْحَابُ النَّارِ (يدل على أنهم هم أهلها وملازمون لها لا يفارقونها، ثم قال الله تعالى: ) هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (مزيدٌ في التنصيص عليهم واستيثاق العذاب منهم.

في هذه القصة ومجملها معانٍ يظهر ارتباطها بالمقصد العام الذي ذكرت لكم وهو أنّ فيها تعريف للإنسان وهو يكلّف بهذا التكليف كيف يسلك هذه الحياة؟

وأنّ له طريقان فحسب:

طريق الهدى وطريق الضلال، وهما الخطّان اللذّان سارت الآيات في بيانهما من أول السورة في كل مقطع من مقاطعها دعوة لطريق الهدى منهما وتحذير من طريق الضلال.

وفي هذه القصة بمجملها تجربة اقتضت رحمة الله بهذا المخلوق البشري المستخلف في الأرض أن يخوضها تمهيداً لما اختاره الله له لوظيفته الكبرى وهي الاستخلاف في الأرض فكان ذلك الذي ذكره الله تعالى.

وقد تضمّنت هذه الآيات جوانب التكريم والتفضيل لآدم وذريته من وجوه كثيرة وهو:

* هو اختياره وذريته خلفاء في الأرض.

* إبراز فضله لملائكته وإخبارهم بذلك.

* تفضيلهم بالعلم.

* مباشرة تعليم الله U له.

* تعليمه الأسماء.

* إسجاد الملائكة له.

* إسكانه الجنة وقبوله لتوبته وإيتاؤه الهدى وحسن خطابه في ذلك كله.

* اقتران ذلك كله برعايته الإلهية ولطفه الكريم I, فما أعظم ربنا U في هذا الكرم الذي يحفّ نبيه، يحفّ فيه أبينا عليه السلام، فما أحرانا أن نعي هذا التكريم وأن ننال منه الشرف بأن نكون خلفاء في الأرض بالعلم النافع والعمل الصالح والقيام بأمر الله U وأن نكون متبّعين للهدى الذي أمر الله Uبه.

ثم ننتقل في السياق إلى مقطع آخر وهو قصص بني إسرائيل الذي أطال القرآن الحديث عنها، من الآية (40)إلى (48) ) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.... ([3]

هذه الآيات وقد أطال الله Uالحديث فيها عن بني إسرائيل طولاً ظاهراً وتطويلاً ظاهراً لحكمة عظيمة، وهي أنّ بني إسرائيل وهم الأمة المستخلفة قبل أمة محمد e قد طال كفرها وضلالها وقد عاندت عناداً طويلاً، فقد أرسل الله Uلهم من الرسل رسلاً كثير زادوا على ثلاث مائة رسول ونبيّ، ممّا يدل على أنّ هذه الأمّة مستعصية.

وذكـر الله تعالى جناياتهم وذكر الله كفرهم، قتلهم لأنبيائهم وكفرهم بآيات الله وترددهم وتلكؤهم في أمر الله U, ممّا يؤكد لهم للحاضرين منهم ولأمة محمد eأنهم لا يستحقون الخلافة وليسوا أهلها لها، فهذا كله كل ذلك بيان لأنهم ليسوا مستحقين وكل ذلك تمهيد لسلب الخلافة منهم ومنحها هذه الأمة المحمدية وتشريف هذه الأمة أمة محمد e بها.

فالله U أراد أن يبيّن لهم يُقرّهم بكل جرائمهم حتى يعلموا أنهم ليسوا مستحقون هم بأنفسهم لهذه الخلافة، فلذلك أطال الحديث ومع ذلك الله I بكرمه ورحمته مع هذا الكفر وهذا العناد وهذا التكذيب وهذا الضلال منهم إلا أنّ الله I ناداهم في هذه الآيات نداءً رحيماً، تأملوا هـذه الآيات قال الله U:) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (من هو إسرائيل؟ هو يعقوب u ومعنى إسرائيل عبد الله كأنّهم قالوا يا بني عبد الله، أليس هذا نداء شريف؟ الله U يُناديهم إلى أن يُؤمنوا بهذا النبي وبما أُنزل عليه، ولذلك ناداهم بأشرف الأسماء عندهم) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (وناداهم بهذا النداء ثلاث مرات في الآيات، لكن هل استجابوا؟ لم يؤمن بالنبي eفي عهده إلاّ بضعة رجال لا يزيدون عن العشرة من اليهود كلهم.

هذا يبين أنّ اليهود قد تصلّب فيهم الكفر وانطبعت وخُتم على قلوبهم واستغرق فيهم الضلال والاستكبار كما استغرق في إبليس من الكفر والاستكبار، فلذلك لم نعلم منذ عهد النبي eإلى عهدنا اليوم من يؤمن من اليهود إلا قلائل، لا أسمع إلا في السنوات واحد أو اثنين، بينما في النصارى يؤمن أعداد كثيرة، لذلك قال الله U: ) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ ([4].

أول صنف ذكرهم الله تعالى في أشد العداوة هم اليهود، وهذا هو الذي يُبيّنه ويظهره الواقع فهم أشد الناس على المؤمنين، بل إنّ التخطيط العالمي الماكر على المسلمين وهذا الغزو العظيم على الأرض كلها بهذا الضلال والإضلال وراءه اليهود.

فانظروا كيف أنّ الله U وهو أحكم الحاكمين عَلِم حالهم فذكر طبائعهم تحذيراً لهم وللمعاصرين منهم وتحذيراً لأمة الإسلام المستخلفة أن يكونوا مثلهم فيُسلبوا تلك الأمانة والتشريف بالخلافة.

قال الله U: ) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (انظروا إلى إضافة النعمة إليه تشريف لها ولهم، ومما يوجب عليهم شكر هذه النعمة وقبولها.

ثم قال: ) اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (ما هو العهد الذي أخذه الله؟

هو الإيمان بما في التوراة، وفي التوراة ما يأمرهم بالإيمان بمحمد eانظروا كيف الله U يلزمهم إلى أن يؤمنوا بالعهد، ومن العهد الإيمان بالنبي e لأنّ الله بشّر به في التوراة وهم يعلمون.

) وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (لماذا قال الله U: ) وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (؟ ختم الأمر بالرهبة إشارةً إلى ما كان مانعاً لهم من الإيفاء بالعهد وهو رهبتهم من أحبارهم، فأدمج النهي عن رهبةِ غير الله مع الأمر برهبةِ الله في صيغة واحدة، وما يمنع اليهود اليوم من الإيمان إلاّ رهبانهم وأحبارهم وعلماءهم وساساتهم، وإلاّ لآمن عامتهم يعني الذين يعلمون الحق، فالله U يقول:) وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (ولا ترهبوا غيري، ثم قال الله U:) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ (والمقصود هنا القرآن لأن الله قال مصدقاً لما معكم ولم يقل آمنوا بما عند محمد، قال آمنوا بما أنزلت أنا أي هو منزل من الله لم يأتي به محمد e وهـذه أدعى إلى إرغامهم على الاستجابة وبعثهم عليها، ثم قال الله:) وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ (لماذا قال ولا تكونوا أول كافر به؟

لأنهم أهل كتاب فحين يكفرون يكونون أول كافر به لأنهم كانوا أهل علمٍ بشأنه وصفته.

ثم تأمّلوا قوله: ) وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (يُحذرهم الله U من الأمر الأعظم الآخر مما يمنعهم من الإيمان وهو أنّهم يشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، يعني حظوظهم الدنيوية تمنعهم من الإيمان، مراكزهم التي كانت التي كانوا عليها بين قومهم تمنعهم من الإيمان، فلـذلك قال الله تعالى: ) وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي (أي لا تقدموا الدنيا وحظوظها وما كان لكم فيها من نصيب على ما آتاكم الله من آيات) وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (وهذا يبين لنا أنّ اليهود ماديّون يريدون المادة يريدون المناصب ويريدون الدنيا، ولهذا كما سيأتي في آيات تبين لنا أنهم أهل دنيا، وها نحن نرى اليوم هم أصحاب التجارات العالمية بالذهب وغيرها لأنهم يظنون أنّ الدنيا لهم ويزعمون أن الآخرة لهم، قالوا: ) لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى (انظروا إلى ما كان في قلوبهم من الحقد والحسد والطمع في نفوسهم.

تأمّلوا بين الفرق بين ) وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( وقال: ) وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (ما الفرق بينهما؟

الفرق بينهما يعني أن الله U أمرهم بالرهبة أولاً، ثم التقوى ثانياً, فهو من باب الترقّي إذ أنّ التقوى نتيجة للرهبة, إذا رهب الإنسان من ربه اتقاه، فكأنّ الله أمرهم بالرهبة ثم أمرهم بالتقوى التي هي نتيجة ما في الآية الأولى.

قال الله Uفي المانع الثالث: ) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (هذا مانع من موانع الإيمان عندهم وهو لبسهم الحق بالباطل، ما المقصود بلبسهم الحق بالباطل؟ الحق هو ما في التوراة من الإخبار بأمر النبيّ e

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل