تفسير سورة البقرة - المجلس الرابع - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الرابع - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

قال الله تعالى:) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ...([1]هذه الآيات تُركِّز على إكرام الله Uلآدم بالخلافة، وقد ذكرنا - بارك الله فيكم - لِنَصِلَ الحديث بمقصد السُّورة في كلِّ مقطع، فإنَّ هذا الحديث يصلبمقصد السُّورة التي ذكرنا أنّها في إعداد أمّة الإسلام للخِلافة والإِمامة وحمل أمانة الدّين وتكليفُها بالشَّريعة وأمُرها بالتبليغ،جاءت هذه القصّة الكريمة لتكون إشارة إلى أوّل استخلافٍ في الأرض وأنّكم أيُّها الأمَّةُ المحمدية ورثةٌ لأبيكم آدم uفي هذا الاستخلاف.

هذه الآيات وهذه القصَّة تدُّلُنَا على أصل الخَلق البشري، وحكمة اللهُ Uفي خلقهم وهو تكريمهم وتكليفهم بالخلافة، ولذلك الله Uقال: ) إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (ما قال بشر ولا قال آدم قال: ) إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (وفي هذا إِشارة إلى أننّا نحنُ الجنسُ البشري قد استخلفنا الله تعالى في هذه الأرض لعمارتها بطاعته وعبوديته، وكما سيأتي في آخرها: ) فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ([2] وذكرنا مناسبة هذه الآيات لسياق السُّورة وأنّها تصِل هذه الأمّة المحمدّية المستخلفة بأوّل خليفةٍ في الأرض وهو أبوها وهو الأصل الأوّل لها وهو آدمَ u. لنتأمُّل الآيات آية آية.

الآية الأولى هي قول الله U: ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) (

هذه الآية غرضُها وهدفُها في بيان حكمة الله في خلق آدم وهو - كما ذكرتُ لكم - الاستخلاف في الأرض لِعبادة الله Uاستدلالاً بذلك على ذُرِّيته من تبعه من بعده في لزوم اتّباع الهُدى.

وقال الله U:) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ (والحديث والخِطاب لمن؟ للنَّبي eثمّ لمن بعده من أمتّه لكلّ من قرأ هذه الآيات، فالحدّيث ابتداءً متوّجهٌ إلى النّبي e. وهذا فيه لطيفةٌ مهمّة توجيه الخِطاب للنّبي eماذا يُشعِر؟ يُشعِر حينما يُخاطَب بذلك بأحقِّيَته وأحقِّية أمّته في وراثة هذه الخلافة العُظمى وهذا التَّكريم، كأنّه تسليم له لهـذه الخِلافة.

ثمّ أيضاً إخبارُ الله Uلملائكته عن استخلافِه لآدم في الأرض، ماذا يُشعِر؟ يُشعِر بأنَّ هذا الأمر ذو شأنٍ عظيم عند الله Uولو لم يكن كذلك لمـا أخبر ملائكته بذلك، فهذا يدُّلنـا على كرامتنا عند ربِّنا وأنّ الله Uأخبَر وأعلَم ملائكته بذلك، ثم أيضاً التنَّصيص على وظيفة الخِلافة دون أن يقول إنّي جاعلٌ في الأرض خَلقاً أو بشراً إبرازٌ.إبرازٌ للقيمة الكبرى والمهمَّة العُظمى لهذا المخلوق ودوره في الأرض،وأنّه بهذه الخلافة يُعتبَرُ عامِلاً مُهمَّاً في نظام الكون كُلَّه إذ أنّ خلافته في الأرض تتعلّق بارتباطات شتّى في الكون، بسمائِه، وأرضه، وشمسه، وقمره، ورياحه، وأمطاره كُلُّ هذه المخلوقات مربوطةٌ بهذا المخلوق في عبوديته للّه U, فهذا يَدُّلنا على فضل هذا المخلوق وعِظمِ شأنِ ما خلقه الله تعالى له.

ثمّ قال الله U في قول الملائكة: ) قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (

هذا القول من الملائكة هو اعتراض، أم هو تساؤل، أم هو تعجُب؟!

اختلافُ العلمـاء في ذلك كبـير، لكن الصَّحيح الذّي عليه جمهور المُفَسِّرين هـو أنَّ قـولهم ذلكتَعَجُباً) قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (يعني كيف يكون خليفة ومن ذرِّيته من يُفسد ويسفِك الدِّماء ! فهُم قالوا ذلك على وجه الاستغراب والتّعجب من كون ذرِّية هذا الخليفة يحصُل منهم ذلك، مع أنّهم أيّ الملائكة مُقيمون على ماذا؟ على التّسبيح لله U والسَّلامة من الآثام، فغرضُهم شدّة التّعجب مع التّعريض بأنفسهم أنّهم أولى بذلك لأنَّهُم يُسبِّحون الله U ويُقَدِّسونه وهم سالمون من الآثام، وخَفيت عنهم عليهم السَّلام حكمةُ الله العُظمى في شأن هذا الخَلق وما سيكون فيه من مصالح عظيمة.

وهُنا سؤال مُهِم قد يَرِد على ذهن كُلِّ واحِدٍ مُتدَّبر! كيف عَلِم الملائكـة أنّ هذا المخلوق سيكون من شأنِه وشأن ذُرِّيته الإفساد وسفَك الدِّماء؟ أيّ كيف قالوا:) أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (؟

القول الأوّل: علموا ذلك قيِاساً على من سَكَن الأرض قبل هذا المخلوق وهُم الجِنّ، على ما تذكُر الرِّوايات هذا قول وهو قولٌ قويّ.

القول الثاني: وهو قد يكون أقوى من القول الأوّل، وهو أنّهم حينما اطَّلَعُوا على طبيعة هذا المخلوق وأنّه أجوف وعَرَفُوا أنّه بِخلقته ضَعيف لن يستطيع أن يُقاوم، فَرُكِّبت فيه الطَّبائع الأربع فعرفُوا أنّه سيكون منه ذلك.

القول الثالث:وهُو القول الأصّح عندي - والله أعلم - بعد تحرير هذه المسألة وهي مسألة طويلة أطال فيها العلماء، هو أنّ الله U أخبرهم، أطلعهم على ذلك قال: ) إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (وهذا فيه بعض الروايات واردة، قالوا: وماذا يكون من شأن هذا الخليفة؟ قال يكون من شأنه كذا، وكذا وكذا، وأنَّ من ذُرِّيته من يُفسِد ويسفِك الدِّماء، يعني أنّ الله أخبرهم بذلك عن أن يكون شأنهم، وهذا أمرٌ قد يكون قريبًا لأنَّ الملائكة حين أخبرهم الله بذلك قالوا ما شأن هذا الخليفة ونحن نعبُدُك ونُقدِّس لك ! يعني قائمون بعبوديتك، فماذا يكون من شأنه؟! هل هُناك شيء سيقومُ به هذا المخلوق غير ما نقوم به من التَّسبيح والعبادة لك بالطّاعة؟! فقال الله ومن شَأنه كذا وكذا وكذا، وأنّ من شأن ذُرِّيته من يُفسد في الأرض ويسفك الدِّماء) قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (تَعُجُّباً، كيف يكون ذلك؟! وهذا مَعنىً يظهر والله تعالى أعلم أنّه أدَلُّ وأقرب لما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عبّاس وابن مسعود وأناس من أصحاب النّبي e أنّ الله U قال للملائكة: ) إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (قالوا ربُّنا وما يكونُ ذلك الخليفة؟! قال يكونُ له ذُرِّية يُفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتُل بعضهم بعضاً، فقالوا:) أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ([3]

وعلى كلِّ حال فالأقوال الثّلاثة كلُّها واردة.

ما معنى قول الملائكة (ونحن نسُبِّح بحمدك ونُقدِّس لك)؟ وما الفرق بين التَّسبيح والتقدِّيس؟

التسبيح هو التَّنزيه كما قال ابن جرير [4] ومقصودُهم هو تنزيهُهُ U عمّا يقع من هؤلاء من الكُفُر والشِّرك وهو الإفساد في الأرض، وأعظم الإفساد في الأرض لا شك هو الكُفُر. فلمَّا أخبرهم بأنَّ من هؤلاء من يُفسِد في الأرض قالوا: ) وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ (يعني ننُزِّهُك عن هذا الشِّرك الذّي يقع من هؤلاء وهو أعظم الذّنب) وَنُقَدِّسُ لَكَ ( أيّ نُطَّهِرُ أنفسنا لك، وليس معنى نقدس لك يعني نقدسك أنت وإنما قالوا نقدس لك بمعنى نطّهر أنفسنا لك، والتَّقديس هو التَّطهير بمعنى أنّهم يُطَّهِرُون أنفسهم من أعظم الآثام ومن أعظمها سفكُ الدِّماء. فانظروا كيف قابلوا الإفساد بالتَّسبيح وقابلوا القتل بالتَّطهير والتَّقديس، ولو كان المقصود تقديس الله لقالوا: (نُقدِّسُكَ).

قال الله U:) إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (ما مَعناه؟! اختلف المُفَسِّرون فيها اختلافاً طويلاً، لكن الرَّاجح والله تعالى أعلم أنَّ المراد علمه I بالحكمة من خلق آدم u، وأنّ في ذلك من الخير العظيم الذّي لا يعلمونه، ومن ذلك ما يُشعِرُ بأنّه تعالى سيُظهِر من ذريّة هذا الخليفة من خِيَار خلقه، ورسله، وأنبيائه، وصالح عباده، والشُّهداء، والصّالحين، والصِّديقين، والعلماء، وأهل الإيمان والطّاعة، والجهاد من قد يكون خيراً من الملائكة كما ذكر هذا ابن القيّم - رحمه الله تعالى - [5].

وبأنّ وراء خلق هذا الحال مصالح أخرى لا تعلمُها الملائكة من إقامة أمر الله وإظهار I حِكَمِه وآثار أسمائه وصفاته، لو لم يكن هذا المخلوق، كيف يظهر اسم الله الغفور؟! وكيف يظهر اسم الله القدير؟ قدير على الكافرين، وغفورٌ للمؤمنين التّائبين، فلا تظهر أسماء الله وآثارها إلا بهذا المخلوق وأعماله، فيحصُل من وراء ذلك المخلوق، حِكَمٌ عظيمة عَلِمَها الله U وخَفيت عن الملائكة عليهم السّلام.

ثمّ بعد ذلك أراد الله وله الحكمة البالغة أن يُبيِّن للملائكة فضلَ آدم، وفضائله، فأوَّلُ فضل وأوُّل تشريف هو إخبارُهم بأنّه خليفة، ثمّ جاءت الخَاصِيَّة الثَّانية والتّشريف الثّاني وهو قول الله U:) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) ([6]. في هذه الآية تعيين الخليفة بأنّه آدم وتشريفُه بفضيلة العلم، التي هي من أعظم ما يَشرُف بها الإنسان، بعد بيان فضيلته بالخِلافة في الأرض إظهاراً لتكريم الله U لبني آدم بالعلم، وإلزاماً بالإيمان به ومعرفة حقِّه سبحانه، إذ العلم يبعث على الإيمان بالله ومعرفته، والعلم يُورِثُ المعرفة.

انظروا وتأملُوا معيّ قال الله: ) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ (إبراز اسمِ آدم في مقام العلم يدلُّ على شرف وذو شأن، ما قال علَّمه أي هذا الخليفة وإنما قـال: ) وَعَلَّمَ آَدَمَ (فهذا فيه إبرازٌ لاسمه تشـريفاً له، تنصيصاً عليه، وفي قوله:) وَعَلَّمَ آَدَمَ ( فيه معانٍ ظاهرة في فضيلة آدم وجنسه البشريّ بالعلم منها:

أوّلا: التَّرقي من تشريف آدم بالعلم بعد ذكر الخلافة.

ثانياً: الإشارة إلى أنّ العلم والمعرفة هو المنوط للخلافة والعمدة فيه.يعني الخلافة والإمامة في الدِّين تستلزم العلم،وهذا الذّي يكون في الأنبياء والمرسلين يبعثهم الله ويُرسِلهم بالعلم، فلا تقوم الخلافة والاستخلاف إلاّ بالعلم.

ثالثاً: أنّ الله خصَّه وشرّفه بالعلم دون الملائكة المقرّبين عنده، قال: ) أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ (فتخصيصُ آدم دليل على فضله.

رابعاً: أنّ الله جعل العِلم أوّل وأعظم خصائصه.

خامساً:تعليمُه إيّاه، فلم يوُكِل ذلك لأحد، لم يُوكل تعليمه للملائكة وهذا شرفٌ عظيم.

سادساً: فيه أيضاً تحدِّي الملائكة بأن يأتوا بما علَّمه إياه لإبراز فضله عليهم.

سابعاً:وفيه تعليمه الأسماء كُلّها، فلم يُعلِّمه جزءاً منها.

ثامناً: وفيه شرف بني آدم بهذا العلم، وأنّه أعلى وصف يتصِّف به الإنسان العلم بالله U، والعلم الذّي يُقرِّب إلى الله I, وأنّه هو السِّر الإلهي العظيم الذّي أودعه هذا الكائن البشري وهو يتقلّد الخلافة.

ثم قال الله U: ) ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (يعني بعد ذلك، والإتيان بـ (ثُمَّ) فيه إشارةٌ للمنزلة لآدم. قال: (أَنْبِئُونِي) وفي هذا تعجيزٌ من الله لهم عليهم السّلام. في قوله: ) إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (تعجيزٌ لهم أيضاً عليهم السّلام وتعظيمٌ للأمر.

قال الله عنهم: ) قَالُوا سُبْحَانَكَ (وهذا معنىً دالٌ على شَرف الملائكة، وحُسنِ وكمال أدبهم وكمال طمئنينِيَّتهم ويقينهم بفضل هذا الخليفة وشرفه بأنّهم استسلموا فقالوا: ) سُبْحَانَكَ (لو لم يكن ذلك استسلام منهم لجادَلوا، فما كان منهم عليهم السّلام وهم البررة المطيعون لِرَبِّهم إلاّ أن قالوا سُبحانك لا علم لنا. وهذا الاستفتاح بالاعتذار والتَّوبة هو سُنَّةُ المرسلين وهو أدبُ التَّائبين الصَّادقين، وهو أدبٌ ينبغي أن يتمثّله الإنسان في اعتذاره وتوبته لِرَّبه. أليس يقول موسى في توبته:) سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ (وقال ذي النّون: ) سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (، فهذا أدبٌ ينبغي أن يكون في حال التّائبين المستغفرين.

) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا (وهذا فيه أدبٌ آخر وهو أنّهم عَلِموا بأنّهم نَفُوا العلم عن أنفسِهم، وبيّنواأنّهم لا علم لهم إلاّ من اللّه U. وهذا يُبيّن أنّه لا علمَ للإنسان إلا بما علّمه الله Iقال: ) إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (وذكروا العلم والحِكمة إشارةً إلا ما ذكره الله تعالى في حكمته في هذا الخَلق وهو حكمته في خلق آدم.

هنا سؤال: ما وجه تقديم إظهار فضل آدم بالعلم قبل الأمر بالسُّجود له؟! هو الآن الله U ذكر لهم أنَّه الخليفة ثمّ فضّلهم بالعلم قبل أن يأمرهم بالسُّجود له. في هذا كما ذكر بعض المُفَّسرين أنّه من باب ترتيب الدّليل على المقصود، وذلك أنّه لمّا كان الغرض في بيان فضيلة آدم وما شرّفه به من الخلافة في الأرض، اقتضى الأسلوب الحكيم أن يُوضِّح لهم الحُجّة في فضيلة هذا الخليفة وسبب تعيينه والأمر الذِّي يَظهر به شرفه عليهم. فلمَّا فرغ من محُاجّتهم وبيّن لهم فضله أمرهم بالسُّجود إليه ليكون إقرارهم قولاً وعملاً، إقرارهم بالقول ) سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا (وإقرارهم بالعمل بالسُّجود له كما أمرهم الله U.

ثمّ قال الله U: ) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) ([7]

في هذه الآية أيُّها الإخوة أنّه لما طلب منهم الإنباء عن الأسماء فعَجِزوا عن ذلك، أراد سبحانه يُظهِرَ فضل آدم عليهم فقال: ) يَا آَدَمُ (فناداه باسمه تشريفاً له وإظهاراً له في الملأ الأعلى، لا شكّ أنّ ذلك تشريف لآدم إذ يُنادِيه الله Uويطلبُ منه أن يُخبرهم بالأسماء. ) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ (أيّ الأسماء التي علّمها الله تعالى إيّاه وهي أسماء الموجودات كُلّها. قيل:علّمه الأسماء قيل:علّمه المُسَّميات، في هذا خلاف كثير، وقيل: علّمه أسماء الطيّر، وأسماء الملائكة، وأسماء الجِنّ. وقيل: علّمه الأسماء ومدلولاتها وهو الأظهر والله تعالى أعلم.

قال الله U: )أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (ما عَلاقةُ هذا؟ لإظهار كمال علمه I وشمول إحاطته بالخلق، وأنّه I له الأمر كُلُّه وله العلم كُلُّه وله الحكمة كُلُّها فيما يختاره ويأمر به، وهذا يبعثُ على الامتثال فإذا قال الله أمرًا فلا ينبغي لأحدٍ من خلقه أن يعترِض عليه. ) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ([8]ذلك أنّ الله له الحكم والأمـر I، وهذا معنى قوله: ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ([9]وفي هذا معنىً لطيف ذكره بعضُ المُفَسِّرين في قوله: ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (وهو الغيب العام ومنه الغيب المُتَّعلق بآدم، وما سيكونُ من شأنه مع إبليس في الجنّة، وما سيكونُ بعده من تكليف، والبعث، والجزاء، والجنّة، والنّار، وعِلمِه بالملائكة وما يكونُ من شأنهم ممّا فيه قيامٌ بما يأمرهم الله U بما يُحققّ لآدم وذُريّته الخلافة ممّا يكون من جبريل u من حمل أمانة الرسالة وتبليغها وأمانة الوحي، وما يكون من مَلَك الموت وما يكونُ من شأن مَلَك الجِبال وغير ذلك ممّا يكِلُهُم الله تعالى به.

ثمّ قال:) وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (ما معنى وما كُنتُم تكتمون؟ هل كَتَم الملائكة شيئاً عن ربّهم؟! لم يكتموا، ولذلك هنا فيه إشارة إلى أنّ الله يعلم فيما لو كنتم تكتمون شيئا فإنّ الله يعلمه، في هذا إشارة للخلق بأنّهم يعلمون أنّ الله مُطَّلع على ما في نفوسهم،وفيه إشارة ولطيفة متعلّقة بقصّة آدم وهو معرفته سبحانه وتعالى وعلمه بما يكتمه إبليس حين رأى خلق آدم وأنَّه لا يَتَمَالك لأنّه أجوف، ثمّ قال للملائكة الذِّين معه حين رأوا خَلقه: أرأيتم إن فُضِّلَ هذا عليكم وأُمرتم بطاعته، ما تصنعون؟! قالوا: نُطيع الله، قال إبليس في نفسه قال: والله لئن سُلّطتُ عليه لأُهلِكنَّه، ولئن سُلِّطَ عليَّ لأعصيَنَّه، هذا ممّا في كان قرارة إبليس حين علم بخلق آدم، فقال الله: ) وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (لأنّ إبليس لم يُعلِن الاعتراض إلاّ حين أُمِر بالسُّجود بعد ذلك. ولذلك قال الله Uبعد ذلك:) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ([10]إلى آخر الآيات. هذه الآيات فيهافضيلة آدم وتكريمه بأمر الله بالسُّجود له، وهذه الميزة الثَّالثة بعد أن شرّفه بأن اختاره للخلافة ثمّ علّمه الأسماء، هنا أَمَرَ الملائكة بالسُّجود له فهذه من الكرامات التي أكرمه الله تعالى بها لآدم،وهي كرامةٌ لِبَنيه كما قال الله تعالى: ) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ ([11]فالآية مُتمّمة لما قبلها.

قال الله U: ) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا (قلنا أنّه جاء الأمر بالسُّجود له بعد أن بيّن فضله بالاستخلاف والعلم، وهذا من التَّدرج في بيان الفضل.

لاحظوا أنّ الله Uقال: ) فَسَجَدُوا (ماذا نستفيد من قوله: (فَسَجَدُوا) ولم يقل: (وسجدوا)؟ نستفيد منها التعبير بالفاء الدّال على الترتيب، والتعقيب سرعة امتثال الملائكة لأمر الله Uبالسُّجود له، فيوم أن أمرهم ما تلكئوا، إنّما سجدوا مباشرة وهذا يدلُّ على فضيلة آدم. سوى إبليس قـال الله U: ) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( لم يقـل (إلا إبليس لم يسجد) أو قال: (إلاّ إبليس امتنع) قال: ) أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ( لماذا قال: ) أَبَى وَاسْتَكْبَرَ (؟ للدَّلالة على سبب امتناعه، وهو التكبُّر والعناد - عياذاً بالله - وليس ذلك منه لأجل التأمُّل أو التَّردد أو السؤال عن هذا المخلوق، أو لماذا أسجد، وإنّما أظهر الله U سبب امتناعه وهـو التَّكبُر) أَبَى وَاسْتَكْبَرَ (

ولماذا قال: ) أَبَى وَاسْتَكْبَرَ (ولم يقل:(استكبر ثمّ أبى) لأنّ في الأصل أنّه يستكبر ثمّ يأبى، فلماذا قدّم الإباء على الاستكبار مع أنّ حقّه التأخير؟ لأنّه هو الذّي يظهر في الظّاهر، فالإباء ظاهر أمّا الاستكبار فلا يظهر لأنّه في نفس إبليس، فقدَّم ما هو دالٌّ على الأمر بحقيقته وواقِعه وهو إِبائـه وامتناعه ظاهـراً، فهو امتنع ظاهـراً ولم يمتنع في نفسه فقط، فقدّم قوله: ) أَبَى (.

ثمّ قال: ) وَاسْتَكْبَرَ ( ولم يقُل (تكبَّر) لماذا استكبر، ما فائدة ذلك؟! هذا يدلُّ على أنّهاستجلب الكِبِر يعني تطّلب الكبرعياذا بالله، اُنظروا ما في نفس هذا العدّو الذّي قد وصل به الحال من الحسد لآدم أنّه استجلب لنفسه الاستكبار والكِبر لئلا يسجدَ لآدم u.

ثمّ قال الله: ) وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( ولم يقل وكَفَر، لماذا؟ للدَّلالة على بلوغه نهاية الكفر،أيّ أنّه قد وصل المرحلة النّهائية للكفر،وهو مُشعِرٌ بنزوله إلى أسفل سافلين بعد أن كان في أعلى عِليِّين، وفي مقابل ذلك أعلى الله آدم عُلوّاً فمنحه هذه الكَّرامة وهذا الشَّرف وهذا العُلُّو.

في هذه الصِّفات وإظهارُها الإباء، والاستكبار، والكُفر تعريضٌ للمستكبرين الذِّين لم يُؤمنوا بالنّبي e ولم يعترفوا به وبدعوته وبهذه الأمّة المحمّدية وأخَصَّهم اليهود وغيرهم فقد أبَوا واستكبروا وكانوا منالكافرين كما قال الله: ) وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ([12]وفيه تحذيرٌ للمؤمنين من هذه الصِّفات الثَّلاث إذا جاءهم أمرُ الله Uأن يأبَوا أو يستكبِروا أو يكفروا عياذاً بالله.

ثم قال الله:) وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ([13]وهذه هيالفضيلة الرّابعة وهي إسكانُه الجنّة بعد الخلافة والعلم وسجود الملائكة، جاءت الفضيلة والميزة الرّابعة وهي إسكانه الجنّة وتفضيله بذلك التي هي دار النّعيم له ولذُّريّته بعد خلافته.

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل