تفسير سورة البقرة - المجلس الثالث - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الثالث -

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) ([1].

هذه الآيات جاءت بعد ذكر الطوائف الثلاث فكأنها دعوة لهم جميعاً، ولذلك قال) يَا أَيُّهَا النَّاسُ (لأن هذه الدعوة يدخل فيها الكفار والمنافقون والمؤمنون قبل ذلك، فعبّر بذلك بقوله ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ (فدعاهم جميعاً إلى عبادة الله وحده إلى أن يؤمنوا بالله وحده، وتضمنت هذه الدعوة تضمنت أصول الدين الحق، فتضمنت:

أولاً:توحيد الألوهية بعبادة الله وحده مع بيان موجبات هذه العبادة وهي آياته بتوحيد الربوبية.

ثانياً: تضمنت الإيمان بالقرآن وأنه حق لا ريب فيه.

ثالثاً:تضمنت الإيمان برسله أو برسوله المنزّل عليه هذا الكتاب وأنه عبد الله ونبيه.

رابعاً: تضمنت الإيمان بالجزاء الأخروي لأهل الكفر بالنار ولأهل الإيمان بالجنة.

هذه ما تضمنته هذه الآيات في قسمها الأول.

هنا سؤال وهو ما وجه تخصيص الآيات والنعم المذكورة في الآية؟

خصص الله U في هذه الآية، الخلقة البشرية والبنيتان الأرضية والسماوية وما يخرج منهما من الثمرات من إنزال المطر وإخراج النبات ,فهذا ذكره الله وخصّه لأنه محل الاعتبار بالبشر، وهو مواطن المنافع الظاهرة لهم، هذه أعظم منافع لهم خلقتهم خلق الأرض والسماء وما بينهما من إنزال المطر وإنبات النبات,وبها يقوم الدليل الظاهر على وجود الله U وعلى قدرته.

ولو تأملنا سياق الآيات لظهر لنا حسن الانتظام في هذا التقريب ودقة التعبير من وجوه:

أولاً:ابتدأ بخلقهم لأنه سابقة أصول النعم عليهم، أعظم نعمة عليهم هي خلقهم، ثم ثنّى بخلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم التي لابدَّ لهم منها، ثم ثلّث بخلق السماء التي هي كالسقف الذي يُظلّهم, ثم ذكر بعد ذلك إنزال الماء من السماء للأرض والإخراج به من بطنها أي من بطن الأرض وهو أشبه بالنسل المنتج من الحيوان.

تأملوا كيف ابتدأ أوامر السورة بالأمر هنا بالعبادة هذا أول أمر, أول أمر في السورة هو هذا الأمر ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (لأن أول أمر جاءت به الرسل اعبدوا الله، ) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ([2]فكان أول أمر في كتـاب الله Uوأول دعوة في القرآن لمن قرأ القرآن يأتيه هذا الأمر) اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (فكان مناسباً، ثم أيضاً أنه مناسب لتأسيس الدولة الإسلامية وبناء تشريعها الأساسي فهو مناسب لذلك.

ثم قال الله U: ) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (هذه الآية واردة في إظهار التحدي لإثبات كمال القرآن وسلامته، في الآيات الأولى أول السورة بيّن كماله ثم بيّن في هذه الآية التحدّي لهم، يعني أظهر التحدي لهم) إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (كما أنها واردة في إثبات الأصل الثاني وهو النبوّة والكتاب، التصديق بالنبوّة والكتاب بعد الأصل الأول وهو الإقرار بالعبودية لله U.

تأملوا التعبير بقـوله: ) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ (ما قال: (إن كان في ريب)، قال: إن كنتم أنتم في ريب، ثم قال: ) رَيْبٍ (يعني أدنى ريب ) فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (، ثم قال) مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (ولم يقل (أنزلنا)ما الفرق بين نزلنا وأنزلنا؟ نزّلنا تأتي على التدريج وأنزلنا تأتي جملة واحدة، فكأنه قال يعني لكم أن تفكّروا في الأمر جليّاً طويلاً فكّروا فيه كما تريدون، وأن هذا الإنزال الذي أنزله الله على محمد منجماً ومفرّقاً ابحثوا فيه عن قصور أو ريب أو نقص) فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ (لم يكتفي بدعوتهم إلى أن يتحدّاهم بأنفسهم بل قال) وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ (ومن هم شهداءهم؟ شهداءهم الأصنام وشهداءهم كبراءهم ورؤسائهم وزعماءهم وخبراءهم وكل من له علم عندهم ليأتوا بهم فيجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (كما قال الله U.

ثم قال الله I: ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (هذه الآية غرضها الحكم بعجزهم وهذا من إعجاز القرآن أنه إلى قيام الساعة لن يفعل أحد مهما كان، ومهما اجتمع أهل الأرض في وجود الريب في القرآن لا يمكن لأنه كلام رب العالمين الذي كمل في ذاته وأسمائه وصفاته I وكمّل به كتابه. فهنا حكم بعجزهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو يجدون فيه قصوراً أو ريباً، وهذا من إعجاز القرآن إلى قيام الساعة ولذلك توعّدهم الله قال) وَلَنْ تَفْعَلُوا ( ثم قال: ) فَاتَّقُوا النَّارَ (فتوعّدهم على هذا التكذيب الذي لا يستطيعون معه الاستجابة وأن يأتوا بمثل ما طلبهم به، توعدهم بالنار)فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (جعل النار مقام العناد، ولم يقل اتقوا التكذيب أو اتقوا العناد قال اتقوا النار مباشرة لأنها جزاؤهم, وفي هذا إيجاز.

ثم ذكر الناس مع الحجارة وقدّم الناس لماذا؟ مبالغة في تهديدهم وأنكم أولى من يكون في النار أنتم ثم الحجارة.

ثم أيضا تأملوا كيف قارنهم مع الحجارة؟ الحجارة التي لا تحرقها النار في الدنيا هي وقود النار يوم القيامة، فتأملوا كيف أن الله أشار إلى عِظم النار بأنها لا تتقد بأشجار وإنما تتقد بالحجارة، وهذا دليل على عظمتها كما بيّنها النبي eبقوله: « إن ناركم هذه جزء من تسع وستين جزءً من نار جهنم » عياذاً بالله. فذكر الحجارة هنا إشارة إلى فرط حرّ جهنم وامتيازها عن النيران الأخرى توعداً لهم وتأكيداً على عِظم جزاءهم وعذابهم.

ثم انتقل إلى وعد كريم وبشرى كريمةً عظيمة من الله U في قوله بعد أن ذكر حال المكذّبين جاء بحال المؤمنين والله تأملت القرآن فما وجدت الحقيقة بيان لآيات الجنة وعِظم جزائها وكمالها مثل هذه الآية لماذا؟ لأنها واردة في حال جزاء الكُمّل الّذين اهتدوا بالقرآن، كما أن تلك في بيان حال المكذّبين ذكر الله تعالى هنا باختصار شديد حال أهل الجنة في تنعّمهم كامل التنعّم. وتأملوا معي كيف افتتح الله الآية بالتبشير) بَشِّرِ (أنت -ولله المثل الأعلى ولكتابه- أنت إذا أردت أن تُدخل السرور على إنسان مباشرة تقول أبشر لا تستفتح الكلام بأي كلام إلّا أبشر، أبشّرك، فالله I افتتح الكلام لعباده المؤمنين بقوله مخاطباً نبيه بشّر المؤمنين) بَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ( ففيه مزيد تكريم وتأملوا أن هذه الآية ذكرت كما ذكر ابن السعدي - رحمه الله – في تأملاته: (ذكر المُبشِّر، والمُبشَّر، والمُبشَّر به، والسبب الموصل لهذه البشارة فمن هو المُبشِّر؟ هو النبي e، والمُبشَّر المؤمنون، والمُبشَّر به الجنة، والسبب الموصل لهذه البشارة العمل بالإيمان والعمل الصالح). فكملت هنا أطراف البشارة كلها، فما أعظم هذه البشارة، وما أعظم من حقق أسبابها وكان من أهلها، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها جميعاً.

قال الله U:) أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ( قال: ) لَهُمْ (إشعاراً بأن هذا مستقر لهم متحقق لهم، ثم جمع الجنات وجمع الجنات دال على عظمتها وتعدادها وفيه مزيد إكرام، ثم قال:) جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (وفي هذا إشارة إلى كمال صورتها وحسن منظرها، يظهر ذلك من أمور أولاً: التعبير بلفظ تجري، ولا شك أن جريان الماء أفضل من ركوده، فالماء الجاري أكمل وأنظر من الماء القار ففيه تجدد، ثم أيضاً قال) مِنْ تَحْتِهَا (زيادة لتحسين وصف الجنات وذلك أن أنهار الجنة تجري بين الجنان من غير أخدود من غير أخاديد وهذا أكمل محاسن الجنات وأفضلها.

قال الله U: ) كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ (فيه بيان زيادة لذّتهم وفي أرزاقهم وتنوعها، ثم قال: ) أُتُوا بِهِ (فهو النعيم يؤتى به لهم وليس هم يطلبونه بمشقة وطلب كما هو حال الدنيا. قال الله U: ) لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ (وهذا مزيد إكرام من جهة تعدد اللذات وتكاملها، والتعبير بأزواج بدل زوجات لماذا ما قال زوجات؟ هنا لطيفة جميلة وهي إشارة إلى اختصاصهم بتلك الأزواج، وذلك لأن المراد بالأزواج القرناء من النساء اللّاتي تختص بالرجـل لا يشاركه فيها غيره، فعبّر بالأزواج دون الزوجـات, وفي ذلك مزيد إكرام، ثم التعبير بـ) مُطَهَّرَةٌ (مما يدل على أنه مطهّرة من كل عيب وأذى حسي ومعنوي، ثم قال: ) وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( فعبّر بخلودهم فيها وذلك فيه إزالة لتنغيص عليهم في تنعّمهم لئلا يظنوا أن هذا النعيم نعيم مؤقت أو محدود.

قال الله U: ) كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا (فقط أريد أن أقف وقفة يسيرة مع هذه الآية ) كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ( ما معنى هذا الكلام؟ اختلف في هذه الآية المفسرون اختلافاًً طويلاً لكني أختصره بالقول الصحيح وهو أنهم كلما أوتي لهم بثمرة كانت هذه الثمرة مع أنها هي الثمرة أو هي اسم الثمرة، مثل أُتي بالرمّان هذا اليوم كان هذا الثمر أعظم لذّة وأكمل طعماً من الرمّان الذي أُوتي من اليوم الذي قبله، فكل يوم يؤتى لهم بهذه الفاكهة اسمها هي اسم الأولى وشكلها هو شكل الأولى لكنَّ طعمها أكمل، وهذا سر من أسرار نعيم الجنة، أنَّ نعيمهم يزداد كل يوم لذّة، الله أكبر! ما أعظم هذه الحال! في كل يوم تزداد لذّتك في الجنة. فالرمّان الذي تأكله اليوم ليس هو الرمّان الذي تأكله غداً في لذّته بل هو في لذّة أخرى وطعم آخر وهكذا. بخلاف أهل الدنيا فأهل الدنيا حينما يأكلون الثمرة اليوم يتلذّذون بها، لكن لو أكلوها من غد كانت لذّتهم أقل وهكذا إذا اعتاد الإنسان على طعام في الدنيا ضعفت لذّته وشهوته، لكن الآخرة بعكس ذلك، ولذلك أهل الجنة في كل جمعة يزدادون جمالاً وبهاءً، فيذهبون في سوق الجمعة فتهب عليهم ريح الشمال فيزدادون بها حسناً وجمـالاً، فيـأتون إلى أهلهم فيقول أهلهم: (لقد والله ازددتم حسناً وجمالا)فيقولون هم لأهليهم: (وأنتم والله لقد ازددتم حسناً وجمالاً) هذا في كل جمعة تأمل هذا النعيم أنك في الجنة في كل أسبوع تزداد جمالاً ويزداد أهلك جمالاً وبهاءً، نسأل الله الكريم من فضله أن يرزقنا هذا النعيم المقيم.

وقال الله U) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (ما مناسبة هذه الآية؟مناسبتها أن الكافرين حينما دمغوا وتُحِدُّوا، وتحداهم الله U بالقرآن وأن يأتوا بمثله، ولم يكن لهم سبيل إلى ذلك لجأوا إلى ماذا؟ لجأوا إلى الشبه والتنقص والحيل فقالوا كيف هذا القرآن يُضرب به الذباب ويضرب به العنكبوت مثلا وغيرها؟! كأنهم أرادوا أن يستنقصوا القرآن من حيث هذه الأمثال التي ضربها الله فيه، وإنما ضرب الأمثال هذه لمن ضربها الله U لآلهتهم، فقال الله U: ) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (لأن هذه الأمثال تزيد الإيمان تزيد المؤمنين إيماناً، وهذا يفيدنا في علم علوم القرآن أن الأمثال لها فائدة عظيمة في القرآن وهي كثيرة أنها تزيد الإيمان، بحكم الله Uبقوله هنا: ) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا (أي من المـؤمنين) يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ( من الكافـرين ) وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ( من المؤمنين ) وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ( أي الخارجين عن أمر الله وحدّه، ثم ذكر صفاتهم ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (وفي هذا إشارة للمشركين ولأهل الكتاب المعاندين لأنهم هم الّذين نقضوا أمر الله U, ثم ردّ الحـديث بعـد ذلك باستفهام قال: ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (رد الكلام إلى الدعوة الأولى أليس قال: ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ( قال هنا: ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ([3]بعد هذا البيان وهذا التفصيل وهذا الاستدلال والبرهان، فبهذا يتبيّن لنا سياق هذه الآيات وتتابعها على هذا المعنى.


[1]سورة البقرة 21 - 29.

[2]سورة النحل 36.

[3]سورة البقرة 28. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل