تدبر مع القرآن - سورة البقرة، الآية 263 - 266 - د. محمد داوود

تدبر مع القرآن – سورة البقرة، الآيات 263-266

د. محمد داوود

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

مضت بنا الآيات من سورة البقرة التي تتحدث عن النفقة في سبيل الله وكيف أن الله عز وجلّ أعد عظيم الجزاء والمثوبة لمن أنفق ماله في سبيل الله وهذا من أعظم الترغيب في هذا الباب. ثم بدأ يبين أدبًا من آداب النفقة في سبيل الله وهو أن لا يُتبع المؤمن نفقته في سبيل الله نفقته بمنٍّ ولا أذى.

ونواصل هذه الرحلة في بيان أدب النفقة في سبيل الله. مضت بنا الآيات إلى قول الله عز وجلّ (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴿٢٦٣﴾) الذي يقدَّم على عطاء المال والعطاء المادي إنما هو العطاء المعنوي قبل العطاء المادي تعطيه احترامًا وتقديرًا تعطيه كلمة طيبة يعبّر القرآن عن ذلك (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى). ومن هنا يقول الله عز وجلّ بعد ذلك (وَاللَّهُ غَنِيٌّ) غني عن هذه الصدقات التي يُتبعها الإنسان بالمنّ والأذى. (حَلِيمٌ) الله حليم على عباده، قد ترى أن الإنسان المستحق للصدقة قد قصّر في حق نفسه فالله حليم عليه فأنت أعطه لكن لا تعيّن نفسك وصيًا على خلق الله وتطلق لسانك بالمنّ والأذى فإن ذلك مفسد للصدقة بل يبين القرآن الكريم أن من أدب الإيمان في صدقة المؤمن أن العطاء المعنوي من الاحترام والكلمة الطيبة وقول المعروف والمغفرة إذا كان في حالة شيء لا يليق (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) لذلك كان ختام الآية (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) غني عن هذه النفقة التي هي من حولها منّ وأذى.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) ويؤكد القرآن هذا المطلب الإيماني، هذا الأدب الإيماني الذي ينبغي أن يلازم صدقة المؤمن ويبين أن المنّ والأذى مبطلٌ للصدقة فلا ينال الإنسان هذا الثواب ولا يكتفي القرآن بذلك البيان فيضرب مثلًا توضيحيًا بيانيًا لذلك لخطورة المسألة فيقول الله عز وجلّ (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) الذي ينفق ماله رئاء الناس يطلب أن يراه الناس حتى يكون منهم الثناء والمدح له فهو لا يطلب مرضاة الله عز وجلّ، ينتفي هنا المقصد (في سبيل الله) هذا هو المعنى (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) هنا انتفى في سبيل (رِئَاءَ النَّاسِ) لأن في سبيل الله ليس معها منٌّ وليس معها أذى وليس معها طلب مراءاة الناس وثناء الناس وأن يكون ممدوحًا عند الناس (وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) هو محروم من هذه النعم، نعمة الإيمان بالله عز وجلّ، فمثله مثل هذا الإنسان -حتى يتضح المعنى لكل إنسان عاقل- (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ) الصفوان الحجر الناعم وعليه طبقة رقيقة من التراب التي تجمع عليه فأصابه وابل والوابل هو المطر الغزير والمطر الغزير حين يأتي على الحجر الناعم الذي فوقه طبقة رقيقة من التراب يزيل هذا التراب فيبقى هذا الحجر الذي عبّر عنه القرآن بـ(صفوان) أملسًا (فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا) وعبّر عنه (صَلْدًا) ليس عليه شيء ناعم وأملس. (لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) حال ذلك الإنسان في أن الرياء طلب الرياء وطلب مراءاة الناس وفي أن المنّ والأذى يأتي على الصدقة كما يأتي الماء الغزير من المطر الغزير من الوابل فلا يبقي منه شيئًا كما يصنع الماء الغزير مع طبقة التراب على الحجر الناعم هكذا يفعل المنّ والأذى ويفعل الرياء فلا يبقى شيء وتبطل الصدقة. (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

وتواصل الآيات رحلة أدب النفقة وفي مقابل هذا النموذج الذي ضربه القرآن يقول القرآن في مثل جديد يبين القرآن نفقة المؤمن التي تكون في سبيل الله والتي لا يُتبعها المؤمن بمنّ وأذى فيقول ربنا (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) ربوة عالية (أَصَابَهَا وَابِلٌ) فهذه التربة النقية أصابها المطر فلم ينزل المطر الغزير على حجر وإنما نزل على تربة سخيّة خصبة (فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) الإثمار كان زائدًا قدر الإثمار المعتاد مرتين (فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ) أي مطر غزير (فَطَلٌّ) والطل هو المطر الخفيف يعبر عنه بالندى ولأنها تربة خصبة ولأنها على ربوة فهذا المطر القليل يكفي لأن يأتي منها نبات ويأتي منها ثمر وهذا مثلٌ للذي ينفق ماله في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله في سبيل الله ولا يفسد صدقته بمنّ ولا أذى ثم يقول الله عز وجلّ (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) بصير لأن المشهد يرى بالعين، مشهد المطر والإنبات هذا مشهد بصري لذلك قال ربنا (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

ثم يبين ربنا سبحانه وتعالى في هذا الاستهفهام العجيب المدهش الذي يحرك العقول لتتأمل هذا المعنى (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ) هذا من تتميم المعنى، هو ذكر الجنة لكن الجنة يمكن أن تكون من أشجار شتى لكن هنالك من الأشجار ما هو محبب الإنسان وثمره يبقى والانتفاع به أشمل فيقول من تتميم المعنى (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) هذه الأمواه التي تجري من تحتها هي مصدر الخصوبة ومصدر الإنبات ومصدر الخير البركة فهي طيبة خصبة والمياه موجودة. (لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) تتمة المعنى (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ) هذا النعيم كله أصابه الكبر (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ) والضعف إما معنوي وإما مادي (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ) انظر إلى تشبيه المنّ والأذى بالإعصار وهي الريح الشديدة جدًأ السموم التي تلتف حول السحب فتعصرها وتكون شديدة مدمرة وسمي إعصارًا لأنه يلتف حول السحب فيعصرها مثل الثوب المعصور وجمعه أعاصير. هذا الخير العميم أصابه إعصار فيه نار وليس إعصارا فقط ولكن فيه نار (فِيهِ نَارٌ) فدمّرت بالإعصار واحترقت بالنار فاحترقت. وانظر إلى الفاء (فَاحْتَرَقَتْ) يعني دمّرت سريعًا واحترقت فورًا (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) هكذا كما يفعل هذا الإعصار بهذه الجنة كذلك يفعل المنّ والأذى بالصدقة.

 

إذن الخلاصة أن الفلاح والنجاح في الصدقة أن تكون في سبيل الله وليحذر المؤمن كما بينت الآيات أن يُتبع الصدقة بمنّ وأذى وضرب القرآن هذه الأمثلة كيما نعتبر وكيما نتعلم وكيما يكون للمجتمع المؤمن هذه الأخلاق في النفقة وهذه الآداب في النفقة فيكون الحبّ بين الغني وبين الفقير وتتحقق العدالة الاجتماعية بهذا السبيل الآمن، هذا هو الإيمان وهذه تكاليف الإيمان وهذه آداب الإيمان. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل