تدبر مع القرآن - سورة البقرة، الآية 261 - 261 - د. محمد داوود

تدبر مع القرآن – سورة البقرة الآية 261-262

د. محمد داوود

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

مضت بنا الآيات إلى أن وصلنا إلى قول الله عز وجلّ (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦١﴾) بداية من هذه الآية تستأنف الآيات دلالة جديدة تعلمها المجتمع المؤمن الذي آمن بالله عز وجلّ وصدق إيمانه بعد بيان ولاية الله للمؤمنين وتثبيت اليقين الراسخ والإيمان الصادق بالله عز وجلّ من خلال أمثلة كثيرة من قصص التاريخ الإيماني للبشرية. يأتي الدور الآن لبيان تكاليف الإيمان، فالإيمان الصادق له أعمال وله تكاليف وله التزامات منها النفقة في سبيل الله، وفي هذا بيان أن بعض الناس لا ينفق إلا إذا جلبت له النفقة مصلحة أو منفعة فلا يعطي المال إلا بربا وبعض الناس لا ينفق المال بخلًا وحرصًا عليه. وهنا يستأصل القرآن هذه الهواجس من النفس البشرية ويطبعها بطابع الإيمان في التوجه بالنفقة إلى الله عز وجلّ لكن ليس عن قبيل الأوامر والنواهي ولكن عن قبيل الترغيب بما عند الله من المثوبة فيقول القرآن الكريم (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا هو الشرط، شرط الفلاح والنجاح والحصول على المثوبة العظيمة من الله عز وجلّ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) الأمر لا ينتهي عند سبعمائة ضعف بل المضاعفة مستمرة (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) واسع العطاء بلا حدود وهو عليم سبحانه وتعالى بهذه الأحوال والأمور والنفس البشرية وكيف يعالج ذلك. وحين نرى في هذه الآيات والآيات التي بعدها نرى أن ربنا سبحانه وتعالى يعالج النفس البشرية بأسلوب الترغيب.

ونقف على بعض اللمحات الإيمانية في هذه الآيات والآيات التي بعدها يقول ابن عباس رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس لو شاء الله عز وجلّ لجعلكم أغنياء لا فقير فيكم ولو شاء لجعلكم فقراء لا غنيّ فيكم ولكن اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يبتلي بعضكم ببعض يبتلي الغني بالثروة والنعمة كيف يكون تصرفه وسلوكه في هذه النعمة ويبتلي الفقير بالفقر كيف سيكون سلوكه مع هذا الابتلاء وهذه الشدّة.

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (في سبيل الله) إنما هي عامة تشمل أمورًا كثيرة تشمل جانب الصدقات والزكوات لكل المحتاجين من أصناف استحقاق الصدقة التي بيّنها ربنا في القرآن وتشمل أيضًا بناء الأمة وبناء عقول الأمة فتشمل دعم تعليم الأمة وتشمل تمكين الأمة في قوتها السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية. (في سبيل الله) عامة متسعة شاملة لكل الوجوه، من كان حاله هكذا في النفقة (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حبة) وهنا تدبر يسير: القرآن قال في هذا السياق في هذه الآية (سَبْعَ سَنَابِلَ) وقال في رؤيا الملك التي فسرها يوسف عليه السلام وذلك في قوله تعالى (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴿٤٣﴾ يوسف) ما الفرق بينهما؟ سنابل جمع كثرة وسنبلات جمع قلّة لأن الرؤيا كانت محددة وفي أمور محددة وزمن قَحْط ونحو ذلك فجاء جمع القلة لأنه يناسب هذا السياق أما في مقام التفضّل والإنعام الإلهي في الجزاء الأوفى وترغيب وقوة الترغيب للمؤمنين في أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله عبّر بجمع الكثرة (سنابل) وهذا ما يناسب هذا السياق ومن إحكام الكلمة القرآنية وجمال أسلوب القرآن الكريم.

(وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) الضعف ليس مقدار الشيء مرتين كما هو السائد بين الناس، الضعف يساوي قدر الشيء وتقول ضعفين أي يساوي قدر الشيء مرتين، ثلاثو أضعاف يساوي قدر الشيء ثلاث مرات، وهكذا. فالله عز وجلّ من هذا القبيل يبين هذا العطاء تحفيزًا لكل مؤمن لأنك لن تجد استثمارًا للمال في أيّ زمان ولا مكان ولا جهة على الكوكب الأرضي كله أنه يعطي سبعمائة ضعف وهنالك زيادة مضاعفة الثواب بلا حدود ولا يكون هذا إلا عند الله عز وجلّ ولذلك هذا ترغيب عظيم في أن يُقبل المؤمن على النفقة في سبيل الله. في الحقيقة نؤكد دائمًا أن النفقة في سبيل الله: الزكاة والصدقة هي تعالج المجتمع وما فيه من عوز، هي الحلّ الآمن لتحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس فلا يحتاج الناس إلى ثورات ولا إلى هدم ولا إلى هذه الأمور التي تأتي على اقتصادهم وتأتي على حياتهم وتأتي على أوطانهم ومنها يحدث الاختراق الثقافي والسياسي والاجتماعي لهذه الأوطان. فالقرآن جاء بالحل الآمن لتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع عن طريق الزكاة والصدقة ورغّب بذلك بهذا الترغيب.

(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٦٢﴾ البقرة)

 

ثم يقول ربنا سبحانه وتعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ثم يضع شرطًا جديدًا (ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى) المنّ هو أن الإنسان يعدّ المحاسن والعطايا على ذلك الفقير ويذكّره بها وأما الأذى فبالكلام الذي يؤذي النفس: أنت كذا وأنت كذا مما يؤذي نفسه. فالله سبحانه وتعالى يقول ينبغي أن تكون هذه النفقة في سبيل الله لا يتبعها منّ ولا أذى. ويعبّر القرآن بـ(ثمّ) التي تفيد التراخي والمغزى هنا أن المنّ والأذى يمكن أن يكون ملازمًا لإعطاء الصدقة ويمكن أن يحدث بعدها بوقت ومن هنا عبّر القرآن بـ(ثمّ) التي تفيد الفسحة الوقتية والمدّ’ يعني لا تعيّره ولا تمتنّ عليه ولا تؤذه بكلمة نابية أثناء الصدقة ولا بعد الصدقة بقليل ولا بعد الصدقة بزمان، ينبغي أن تحافظ على مشاعر الفقير وتعلم أنه قد أن تعطيه مالًا ينبغي أن تعطيه تقديرًا واحترامًا وحنانًا وكلمة طيبة، فيقول ربنا في حق هؤلاء الذين لا يتبعون نفقتهم بالمنّ والأذى يقول (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) هذا هو من الجزاء الأوفى عند الله سبحانه وتعالى. إذن الجزاء الأوفى في مضاعفة الأجر والثواب إلى سبعمائة ضعف وزيادة ثم التأمين الرباني الذي يقول الله عنه (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) والخوف في الدنيا يكون من المستقبل مما هو آت والحزن يكون على ما مضى فالله سبحانه وتعالى إذا سلك الإنسان هذا السبيل أمّنه من غوائل المستقبل وجوائح الحياة وأمّن ذريته وأحفاده وأمّنه فيما مضى فيغفر الزلات ويستره في الدنيا بين الخلق ويوم القيامة، هذا جزاءٌ ما أعظمه!!  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل