تدبر مع القرآن - سورة البقرة، الآية 260- د. محمد داوود

تدبر مع القرآن – سورة البقرة الآية 260

د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

مضت بنا الآيات وهي تبين هذه الأمثلة التي جاء بها القرآن الكريم من تاريخ البشرية تحقيقًا لقول الله عز وجلّ (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) كيف تكون هذه الولاية وهذه النصرة وهذا التأييد وهذا التوفيق في تطبيق عملي والقرآن يستأنف قصة جديدة تطبيقًا لهذه الولاية وبيانًا لها فقال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٦٠﴾ البقرة)

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) هذا الاستفهام الوارد في بداية هذه الآية للفت الانتباه إلى هذه المسألة وهذه القضية وهو كما بيّن العلماء في الراجح من كلامهم أن الاستفهام هنا للتقرير والتنبيه ولدفع التوهم أن سيدنا إبراهيم كان يسأل ذلك عن شكّ في الإيمان ولكنه النبي الأوّاب الحليم أحب وتشوّف قلبه وعقله أن يقترب من سر الحياة من ربه سبحانه وتعالى وأن يمنّ عليه بشيء من فيض الله في طلاقة قدرته في مسألة سرّ الإحياء. (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) لذلك دفعًا لهذا التوهم الذي قد يصل إلى البعض قال القرآن الكريم (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)

(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) الله عز وجلّ منّ على سيدنا إبراهيم ببيان ذلك السر كيف يكون. (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أمِل هذه الطيور إليك وقرّبها منك حتى تتأكد منها ثم بعد ذلك اذبح هذه الطيور وقطّعها (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) جزء من هذه الطيور على كل جبل من الجبال المحيطة بك يا إبراهيم (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) سعيا ولم يقل طيرانًا لأن الطيران ربما يختلط عليه إذا ما طارت هذه الطيور أنها اختلطت بغيرها وأن التي حضرت إليه غير هذه الطيور التي ذبحها وقطّعها ووزعها على الجبال، لكن حين تأتي سعيًا ماشية فهو يراها بدءًا من نقطة الحياة والتحرك ويستطيع أن يراقب حركتها دون أن تختلط بطيور أخرى حتى تأتي إليه. انظر إلى إحكام الكلمة القرآنية إلى عظمة التعبير القرآني لذلك قال ربنا سبحانه وتعالى (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) لأن السعي للمشي وليس للطيران، ولله حكم كثيرة في هذه الكلمة!.(وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

ننظر إلى بعض الأسرار البيانية في هذه الآية في حذف ياء النداء في قوله (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ومئات المرات وردت هكذا في القرآن، الأعم الأغلب ورد في القرآن بحذف الياء وكل موضع فيه حذف ياء النداء عن كلمة رب لدلالة قرب الله لعبده وتأييده ونصرته وأن نبي الله إبراهيم عليه السلام كان يستشعر هذا القرب وهذا الودّ فنادى (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ولم يقل يا رب، حذف أداة النداء إنما فيه إشارة إلى هذه المعاني.

الأمر في قوله (أرني) إنما هو من باب الالتباس والرؤية بصرية وهذا يدل على ما ورد في مسائل الطير كلها، أرني أشاهد بعيني.

(كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) والله عز وجلّ يبين بهذا الألسلوب أن السؤال ليس شكّا في إحياء الموتى ولكن السؤال عن الكيفية هو يريد أن يعلم شيئا من هذا السر، هو موقن، هو نبيّ والآية تدل على ذلك أيضًا في سياقها (كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) إحياء الموتى مسلّم به لكن الذي يسأل عنه الكيفية (كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) والاستفهام هنا للتقرير والتنبيه.

(قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) هذه للسامع، جاء الله سبحانه وتعالى بها حتى يبيّن للسامع دفع هذا التوهم الذي قد يتوهم البعض أن هنالك شك.

(قال) اي سيدنا إبراهيم عليه السلام (بلى) الإجابة بـ(بلى) على الاستفهام المنفي (أولم) الإجابة على الاستفهام المنفيّ يكون ببلى وليس بنعم (أليس الله بكاف عبده) بلى، (أليس الله بأحكم الحاكمين) بلى، الاستفهام المنفي يكون جواب الإثبات له بـ(بلى).

(وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) والله سبحانه وتعالى حين قال (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) قال (من الطير) ولم يقل خذ أربعة طيور لأن دلالة أربعة طيور ستكون من نوع واحد من جنس واحد لكن (من الطير) من أيّ طير فيكون فيها التنوع والتعدد، أيّ طيور أمامه كيف شاء من التعدد والتتنوع فيها، من الطير مطلقًا.

(فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) يتبين بمعنى ضمّ هذه الطيور وقرّبها إليك واجعلها تميل إليك كي يتأكد من وصفهم، انظر إلى إحكام الكلمة القرآنية، (فَصُرْهُنَّ) تقريب الطيور حتى يتأكد من أوصافها وحتى يتأكد من الملامح المميزة لهذه الطيور فإذا عادت إليه أيقن وتأكد أن هذه الطيور هي التي قطّعها وفرّقها على رؤوس الجبال. لذلك يأتي هذا الإحكام في كلمة القرآن (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ).

الإيجاز في لغة القرآن (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) هنالك محذوف وهو معلوم بالضرورة يعني اذبح هذه الطيور ثم قطّعها ثم اجعل على كل جبل منهنّ جزءا ولغة القرآن قائمة على الإيجاز، فالحذف هنا حذف بلاغي وله أغراض بلاغية، القرآن يقوم على لغة الإيجاز.

(ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ) من الجبال المحيطة بك (مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ) هل الطيور تعقل حتى يعبّر القرآن (ثُمَّ ادْعُهُنَّ)؟ لكن القرآن يريد أن يُظهر يبيّن في مسألة الخلق والإحياء أن كل المخلوقات أممٌ أمثالنا لها عقل من نوع آخر، لها استجابة من نوع آخر، لها نظام من نوع آخر. (ثُمَّ ادْعُهُنَّ) وقد بين ربنا أنه علم سليمان منطق الطير، لغة الطير والقرآن يُنبئ أن النملة تكلمت مع سيدنا سليمان. وهنا (ثُمَّ ادْعُهُنَّ) لأن المقام مقام معجزة، فلا تقل كيف تكون الدعوة؟ وهل هم عقلاء؟! الله يعلم ذلك النبي أن يقول شيئا ويأذن للطير أن يفهم ذلك ويستجيب. المقام مقام معجزة، ماذا يعني مقام المعجزة؟ أنت لو فسّرت المعجزة بالعلم وعرفت السبب لا تكون معجزة، خرجت عن المعجزة ما دمت ذكرت لها سببا وتستطيع أن تصنعه أنت وأصنعه أنا فقد خرجت المعجزة عن حدّها إلى شيء معلوم أصنعه أنا وتصنعه أنت ويصنعه كل الناس إنما هذا شيء معجز.

(ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) لم يقل طيرانًا السعي يكون للماشي حتى لا يتوهم سيدنا إبراهيم أنها اختلطت بطير في السماء يطير بجوارها شبيه لها، حتى يمكن أن يلاحظ وأن يدقق وأن يتابع حركة هذا الطير حتى يأتي إليه ثم يتأكد أنه هو الطير الذي ذبحه ووزّعه على رؤوس الجبال ثم دعاه فأتى كما كان حيًا.

 

ثم يأتي التأكيد في النهاية (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) لتنزيل سؤال إبراهيم عليه السلام (كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) هذه المنزلة وهذا من سنّة العرب أنها تعبّر حينًا عن اللفظ وتعبّر حينًا عن المعنى لمراعاة الحال والسياق. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل