تدبر مع القرآن - سورة البقرة، الآية 259 - د. محمد داوود

تدبر مع القرآن – سورة البقرة، الآية 259

د. محمد داوود

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

مضت الآيات في بيان الأمثلة التطبيقية على ولاية الله للمؤمنين ونصرة الله لهم وتأييده وتوفيقه لكل مؤمن. فمرت بنا قصة محاجّة ذلك الرجل الذي آتاه الله الملك لسيدنا إبراهيم وكيف كان غلبة الحق وظهوره على الباطل. ثم يأتي الله بمثل آخر لولاية الله للمؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور فصاحُب هذه القصة بدأ شاكًّا وانتهى مؤمنًا، يقول الله عز وجلّ (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٥٩﴾ البقرة).

أولا قصة هذا الرجل قصة عجيبة لذلك يلفت القرآن انتباهنا إليها حيث أورد استفهامين في هذه الآية:

الأول قول الله عز وجلّ (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)

والثاني (كَمْ لَبِثْتَ)

والثالث على نحو من المجاز (كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) وهو لبيان الكيفية وليس استفهامًا حقيقيًا.

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) الخاوية الخالية من أهلها التي تهدّم فيها كل شيء فأصبحت خاوية خالية. فنظر إليها الرجل وقال (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) بعد أن مات أهلها ودُمّر كل شي وأصبحت خاوية على عروشها، دمار وهلاك أحاط بها من كل جانب، كيف يكون البعث وإعادة الحياة لها؟! فبيّن الله عز وجلّ له بيانًا عمليًا (فأماته الله مائة عام) هو يتكلم عن الموت والحياة فناسب ذلك (فأماته). (ثم بعثه) ولم يقل أحياه لأن البعث فيه الحياة وزيادة، البعث فيه الإحياء وما يستلزم الإحياء من حركات حياتية مثل النهوض والانتباه والحركة وكل هذه الأمور. (ثم بعثه) هذا أمر يشتمل الحياة وفوق الحياة فالمعنى أشمل لبيان عظمة القدرة وطلاقة القدرة عند الله عز وجلّ. (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) على التراخي لطول المدة التي قضاها في الموت.

ثم كان هذا السؤال من الله عز وجلّ (قَالَ كَمْ لَبِثْتَ) شعوره وإحساسه عبّر عنه وقال (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) أو جزء من اليوم فأخبره الله بالحقيقة (قال بل) للاستدراك (بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ). ثم يأتي بالفاء الفصيحة التي تبيّن وتدلل على ما سبق (فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ) هذا الدليل (فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) التسنن التغير لطول المدة وطول مرور الزمان عليه، الشيء إذا طان مرور الزمان عليه وتغير بمرور الوقت والزمان فالإحكام يقتضي أن نعبر عنه يتسنه والمعنى أنه لم يتغير بمرور الزمن عليه. (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ) وذكر (حمارك) لأن الحمار هو يحتاج إلى ركوبه وكان يركبه ذلك الرجل فهو من الشواهد والأدلة التي يراها بعينه. ثم يبين ربنا بعد الاستفهامين حكمًا جليّة وذلك في قوله (وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) فلما تبين له قدرة الله عز وجلّ انتهى إلى اليقين وإلى الإيمان الراسخ قال (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

إذن هذه المعاني التي جاءت في هذه الآية وبخاصة ما تعرّضنا له من الاستفهام إنما فيه تأكيد لمعنى طلاقة القدرة لله عز وجلّ والآية بها من أسرار البيان ما يمكن أن نقف عليه في هذا المرور السريع.

قوله تعالى (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ) لم يذكر القرآن اسم هذا الرجل ولا اسم القرية والقرآن حين لا يذكر شيئًا ينبغي أن لا نبحث عنه إلا إذا جاء عنه بيان في سنّة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لو كان فيه فائدة لساقه القرآن ولكن القرآن يوجّه هنا إلى مناط الفائدة والتركيز. (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ) لم يذكر اسم الرجل ولا اسم القرية لأن القرآن في عرضه للأخبار والقصص يركّز على مواطن العبرة يركّز على موطن الدروس المستفادة ولا يشغل الأذهان بتفاصيل لا تزيدنا في الاعتبار شيئا، القرآن يقوم على الإيجاز وحتى لا يتشتت القارئ حين يفهم وإنما يركّ. الفهم في موطن العبرة وموضع الدرس.

قوله تعالى (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) كناية عن صفة الدمار والخراب في تلك القرية التي مرّ بها ذلك الرجل والسرّ في هذا البيان وجماله أنها نقلت الحدث التدمير والخراب من فكرة ذهنية مجردة إلى صورة حسّية ماثلة أمام الخيال: جدران محطمة وأسقف هامدة وعظام مفتتة.. وهذا يؤدي إلى وضوح المعنى وبيانه واستقراره في الذهن.

ثم بعد ذلك تقديم المفعول (هذه) حين قال ربنا سبحانه وتعالى (قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) هذه مفعول به مقدم على الفاعل اسم الجلالة (الله) للإيحاء أن حالة التدمير في القرية بلغت حدًا غير معهود تجاوزت كل حد وأن تعجب الرجل منها ولّد عنده الشك في قدرة تعيد القرية إلى ما كانت عليه من الحياة. وهذا بيان عظيم وبلاغة في أسلوب التعبير القرآني.

ثم بعد ذلك الجمل القولية قال وقال وقال المفصولة عما قبلها كان داعي الفصل فيها هو لاستئناف البيان الذي مرّ ذكره في توضيح هذه الحلقة إلا الأخيرة قال ربنا (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ) لأنها هنا جواب (لمّا).

ثم جاء ختام الآية تأكيدًا في هذا الخبر أن الله على كل شيء قدير، هذا التأكيد (أنّ) (وأعلم) قبلها لإزالة الشك الذي كان في نفس ذلك الرجل قبل أن يبين الله له تلك الآيات المعلنة بطلاقة القدرة لله عز وجلّ.

 

هكذا يضرب الله الأمثال لولاية الله للمؤمنين وكيف ينقذهم من الأفكار الخاطئة والأفكار المشوشة وينقذهم من هواجس الشيطان وينقذهم من كل الظلمات حتى يؤوبوا إليه في يقين وفي إيمان حقًا الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل