تدبر مع القرآن - سورة البقرة، الآية 213-214 - د. محمد داوود

تدبر مع القرآن - سورة البقرة الآيات: 213-214

د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢١٣﴾ البقرة)

هذا البيان من الله سبحانه وتعالى جاء بعد آيات بيّنت هديَ الله وجزاء المؤمنين وجزاء المخالفين والعاقبة والمآل الذي ينتظر كل فريق.

بعد ذلك يبين الله عز وجلّ أن الناس كانوا أمة واحدة في الأصل في البداية لما نزل آدم وحواء ثم كانت الذرية والأسرة الكبيرة، كان هؤلاء هم الناس كانوا أمة واحدة من الهدي من الإيمان ثم بعد ذلك تنوعت الأفكار وتنوعت الاعتقادات لما زاد عدد البشر وظهر الاختلاف واضحًا بينهم فاقتضى ذلك هداة للناس (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) مبشّرين لأهل الإيمان ومنذرين لأهل العصيان وأنزل معهم الكتاب بالحق، أنزل معهم الميزان والمرجعية التي تميّز بين الحق والباطل بين الشر والخير بين الطاعة والمعصية، الميزان في ذلك والمرجعية في ذلك (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) هذا اختلاف مقصود، هذه إساءات مقصودة (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ومرجعية الكتاب (لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) في القرآن نجد بعث وأرسل: أرسل حين يراد جلال الرسالة وعظمة المرسِل وربّانية هذه الرسالة أما بعث فتأتي لإظهار أثر الرسالة من إحياء موات القلوب وإحياء الأخلاق الحميدة الإيمانية وإحياء الربانية في نفوس البشر وقلوب المؤمنين.

(فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ) وهذا من إيجاز القرآن الكريم، مبشرين لأهل الإيمان ومنذرين لأهل المعاصي والكفر (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ) المرجعية إذا ما اختلف البشر لهم مرجعية هي (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ). (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) هنالك مذاهب معاصرة تريد أن تقصر المرجعية على العقل في أمر الدين ليس في أمر الدنيا، لا يختلف أحد من المؤمنين ومن غير المؤمنين على مرجعية العقل في أمور الدنيا، في أمور المعمل، في أمور المشاهدة، في العلوم التجريبية لكن مرجعية العقل في أمر الدين فهذا شيء ينبغي أن يراجعوا أنفسهم فيه لأن الدين ليس اختراعًا بشريًا، العقل غير مهيأ لأمور الغيب لأن يحكم فيها ولذلك جاء الدين هاديا للعقل فالعقل حين يعتمد على نفسه استقلالا عن أيّ شيء آخر فقد حرم نفسه من خير مرشد، من إرشاد الله تعالى من هديه في الكتاب لذلك يقول الله عز وجلّ (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) إذا اختلفنا فمرجعيتنا إلى كتاب الله عز وجلّ والسُنّة مبينة للكتاب فهي تابعة للكتاب.

(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) البغي هو تجاوز الحدود وحين يستقل العقل بنفسه بعيدًا عن هدي الله فهذا لونٌ من البغي.

الأمر الثاني وهو أمر مهم فالله عز وجلّ يبيّن مسلك المؤمنين (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) وفي هذا لون من مدح المؤمنين في استجابتهم لله عز وجلّ ولهدي الله ولكتاب الله فلما استجابوا هداهم الله لِما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ثم يأتي استفهامان في الآية التالية يقول القرآن للذين عزلوا أنفسهم عن سبيل الهداية الربانية (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴿٢١٤﴾ البقرة) الاستفهام الأول (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) هذا الاستفهام في صورته هذه (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل) وجاءت للانتقال من حديث إلى حديث، والهمزة للإنكار أن يظن الناس أنهم سيدخلون الجنة بلا عمل وبلا جهاد وبلا صبر وبلا مجاهدة في سبيل الله، هذا هو حقيقة الاستفهام الأول.

الاستفهام الثاني هو استفهام له معنى مجازي (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) وغرضه الاستبطاء يستبطئون نصر الله عز وجلّ وله أسرار بيانية، مثلًا (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ) يبين أن المحن والشدائد التي مسّت هؤلاء فإن المقام يقتضي الصبر هنا (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) (وزلزلوا) فيها معنى أن قوة الامتحان وقوة الشدائد التي أصابتهم (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) إسناد القول للرسل، إسناد القول للأنبياء فيه إشارة إلى شدة هذه الفتن وشدة هذه الابتلاءات فإن كانت شديدة على خاصة الله من أنبيائه وأوليائه فما بالنا بعموم المؤمنين؟! في هذا بيان لشدّتها.

(أُلا ِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) ونزلت الآية لعلاج كثير ما حدث من كثير من المسلمين من فزع وعدم تحمل للشدائد، فبين الله لهم أن الثبات إنما هو سلوك المؤمن أمام كل شدة وأمام كل فتنة.

 

ثم تمضي الآيات في سؤال بعض المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) (يسألونك) بصيغة المضارع تفيد تكرار السؤال وتشي بالإلحاح بهذا السؤال (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) هذا السؤال له أكثر من مغزى ومقصد: ماذا ينفقون؟ القدر الذي ينفقون؟ وعلى من ينفقون؟ هو سؤال يرغبون فيه التعلم من هدي الله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فيبيّن لهم ربنا على لسان النبي (قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) تنكير (خير) هنا لشمول كل أنواع الخير لينفق كل إنسان مما آتاه الله من نعمة، العالِم ينفق علمًا والقوي ينفق مساعدة وحماية للآخر وصاحب المال ينفق مالًا، كلٌ ينفق مما آتاه الله سبحانه وتعالى لذلك نكّر الله كلمة (خير). وقدّم حق الوالدين لفضلهما ولعلو منزلتهما (فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) صلة الرحم (وَالْيَتَامَى) لعِوَزهم وشدة حاجتهم فمجتمع المؤمنين لا يضيع فيه يتيم أبدًا (وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) ينكّر (خير) أيضًا. (فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) معناها أن الله عز وجلّ عليم بكل صغيرة أو كبيرة من هذه النفقة ومن هذا الخير ومن وجوه البر ومعنى هذا أن الله سيثيبكم عليه وأنه لن يضيع خيرٌ عند الله عز وجلّ يطمئنهم أن ما تبذلوه فإن مردوده عند الله عز وجلّ يدّخره لكم في يوم القيامة ويرد عليكم شيئًا من الخير في الدنيا فيطمئنهم ويحفزهم للخير والنفقة بقوله (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل