دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة الرابعة

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة الرابعة:

تكلمت في اللقاء السابق عن تدبر (الرحمن الرحيم) وبيّنت أنواع الرحمة في القرآن الكريم وأظنني توقفت عند قول الله تبارك وتعالى (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)[يوسف: 53] لأن في تلك الآية الكريمة أعطانا الله علاجا من النفس الأمارة بالسوء بعد أن أخبرنا بها. فقول الله تبارك وتعال (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) هذا هو الإخبار ثم أتى الاستتثناء (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي). عندما يكون معنا أسلوب استثناء لا بد أن نبحث عن المستثنى منه لأن له دورًا رئيسا في المعنى يعطينا الدلالة المرادة من المعنى في تلك الآية الكريمة، فأين المستثنى منه؟ المستثنى منه يكون في الجملة التي قبل (إلا) يعني إن النفس لأمارة بالسوء، أين المستثنى منه؟ قالوا إن كلمة أمّارة صيغة مبالغة ولأنها صيغة مبالغة فهي تنصب مفعولًا يعني تعمل عمل فعلها، فهنا مفعول محذوف: إن النفس لأمّارة صاحبها بالسوء إلا ما رحم ربي. سيكون المستثنى منه هو كلمة (صاحبها). إذن المعنى والله أعلم: إن النفس لأمارة بالسوء صاحبها إلا صاحب النفس التي رحمها ربي. بمعنى أن صاحب النفس التي رحمها ربي والتي تنزلت عليها رحمة ربي هو مبرّأ من تلك النفس الأمارة بالسوء وهو من الناجين منها. إذن صاحب النفس التي رحمها ربي هو المستثنى من هذا الكلام. وهناك قول جميل وهو أن هناك توقيتًا مفهومًا من الجملة السابقة: إن النفس لأمارة بالسوء طول حياة صاحبها، طول حياة الإنسان وعلى مدى حياته في الدنيا نفسه أمارة بالسوء (إلا) المستثنى منه هو من هذا  التوقيت "إلا الوقت الذي تنزلت فيه رحمة ربي عليك" هناك أوقات نكون فيها في استغفار، في تأدية طاعة، في قرآءة قرآن، في استماع للقرآن، تكون في فعل خير، هذا الوقت تتنزل عليك فيه رحمة ربي، فطالما أنك في توقيت تتنزل فيه رحمة ربي فأنت بذلك منزّه عن كون نفسك تأمرك بالسوء. إذن هنا (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا) الوقت الذي تتنزل فيه رحمة ربي على الإنسان. أنت تتخير هذا الوقت لأنك إذا كنت في طائعة دائم واستغفار دائم وتسبيح دائم فأنت بعيد عن كون نفسك تأمرك بالسوء. وهنا يرد سؤال: هل النفس تأمر بالسوء أم أنها تزيّن السوء فقط للإنسان؟ حتى الشيطان، هل الشيطان يأمر بالفحشاء أم أنه يوسوس للإنسان فقط؟ لأن الله تبارك وتعالى قال (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) بالنصّ الصريح رب العباد قال (ويأمركم) وقال هاهنا بأسلوب المبالغة (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ).

الشيطان لا يأمر وإنما يوسوس والنفس لا تأمر وإنما تزيّن لكن أحيانًا يطلق الأمر ويراد به سرعة تنفيذ المأمور، من سرعة تنفيذ المأمور للكلام يسميه الله تبارك وتعالى (أمرًا) بمعنى طفلك الصغير عندما يطلب طلبًا أنت تسارع بالتنفيذ، مسارعتك بالتنفيذ تعدّ أمرًا ولذلك سماه الله أمرًا لسرعة تنفيذ الناس لوسوسة الشيطان ولتزيين النفس. لِمَ سمى الله وسوسة الشيطان أمرًا؟ وتزيين النفس سماه أمرًا؟ لسرعة تنفيذ الناس لوسوسة الشيطان ولتزيين النفس. إذن سرعة التنفيذ هي التي جعلته يسمى أمرًا مع أن الشيطان يوسوس فقط لكن سرعة تنفيذ الناس لتلك الوسوسة أصبحت أمرًا وكذلك النفس الأمارة بالسوء والله أعلم. إذن أنت مطالب أن تكون في المواطن التي تتنزل فيها رحمة الله حتى تنجو من النفس الأمارة بالسوء كما قال تعالى (إ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي).

(مالك يوم الدين)

بعد أن قال الله تعالى (الحمد لله رب العالمين) قال (مالك يوم الدين) قال أولًا: الحمد لله رب العالمين ثم الرحمن الرحيم ثم مالك يوم الدين، هذا الترتيب وكون (الرحمن الرحيم) تقع بين (رب العالمين) وبين (مالك يوم الدين) فيها دعوة للرحمة، دعوة لكل إنسان يتولى منصبًا أو يتولى أمرًا على بعض المسلمين عليه أن يتصف بالرحمة وعليه أن يكون رحيمًا بهم فالله تبارك وتعالى وهو رب العالمين ومالك يوم الدين إلا أنه رحمن رحيم بالعباد.

(مالك يوم الدين) ورد فيها قرآءتان صحيحتان متواترتان: (مالك) بإثبات الألف وورد فيها قرآءة أخرى (ملك يوم الدين) هل هناك فرق بين القرآءتين في المعنى؟ نعم، أكيد، هناك فرق في المعنى. ما الفرق بين مالك وملك؟ مالك بإثبات الألف من المِلك بكسر الميم وهو مِلك الأعيان المحسوسة وملك الأشياء المحسوسة، مالك من المِلك، أنت تملك السيارة وتملك الجوال وتملك كل شيء تملكه، هذا معنى مالك. أما ملِك يوم الدين فمعناها أنه يملك الأمر والنهي والتصرّف والتدبير فهي من المُلك بضم الميم، المُلك هو من يملك الأمر والنهي والتصرّف والتدبير. هاهنا في الآية الكريمة الله تبارك وتعالى أنزل القرآءتين للدلالة على معنى أنه هو تبارك وتعالى يملك يوم الدين بكل ما فيه وبكل من فيه وهو الذي يملك الأمر والنهي والتصرف والتدبير في هذا اليوم فأراد الله تبارك وتعالى أن يثبت أنه لا مِلك لأحد في هذا اليوم ولا مُلك لأحد في هذا اليوم لأنه كما نعلم أن للعباد ملوكاً وملًاكا في الدنيا يملكون أشياء كثيرة وهناك ملوك في الدنيا يملكون الأمر والنهي والتصرف والتدبير فعندما تكلم الله عن يوم الدين وهو يوم الحساب ويوم الجزاء واليوم الآخر أراد أن يثبت أنه في هذا اليوم لا مِلك لأحد ولا مُلك لأحد فهذا اليوم كل أمر فيه إنما هو لله وحده تبارك وتعالى كما قال في آية أخرى (لمن الملك اليوم) سأل الله هذا السؤال فلما لم يجب أحد أخبر الله تبارك وتعالى وقال (لله الواحد القهار) الملك اليوم لله الواحد القهار. إذن الله تبارك وتعالى أراد أن يثبت أنه لا مِلك لأحد في هذا اليوم ولا مُلك لأحد في هذا اليوم ولذلك من إعجاز القرآءات التي لا بد أن تتعلموها بإذن الله وسنحاول أن نبين لكم الكثير من ذلك أن كلمة (ملك الناس) لم ترد فيها القرآءتان، ملك من المُلك، لم يقرأ أحد من القرآء (مالك يوم الناس) لأن معنى مالك الناس موجود في (رب الناس) رب الناس يعني مالك الناس، إذن لا حاجة للقرآءة الأخرى هنا. وأيضًا في قول الله تبارك وتعالى (قل اللهم مالك الملك) لم ترد قرآءة أخرى في قول الله (مالك الملك) لم ترد قرآءة: ملك الملك لأن مالك التي بمعنى المِلك مضافة إلى الملك يعني معنى المُلك موجود فلا نحتاج هاهنا إلا لمعنى المِلك فجاءت قرآءة (مالك) فقط ولم ترد القرآءة الأخرى.

إذن الله تبارك وتعالى وهو يتحدث عن يوم الدين ويوم الحساب ويوم الجزاء وهو اليوم الآخر ليطمئن العباد أتى بالقرآءتين ليثبت أنه وحده صاحب المِلك في اليوم الآخر وهو وحده صاحب المُلك أيضًا في اليوم الآخر. ومن الأمور الدقيقة أن مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه "الكشف عن وجوه القرآءات السبع وعللها وحججها" يذكر قوله أن كلمة (مالك) هاهنا لا تدل على سيّد أبدًا، لا تقولوا إن مالك يوم الدين بمعنى سيّد، فتحيّر البعض وكانت قد وردت أسئلة كثيرة لي عن هذا لماذا لا تكون مالك بمعنى سيّد هنا؟ لا يمكن أن تكون مالك بمعنى سيّد هنا لأن كلمة سيّد تعني السيادة على البشر، على الناس فقط ولا تعني السيادة على الأعيان المحسوسة الأخرى فلو قلنا إن مالك بمعنى سيّد لدلّت مالك التي بمعنى سيد على أنه مالك الناس وسيدهم فقط وأما الأمور المحسوسة في هذا اليوم قد تكون ملكًا لأحد آخر وحاشاه لله أن يكون الأمر كذلك! لا تصلح أن تكون مالك بمعنى سيد لأن السيادة تكون للبشر فقط أما مالك يوم الدين أراد الله تبارك وتعالى بها أنه يملك يوم الدين مِلكًا في كل شيء، في كل أمر هو مِلك لله تبارك وتعالى حتى يطمئن العباد وحتى يعلموا أن ربهم يعدل بينهم في هذا اليوم.

ولا بد أن نعلم أن كل كلمة في القرآن الكريم لها دلالة ينبغي أن يعرفها أهل القرآن على الأقل. أهل القرآن هجروا التدبر للأسف وهو غاية وينبغي أن لا يتخذوا القرآن مهجورًا، حتى في قول الله تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ﴿٣٠﴾ الفرقان) ما معنى تلك الآية؟ هل المعنى إن قومي هجروا القرآن؟

قاعدة في التدبر: الفعل (اتخذوا) أو (اتخذ) فعل الاتخاذ عمومًا إذا قرأناه في آية نعلم أن معنى الاتخاذ أنهم بذلوا كل الجهد في سبيل هذا الاتخاذ، كما قسّم العلماء وقالوا هجروا حفظه وهجروا تلاوته وهجروا تدبره وهجروا العمل به لأنهم (اتخذوا) بذلوا كل جهد في سبيل هجر القرآن، بذلوا كل ما في استطاعتهم في سبيل هجر القرآن، هذا معنى الاتخاذ، وأيّ اتخذوا تقابلنا في القرآن اعلم أنهم بذلوا كل الجهد في سبيل هذا الاتخاذ. إذن هذا معنى اتخذوا عندما تقابلنا في كلام الله نعلم أن المتخذ هذا الاتخاذ بذل كل الجهد في سبيل هذا الاتخاذ.

هذا أمر يجرني إلى أن أضيف لكم معلومة لتعلموا أن كل كلمة في القرآن لها دلالة. أحد الإخوة سألني سؤالًا: في قول الله تبارك وتعالى في سورة يوسف (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٨٣﴾) يقول (عسى الله أن يأتي بهم) أليست كافية؟ لماذا كلمة (جميعا)؟ ألا يكفي ضمير الجمع في قوله (بهم)؟ بعض الناس للأسف يفهم أن كلمة جميعا وأجمعون تكون توكيدًا ومنه قول الله تعالى (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٧٣﴾ ص) يقولون (أجمعون) توكيد لكلمة (كلهم). سنتدبر كلمة (جميعا) حتى عندما تقرأون أي آية فيها جميع وأجمعون اعلموا أن فيها معنى وليست لمجرد التوكيد. (كلهم) كلمة (كل) تفيد الإحاطة والشمول، فلماذا وردت كلمة أجمعون؟ هل تفيد الإحاطة والشمول أيضًا؟ كلا، كلمة جميع وكلمة أجمع في الأصل مأخوذة من الاجتماع الذي هو ضدّ التفرق ولذلك قال الله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ضد الجميع: التفرق، وقال تعالى في سورة النور (أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا) الأشتات الذي هو الشتات أي التفرق، الجميع من الاجتماع. إذن (جميع) فيها معنى الإحاطة والشمول وفيها معنى مجتمعين في لحظة واحدة فقوله تعالى (عسى الله أن يأتيني بهم) وحدها من غير (جميعا) تعطي دلالات، يمكن أن يأتيه اللهم بهم متفرقين: واحد يأتي اليوم وواحد يأتي الأسبوع الذي بعده، كلمة جميعا يعني يأتيني بهم جميعًا في لحظة واحدة. (فسجد الملائكة كلهم) كلهم أعطت معنى الإحاطة والشمول وكلمة (أجمعون) أفادت أنهم سجدوا مجتمعين في لحظة واحدة، لم يسجد واحد منهم الآن وآخر في وقت لاحق، لا. جاءت (أجمعون) أفادت أنهم سجدوا كلهم مجتمعين في لحظة واحدة. وفي آية أخرى (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) ما فائدة جميعا؟ (لآمن من في الأرض كلهم) تفيد إيمان الكل إيمان إحاطة وشمول لكنها ما نفيد اجتماعهم في لحظة واحدة، انظروا إلى قدرة الله لو شاء ربك لآمن الجميع في لحظة واحدة مجتمعين في إيمانهم، ليست المسألة إيمانهم كلهم فقط وإنما يؤمنوا كلهم مجتمعين.

بعد أن انتهى رب العباد من ذكر هذه الصفات التي ذكرها في سورة الفاتحة قال (إياك نعبد) على العبد الذي أقر بأن الحمد لله لأنه ربي العالمين وهو رحمن وهو رحيم وهو مالك يوم الدين ما على العبد الذي أقر بهذا إلا أن يتوجه بالعبودية لله تبارك وتعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) إياك نعبد من ناحية الصنعة النحوية كان أصلها: نعبدك (نعبد فعل مضارع والفاعل ضمير مستر تقديره نحن والكاف ضمير مبني في محل نصب مفعول به) لكن نعبدك لا تفيد الاختصتص ولا تفيد الحصر والقصر لا تفيد أننا يا رب نعبدك وحدك ولا نعبد غيرك لأنه يجوز أن نعطف عليها: نعبدك وغيرك حاشا لله فأراد ربنا أن يأتي بالأسلوب الذي يعطي معنى الحصر والقصر أي أن عبادتي يا رب محصورة عليك ولا أعبد غيرك فحوّل الضمير المتصل (الكاف) إلى ضمير منفصل وقدّمه (إياك) حتى مفعول به مقدّم (إياك نعبد) هكذا أصبح هذا التقديم مفيدا للحصر القصر وأصبح مفيدا أننا نتوجه لرب العباد بتلك العبادة حصرا له فقط لا نعبد غيره، هذا معنى إياك نعبد والتقديم لذي فيها.

(إياك نعبد) الفعل ابتدأه الله بالنون الدالة على الجماعة والمتكلم مفرد، في اللغة عندما يتكلم المفرد بأسلوب الجمع فإننا نقول هو للتعظيم يعظّم المتكلم نفسه، هل يليق بالمؤمن الخاضع المنقاد لأمر الله أن يعظم نفسه أمام الله تبارك وتعالى؟ لا ينبغي. ماذا أفادت تلك النون؟ هذه النون أفادت أمرين: الأمر الأول الإقرار من العبد أني يا رب لست وحدي الذي أعبدك وإنما هناك عباد لك كثيرون يعبدونك وأنا واحد منهم. علّمك الله تبارك وتعالى أن تتكلم بأسلوب الجماعة لكي تقول يا رب أنا لست وحدي الذي أعبدك، العباد كثيرون وأنا فرد منهم. وفي نفس الوقت الأمر الآخر تعالجك أن تغترّ بالطاعة عندما يخبرك الله أنك لست وحدك الذي تعبد ربك، هناك عباد كثر والنفس يتطرق إليها الكثير من أمور الغرور والاغترار حتى بعض الناس عندما يفتح الله لها باب الرحمة وتصلي ركعتين بخشوع أو استيقظ ليلا أو استيقظ للفجر وصلّى يظنّ أنه تملّك مفاتيح الجنة وأن كل الناس في النار إلا هو، لا ينبغي أن تظن هذا الظن أنت عليك أن تعبد ربك وأن تطلب من الله أن يتقبل حتى تعالج نفسك من الغرور ولذلك بعض العلماء يسميها نون التواضع وليست نون العظمة، النون في عرف البشر للعظمة لكنها هاهنا إنما هي للتواضع حتى لا يغتر الإنسان وحتى لا يقع الإنسان في هذا الغرور (إياك نعبد)

(وإياك نستعين) فيها نفس الكلام، التقديم إياك على نستعين لإفادة الحصر أنك لا تستعين إلا بالله. لماذا قدّم إياك نعبد على (وإياك نستعين) لأنك لن تكون مستعينا بالله إلا بعد أن تكون عبدا له فإذا كنت عبدا له فالعبادة هي التي ستعطيك هذا العون. إذن أنت لا تستعين إلا بالله في كل أمورك.

سؤال: إذا كان الله قد استخدم هاهنا أسلوب الحصر والقصر (وإياك نستعين) يعني لا نستعين إلا بك يا الله، في الواقع أن الناس يستعين بعضهم ببعض في الغالب الأعم من الأمور بل إن الله أمرنا وقال (وتعاوونوا على البر والتقوى) فكيف نوفق بين حصر الاستعانة على الله فقط وبين ما أمرنا الله به وما هو في الواقع؟ أقول والله أعلم التوفيق بين هذين الأمرين أن كل عمل في تلك الدنيا يتطلب الأخذ بالأسباب وكل أخذ بالأسباب يحتاج أو يؤتي بثمرة ونتيجة، لا بد له من ثمرة ونتيجة. أريد أن أذهب إلى مكة لا بد أن آخذ بالأسباب وآتي بسائق وسيارة ليحملني إلى مكة، غايتي من الأخذ بالأسباب أن أصل إلى مكة سالمًا بإذن الله، نحن نستعين ببعضنا البعض في الأخذ بالأسباب ولا نستعين إلا بالله في الحصول على ثمرة ونتيجة الأخذ بالأسباب، من الذي يملك النتيجة ويملك الثمرة؟ الله تبارك وتعالى لكن لا بد من الأخذ بالأسباب. تعلمنا أسلوب حل الموضوع الظاهر أن هناك تناقض: كل عمل لا بد فيه من الأخذ بالأسباب وكل سبب لا بد له من ثمرة ونتيجة، إذا كان الأمر كذلك فإنما نستعين ببعضنا البعض في الأخذ بالأسباب ولا نستعين إلا بالله في الحصول على الثمرة والنتيجة وهذا معنى (إياك نعبد وإياك نستعين).

بعد ذلك قول الله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم) اِهدنا، اهدِ فعل أمر، هل يليق بالإنسان أن يأمر الله؟! فعل الأمر له معان ودلالات إذا كان من الخلق مع الخالق فيكون دعاءً، أيّ أمر من الخلق إلى الخالق يسمى دعاء، وبين المخلوقين من الأدنى إلى الأعلى، الأدنى عندما يأمر الأعلى فإنه يكون رجاء، الولد عندما يأمر أباه فإنه يكون رجاء، من المساوي، بين المتساويين التماس، ومن الأعلى إلى الأدنى فهو أمر. (اهدنا) دعاء إلى الله تبارك وتعالى أن يهدينا الصراط المستقيم. (اهدنا) (نا) هي في الأصل للإثنين وهنا مستعملة للجمع والمتكلم مفرد أيضًا، ربنا يعلمنا الأدب يقول عندما تطلب مني اطلب مني لك ولإخوانك فالهداية تحتاج إلى جماعة فقل يا رب اهدنا جميعا. يعلمنا الله عند الدعاء بالهداية أننا ندعو لأنفسنا وندعو لكل مسلم.

الهداية لها معانٍ: هناك هداية بمعنى التوفيق وهناك هداية بمعنى الدلالة والإرشاد. أنا هديت فلانا إلى بين فلان يعني دللته عليه وأرشدته، هداية الدلالة والإرشاد يملكها كل مسلم، أنك تدل وترشد إلى الله تبارك وتعالى كما أثتها الله لنبيه وقال (إنك لتهدي إلى صراط مستقيم). علامة الهداية التي بمعنى الدلالة والإرشاد أنها تتعدى بحرف (إلى) (وإنك لتهتدي إلى صراط). الهداية التي بمعنى التوفيق لا يملكها إلا الله تبارك وتعالى وتتعدى باللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا) وفقنا لهذا، هذا الفرق بين الهدايتين: هداية دلالة وإرشاد وهداية توفيق.

هنا في قول الله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم) لم يأتي الله بحرف الجر إلى ولا بحرف الجر اللام ليعلمنا أن نطلب كل أنواع الهداية كأنك قلت يا اهدنا إلى الصراط وللصراط، وفقنا وأرشدنا إلى الصراط، اطلبوا كل أنواع الهداية (اهدنا الصراط المستقيم).

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل