تدبر مع القرآن - آية الكرسي - د. محمد داوود

تدبر مع القرآن

د. محمد داوود

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴿٢٥٥﴾ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٥٦﴾ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥٧﴾)

انتهت بنا الآيات عند قول الله تعالى (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) آية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم. (اللَّهُ) تبدأ الآية بلفظ الجلالة (اللَّهُ) اسم علم على ذات الحق سبحانه. (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) نفي الشريك لله سبحانه وتعالى ثم إثبات الحياة والقيومية والقدرة لله (الحي القيوم) الذي يقوم بتدبير شؤون خلقه (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) السِنة مقدّمات النوم مع بقاء الشعور بالحياة (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) وانظر إلى التدرج في المعنى بدأ بالسنة التي هي مقدمة النوم السنة ثم جاء بالأكثر من السِنة وهو النوم. (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) هو مالك ما في السموات وما في الأرض وتكرار (ما) لدلالة التفاصيل الموجودة من تنوع الخلائق وتعدد الخلائق التي في السموات وما في الأرض لتعدد الخلائق التي في الأرض وتكرار (ما) قبل في السموات وفي الأرض (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) لبيان أن الذي في السماء من مخلوقات يختلف عن الذي في الأرض من مخلوقات. ثم يأتي ذلك الاستفهام (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) بعد نفي الشريك وبيان أن الله عز وجلّ هو القائم بشؤون خلقه ومنزّه عن السِنة والنوم وأنه مالك ما في السموات وما في الأرض بيّن أنه لا ينازعه أحد ولا شفيع إلا بإذنه فهذا الاستفهام غرضه النفي الصريح التام (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) لا أحد. (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) حاضرهم (وَمَا خَلْفَهُمْ) ماضيهم (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) إحاطة علمه سبحانه وتعالى مع طلاقة قدرته سبحانه وتعالى أنهم لا يحيطون لا يكتشفون شيئا ولا يعلمون صغيرة ولا كبيرة إلا بما شاء في الوقت الذي يريده ربنا سبحانه وتعالى فكل شيء بقدره وكل شيء بعلمه هو الخلاق العليم وهو العليم الحكيم جلّ جلاله. (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) نحن نسلّم لله بما جاء عنه في القرآن وبما أخبر الله عنه دون تشبيه ودون تمثيل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]. (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) هذه المخلوقات والسموات وما فيها والأرض وما فيها لا يثقله حفظهما فالله سبحانه وتعالى عظيم القدرة له طلاقة القدرة (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) سبحانه. كل هذه الأخبار جاءت عن لفظ الجلالة (الله) سبحانه وتعالى.

ثم يبين ربنا سبحانه وتعالى هذه القاعدة في الإيمان وأن الإكراه على الإيمان لا يصنع المجتمع المؤمن وأن الإكراه على العقائد لا يصنع المجتمع الفاضل المؤمن فقال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) العقائد والإيمان لا تقوم على الإكراه وإنما يكون بالإقناع. (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) بيّن الله سبحانه وتعالى بكتبه التي أنزلها وبيّن برسوله صلى الله عليه وسلم الصواب من الخطأ، بيّن سبحانه وتعالى الحق من الباطل، الشر من الخير، ميّز وبيّن والإنسان خلقه الله كائنا حرًا مختارًا وما دمت حرًا فأنت مسؤول عن اختيارك والله سبحانه وتعالى يقول (فَمَنْ يَكْفُرْ) تحديد المسؤولية (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) والعروة هي الموضع الذي يُشد منه في أي شيء، في كوب في إناء في ثوب ما يُتعلق به، العروة الوثقى التي يعتصم بها ويستمسك بها أي قوية متينة (لَا انْفِصَامَ لَهَا) لا انفكاك ولا انقطاع لها (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

ثم يبين الله سبحانه وتعالى أن من آمن واهتدى واستمسك بالعروة الوثقى جزاؤه (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) وفي مقابل المؤمنين يبين الله في هذه المقابلة وبالضد تتضح الحقائق (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) بعد أن بيّن أن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور الولاية من الله للمؤمنين هذه ثمرتها (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) في مقابل الذين كفروا (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) زالعياذ بالله! ينبغي على العاقل أن يختار أمام هذه المقابلة التي بها يتضح الحق من الباطل والخير من الشر. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وبهذا يتضح لنا أن الإيمان بالله عز وجلّ يبينه ربنا سبحانه وتعالى أن الله عز وجلّ بصفات جلاله وكماله وبأسمائه الحسنى وبطلاقة قدرته بأنه حكيم بأنه قادر هو المستحق أن يُعبًد وأن يُحمد وأن يُشكر ولا يُكفر وأن يُذكر فلا يُنسى هو مستحق للألوهية ويبين ربنا هذه الصفات التي بينها يستحق بها هذا الحق: العبادة حق للخالق على المخلوق، حق مستحق.

ثم يبين ربنا أن الإيمان لا يكون بالإكراه، الإسلام هو الذي بيّ، ذلك وحدد ذلك (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) بيّن الله سبحانه وتعالى في القرآن وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم الحق من الباطل (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) والطاغوت كل ما يُعبد من دون الله تعالى: صنم، حجر، حيوان، شمس، قمر، هو كل ما يُعبد من دون الله تبارك وتعالى. (وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) فيه إشارة بهذا التمثيل إلى سعادة المقصد وإلى نجاح هذا الاختيار وإلى البعد عن الضلال. (لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

ثم يبين الله عز وجلّ في مقابلة جزاء الفريقين: جزاء المؤمنين فيبشّرهم بولاية الله لهم وأنه ينقذهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه وبهديه وبفضله يقول تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ) بالمضارع، الإخراج لا يكون مرة ولا مرتين ولكنه دائم متكرر والمؤمن يكون موصولًا دوام حياته بالله عز وجلّ. وعملية الإنقاذ والتأييد إنما هي عملية مستمرة لذلك عبر عنها القرآن بقوله (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) في مقابل أهل الكفار يقول الله في شأنهم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) هذه الآلهة المزيفة التي لا تستطيع شيئا ولا تقدر على شيء (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) نور الهداية والرحمة إلى الظلمات.

أفرد الله عز وجلّ النور وجمع الظلمات لأن النور مصدره واحد (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[النور: 35] نورهما بالنور الحسي الشمس والقمر والنجوم هو الخالق لها، ونوّرهما بالنور المعنوي فالله هو الذي أرسل الرسل وبعث الأنبياء وهو الذي أنزل الكتب. النور مصدره واحد (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والتنوير الحقيقي هو الذي يعود إلى هدي الله عز وجلّ نور الله عز وجلّ. ثم جمع الله الظلمات في مقابل إفراد النور لأن الظلمات متعددة الباطل متعدد له ألف وجه. والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى نور الله عز وجلّ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الإلهي الرباني إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ليحذر المؤمن.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل