في رحاب سورة - مقدمة وتعريف بالبرنامج - د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة - د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1436 هـ- تقديم الإعلامي محمد خلف

الحلقة 1 – مقدمة وتعريف بالبرنامج

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين. أيها الإخوة والأخوات نحييكم في هذه الحلقة الجديدة وهي الحلقة الأولى من برنامجكم "في رحاب سورة", هذا البرنامج الذي نُحلِّق وإياكم من خلاله في رحاب سور كتاب الله –جلَّ وعلا- نتحدث في رحاب سور القرآن الكريم, نتحدث في بيانها, في بلاغتها, في فصاحتها, ولا شك أن كلنا يعلم بأن هذا القرآن هو مُعجزٌ في لفظه. هذا القرآن له خصوصية من الناحية اللغوية, سوف نُركِّز الحديث عن الناحية اللغوية بالإضافة إلى نواحي أخرى -سوف ترون إن شاء الله الحديث- سيُجلِّيها بشكلها الواضح. هذه الحلقة الأولى سوف تكون حلقة مقدمة لما سوف يأتي من حلقات إن شاء الله, وسوف يكون ضيفنا وأستاذنا في هذا البرنامج وسوف نتعلَّم منه الكثير -إن شاء الله- من خلال هذه الجولة القرآنية الإيمانية في هذا البرنامج وهو الأستاذ الدكتور: محمد صافي المستغانمي.

المقدم: حياك الله يا دكتور.

د. المستغانمي: حياكم الله وبياكم، جزاكم الله خير.

المقدم: إذن هذه هي الحلقة الأولى بإذن الله، ونتحدث في رحاب السور القرآنية, ولا شك حينما نقول: «السور القرآنية» سوف يتبادر لأذهاننا -لذهني ولأذهان المشاهدين كذلك- لماذا الحديث عن السور القرآنية؟! لماذا لم يكن الحديث كسائر البرامج الأخرى عن القرآن بجملته؟! عن آي القرآن؟! عن الإعجاز البياني والبلاغي في القرآن؟! لماذا اخترت هذا العنوان لكي يكون مُنطلَقاً في هذا البرنامج " في رحاب سورة"؟!.

د. المستغانمي: بسم الله الرحمن الرحيم, والصلاة على سيدنا محمد، كما تفضلت القرآن الكريم يتكون من مائة وأربعة عشر سورة؛ ثمة برامج كثيرة تتحدث عن القرآن الكريم بشكلٍ عام، عن الإعجاز العلمي؛ عن الإعجاز البياني؛ عن الإعجاز التاريخي والغيبي, وثمة برامج كالتي سلفت في تلفزيونكم الموقر حول المقارنة بين الآيات المتشابهات إلى غير ذلك. في الحقيقة ما نريد تقديمه للمشاهد الكريم -كما تفضلت- نعيش في رحاب السور القرآنية, الله -سبحانه وتعالى- قسَّم القرآن الكريم إلى سور؛ وكل سورة قرآنية لها ما يميزها عن غيرها, لها شخصيتها؛ لها قالبها اللفظي, لها إيقاعها الصوتي, لها محورها الذي تدور عليه.

المقدم: السورة كاملة  في مجملها, وأحيانًا هناك بعض السور الطويلة لها قالب واحد؟!

د. المستغانمي: حتى ولو كانت طويلة لها حبل يربطها, يربط مواضيعها المختلفة, نحن نرى المواضيع مختلفة لكن المحور العام لا بد أن يكون, وإلا لماذا قسَّم الله -جلَّ ثناؤه- القرآن إلى سور؟! قسَّمه إلى سور والسور إلى آيات, وكما سوف نعرف من فوائد التسوير -أي أن نجعلها سورة- أن يَسْهُل على القارئ وعلى المتدبر والتالي والمصلي.

حديثنا حول السورة لأن السورة جزءٌ لا يتجزأ؛ والله -سبحانه وتعالى- عندما أنزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم هذا الكمّ من السور-(114) سورة- كل سورة تنطق بشخصيتها, تنطق بمحورها العام, وهذا ما يُسمِّيه العلماء في التفسير "الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية", وإن كانت ثمة قديماً من المفسرين من يرى أن السور القرآنية فيها مواضيع تتعدد؛ وهذا الذي جرى عليه الأمر إلى أن جاء شأن التفسير الموضوعي في العصر الحديث وبلور القضية؛ وبلور القضية على يد الشيخ محمد عبده, على يد الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر, على يد محمد عبدالله درّاز, إلى أن جاء أحد أكبر المفسرين المعاصرين وهو الشيخ محمد الطاهر بن عاشور التونسي في " التحرير والتنوير" وبدأ يتحدث بمقدمات السور عن شخصية السورة أو عن موضوعها العام.

إذن لا بد لكل سورة من محور، والقارئ الكريم والمشاهد الكريم عندما يعرف المحور يَسْهُل عليه الربط بين الموضوعات المختلفة.

المقدم: هو ليس من باب المقارنة يا دكتور, ولكن القرآن نزل على أمة العرب, وكانت صنعتهم اللغة والبلاغة والشعر؛ كان مضمارهم في الحقيقة، حينما أقول ليس من باب المقارنة, لكن حينما ننظر إلى السورة القرآنية, وننظر إلى القصيدة الشعرية نجد كذلك أن العرب في السابق كانت القصيدة الشعرية لديها وحدة موضوعية, وإنْ اختلفت في موضوعاتها ربما بدأت بغزل ثم انتقلت إلى فخر ومن ثَمَّ إلى حماسة وغير ذلك, هل هنا المقارنة حاصلة؟.

د. المستغانمي: مع الفارق, ولله المثل الأعلى، وللقرآن المثل الأعلى عن الشعر, ولكن القصيدة العربية قديمًا في الجاهلية يُقال: كانت تعتمد على وحدة البيت, ثم اعتمدت على وحدة الموضوع, وإن كان يربط بين أجزائها كما تفضلت شيءٌ من الأطلال فالغزل فالرحلة إلى الممدوح والمديح إلى غير ذلك, لكن السورة القرآنية لها غرض خاص.

هو في الحقيقة بالأمثلة سيتّضح المقال, أعطيك مثالًا قبل أن نبدأ؛ عندما نتحدث عن سورة مريم, المشاهد الكريم والقارئ الكريم بحاجة إلى أن يعرف الخط العام لسورة مريم, عندما يعرفه يقرأ كل مقطع منها فيربط الأفكار؛ لا يضيع حبل التفكير, أنا أقول لك لماذا. مثلاً في سورة مريم سورة ظهر فيها شيء من القصص, إبراهيم الخليل تحدَّث مع والده, "يا أبتِ" وقبل ذلك يحي وزكريا, أعطيتك فقط إبراهيم؛ المقطع الذي روته سورة مريم من قصة إبراهيم ما هو؟ حديثه مع والده:{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا}[مريم:42]، {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا}[مريم:43],{يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ }[مريم:44], هذا المقطع من قصة إبراهيم والحوار الجميل بين إبراهيم وعمه أو أبيه آزر - بعض المفسرين يقولون هو عمُّه- هذا المقطع بين إبراهيم وأبيه لماذا أورده الله -جلَّ ثناؤه- في مريم بالذات ولم يَرِدْ في السور الأخرى على الرغم من أن قصة إبراهيم كما تعرف تكررت في مواضع؟.

المقدم: وهناك سورة باسم "إبراهيم" كذلك.

د. المستغانمي:وتكرر في سورة الأنعام، وفي الأنبياء وفي سورة الصافات إلى غير ذلك، هنا بالذات لأن سورة مريم خطها العام إبراز الرحمة, {كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا }[مريم:1-2], من البداية والتاء مفتوحة كما ترى:

- تحدث الله عن رحمة الله بعبده زكريا, وكيف وهبه يحيى.

- تحدث الله عن رحمته بمريم وكيف وهبها عيسى.

تحدث الله عن رحمته بإبراهيم الخليل وكيف حاور أباه في أعلى درجات الاحترام؛ "يا أبتِ""يا أبتِ"،لم يفقد إبراهيم خلقه العظيم حتى ولو أن أباه كان غير مسلم, هذا المقطع الذي يُظهر لنا الأبوة والبنوة في أسمى معانيها أين اختاره الله؟! في سورة الرحمة.

المقدم: إذن الخط العام لهذه السورة هي الرحمة.

د. المستغانمي: كما سوف نرى في قصة مريم.

المقدم: وهناك قصة مريم وقصص الأنبياء الآخرين الذين ذكرهم الله وكلها الذي يربطهم رابط الرحمة, إذن حول هذا سوف نتحدث في هذا البرنامج.

د. المستغانمي: بإذن الله سوف نرسم -أنا وإياك أدوات فقط - نحن وسائل لتوصيل الفكرة, في الحقيقة المفسرون العظماء الذين تحدثوا الإمام الطبري والإمام ابن كثير والإمام الزمخشري والإمام الرازي, كلهم أبلوا بلاءً حسناً ووضّحوا لنا لغة القرآن, لكن التفسير المعاصر الذي هو التفسير الموضوعي, هم كانوا ينظرون في اللفظة القرآنية برؤية مجهرية.

المقدم: بعيدًا عما يجاورها.

د. المستغانمي: بارك الله فيك، أما الآن التفسير الموضوعي يعطينا السورة كاملة نحن ننظر السورة الكبرى.

المقدم: كأننا ننظر من بعيد كلوحة فسيفسائية فيها تنوع ولكن يربطها موضوع عام.

د. المستغانمي: ذلك الموضوع عندما يعرفه القارئ الكريم يسهل عليه التعرف على السورة؛ على شخصيتها على ملامحها؛ على إيقاعها؛ ويصبح بينه وبينها تواصل.

المقدم: بما أن هذه الحلقة يا دكتور هي حلقة استهلالية وحلقة نتقدم فيها للمشاهد الكريم حول ما الذي سوف يحتويه البرنامج في حلقاته القادمة إن شاء الله, فهذا كان مثالًا جميلًا، لكن هل سيحتوي البرنامج على إظهار بعض الأسرار في بعض السور سواء كانت بيانية أو بلاغية أو حتى علمية؟.

د. المستغانمي: نعم، بالطبع، القرآن لا يخلو من إعجاز بلاغي وإعجاز علمي, في علم الفلك، في علم الأجنّة، في علم الأنسجة, من إعجاز غيبي، من إعجاز تاريخي، من إعجاز فقهي, فلا بد أن نتطرق إلى بعض الأسرار حتى يطلع المشاهد الكريم.

المقدم: هل سبقنا إلى هذا الموضوع السابقون. أم أن هذا الأمر جديد؟.

د. المستغانمي: بإذن الله حسب اطلاعي وتتبعي لكثيرٍ من القنوات وللكتب أيضًا لم يُتطرق إلى هذا الموضوع بالطريقة التي نطرحها, لا لشيء نحن استفدنا من تجارب السابقين؛ لكن كل البرامج السابقة يكون في رحاب القرآن، في ظلال القرآن, من نسمات القرآن, جميل جدًا يشرحون آيات, أما نحن نريد أن نُعرِّف المشاهد المفروض لمّا نقول سورة الرحمن، ما هي سورة الرحمن؟ خطّها العام, إيقاعها، صفاتها, شخصيتها، سورة الكهف، سورة الإسراء, وبالتالي بإذن الله نزعم أننا سوف نقدم شيئاً .

المقدم: جديداً بإذن الله، من الناحية العلمية هذا العلم هل تناولَه الأولون, يعني: العلماء هل تحدّثوا في هذه المسألة سابقًا أم أن هذا الأمر جديد؟.

د. المستغانمي: جميل، الحقيقة كما قلت لك المفسرون السابقون كانوا يركّزون على التفسير الموضعي التحليلي؛ لكن ابتداء من الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب", مرورًا بالإمام البقاعي في "نظم الدرر في تناسق الآيات والسور", بدأت البذور الأولى لهذا العلم، إلى أن جاء رجل عظيم من الأندلس يوم كانت الأندلس أندلسًا؛ وهو ابن الزبير الغرناطي, حيث كتب كتابًا هو فيه جزء من هذا العلم الذي هو" البرهان في تناسب سور القرآن", كتيب مطبوع لعلنا في المرة القادمة نأتي به حتى نُظهِره للمشاهد الكريم, تناول العلاقات التي تربط بين السور القرآنية, ما العلاقة التي تربط بين سورة البقرة وآل عمران؟! وما العلاقة بين البقرة والفاتحة قبلها؟! وما العلاقة التي تربط بين سورة الإسراء والكهف بعدها؟! .

التناسق بين السور أول من تفطّن إليه وكتب فيه كتابًا مستقلًا هو ابن الزبير الغرناطي, صاحب "ملاك التأويل" في علم المتشابه اللفظي؛ الذي كان كثيرًا ما يذكره أستاذنا الدكتور فاضل -حفظه الله- في برنامجه, ثم جاء العصر الحديث وبدأت الدراسات العلمية. وقبل الدراسات العلمية التفاسير المعاصرة، نجد تفسير الشيخ محمد عبده تفسير عظيم؛ وهو سلفي معتدل، "تفسير المنار" وكتبه تلميذه رشيد رضا, المفسر الأزهري العظيم محمود شلتوت, مصطفى المراغي, " التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور, هؤلاء كلهم أصبحوا يقدّمون للسور, لكن ثمة إضافات جادت بها قرائح العلماء المعاصرين.

المقدم: قبل الحديث حول مفردات هذا البرنامج، نحن الآن نتحدث عن الوحدة التكوينية -إذا صحّ التعبير- لكتاب الله سبحانه وتعالى التي هي السورة القرآنية، لكن حينما نتحدث عن مجمل القرآن, لماذا يجب علينا أن نهتم بدراسة القرآن؟

لماذا يجب علينا أن نعنى بالقرآن وأن نعطيه هذا الاهتمام الكبير؟ ونحن طبعًا لمّا ننتهي بعد من شهر رمضان المبارك؛ أيام قليلة والناس كانوا مرتبطين ارتباطاً وثيقاً وإن شاء الله لا يزالون مرتبطين بكتاب الله سبحانه وتعالى, فلماذا يجب علينا أن نهتم بدراسة كتاب الله سبحانه وتعالى؟.

د. المستغانمي: بارك الله فيك؛ سؤال جميل وعام ووجيه. في الحقيقة القرآن الكريم كما تعرف هو الحبل الممدود من الله إلى الأرض, الحبل الممدود من السماء إلى الأرض؛ ولست أنا صاحب التشبيه, التشبيه هو {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}[آل عمران:103], وحبل الله هو القرآن والإسلام، فهو الحبل الممدود, نحن الآن في دنيا تتقاذفنا أمواج العلوم، أمواج التكنولوجيا, أمواج المفرزات العلمية المختلفة, وملهيات العصر ومغريات العصر كما تعرف، ألسنا بحاجة إلى نظام نمشي عليه؛ إلى منهج حياة في التربية؛ في الأخلاق؛ في الأحكام؛ في المعاملات؟ نحن بحاجة إلى دراسة هذا الكتاب لأن الذي خلق الكون الذي نعيش فيه هو الذي أنزل القرآن، وخلق الكون المرئي -كما يقول شيخنا الشعراوي رحمه الله- يقول: كون مرئي وكون مقروء, الكون المرئي المشهود هو هذا العالم بما فيه من نجومٍ وشموسٍ وأقمارٍ ووو.... والكرة الأرضية, هذا الكون المرئي, والكون المقروء هو القرآن, فالذي خلق الكون أنزل القرآن؛ فكيف تريد أن تعيش فيه دون دليل؟! إذا كان صاحب -ولله المثل الأعلى- يصنع سيارة, أو يصنع أيّ آلة ويعطيك كتالوج؛ دعنا نقول: يعطيك دليلًا يقودك, فنحن الله سبحانه وتعالى أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن خاتمة؛ آخر كلمة التقت فيها السماء بالأرض {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق:1], قال الله عنه كما تعرف, أنا سوف أُقدِّم لهذا البرنامج بآية: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا}[الرعد:31]. يقول الإمام الزمخشري في هذه الآية الرائعة في " الكشاف", {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} لكان هذا القرآن, يعني: لو أنَّ ثمَّة حديث يُزحزح الجبال من أماكنها ويُقطِّع الأرض أو يكلم الأموات لكان هذا القرآن بدليل أن الجواب محذوف, لأنه دائمًا "لو" في اللغة العربية هذا من صميم عملنا, "لو" في اللغة العربية عادة جوابها يُحذف, {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ }[الأنعام:27] لرأيت مشهداً عَجَباً يا محمد، هنا نفس الشيء. كثيرًا ما يُحذف الجواب للتهويل, هنا ليس للتهويل فقط؛ للحقيقة؛ لو أن قرآنًا يفعل ذلك لفعل هذا القرآن ذلك, لكن الأمة الإسلامية؛ دعني أقول كلمة: نحن فقدنا الجسر الذي يربطنا وما هو؟ هو اللغة العربية بعلومها المختلفة.

المقدم: يعني قبل أن تغادر هذه النقطة, والله سبحانه وتعالى يقول: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ }[الحشر:21], سبحان الله هذا تأكيد للفعل؟.

د. المستغانمي: هذه آية أخرى, الجبل يخشع ويتصدع, فما بال قلوب البشر لا تخشع ولا تتصدع!!, الذي يحجزنا عن ذلك اللغة بشتى علومها, أنا كثير من الشباب يسألني ماذا أقرأ في اللغة؟ أقول له: اقرأ اللغة نحوها وصرفها وبلاغتها وعروضها, اقرأ كل شيء سيقودك إلى القرآن, يقول: حتى العروض؟! نعم حتى العروض، العروض هو نظام الشعر العربي هو ذلك الوزن, عندما تقرأ وتدرس موسيقى الشعر ذلك يعينك في فهم لماذا العرب وقفوا حيارى أمام هذه النص المعجز {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ }[الرحمن:2] إذا ما تطرقنا لها إن شاء الله, أو لما تقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}[التكوير:1].

المقدم: نحن اليوم -فلنكن صرحاء مع أنفسنا- نحن اليوم أبناء الإسلام أو حتى من هم ليسوا من المسلمين لا يخشون من القرآن؛ لا يخافون من القرآن, من غير المسلمين لا يخافون من تأثير الإسلام لأنهم علموا بأن هذا القرآن أصبح مجرد للقراءة ونحن لا نعي ولا نفهم ما فيه من تعليمات ومن توجيهات ومن أسرار بيانية بلاغية إلا أن العرب سابقًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يُحذِّرون بعضهم البعض من قرآءة القرآن أو استماع القرآن لأنهم يدركون معناه.

د. المستغانمي: أنت الآن فتحت لي باباً في قوله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}[فصلت:26], نعم وردت في السيرة النبوية ونزلت هذه الآية قال: {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ}[فصلت:26], لماذا؟ لأنكم إذا استمعتم إليه سيسحركم محمد صلى الله عليه وسلم, كما فعل الوليد بن المغيرة وأبو جهل والأخنس بن شُريق وغيرهم, لأنهم كانوا يتمتعون ويتذوقون هذه اللغة الرائعة الراقية, ذروة البيان العربي.

نحن المفروض -والله أنا أقول لكثير من الشباب والطلاب عندما أحاضرهم-: نحن المفترض أن نكون سُعداء لأننا عربٌ أصلًا ونتقن اللغة سليقة المفروض, تقرأ كلامًا؛ لا أقول كتبه عالم أو فيلسوف, كلام مَنْ خلقك, كلام الذات الإلهية, وليس كلاماً مخلوقاً؛ إنما هو كلام الله القديم لأن صفة الكلام صفة الله, والله اصطفى اللغة العربية, هل لعصبية؟ لا؛ لأنها أعظم لغة؛ أوسع اللغات وأرادها كذلك، وخير مثال لما سألتهم: كيف تُسمُّون الأسد في اللغة الانجليزية؟ يقولون: the lion", والفرنسية, ليون، يعني كلمة، بينما العرب خمسمائة اسم, ليث, هزبر، ضِرغام, قسورة، أسد، حيدر, سبع وكذا, وليست الأسماء مستحدثة؛ من الجاهلية، ونزل القرآن بلسان العرب، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}[النحل:103], {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}[يوسف:1], "تلك" في علوّها {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[يوسف:2], قال الإمام الشاطبي: إذا أردتم أن تعقلوا معناه فعليكم بلسان العرب. لكن العرب تأثروا به ونحن أيضاً نستطيع أن نفعل ذلك, هناك مجال, ما زال لساننا عربياً؛ ما زال الأساتذة موجودين بين ظهرانينا، ما زالت الجامعات مفتوحة, ما زال التعليم باللغة العربية, إذا ما اجتهدنا في تعليم اللغة العربية على أسسها, والله نصنع جيلًا يتعلم من القرآن ويغترف من معينه .

المقدم: من باب التأكيد كذلك على كلامك وعلى علو هذا القرآن هذا الكتاب -كتاب الله سبحانه وتعالى- وعِظم مكانته أن الله سبحانه وتعالى قد تحدّى فيه فُصحاء العرب, {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ }[الإسراء:88], وهناك سور أو آيات أخرى تدل على أن يأتوا بسورة أو بآية, فهذا يدلنا على عظم هذا القرآن كذلك.

د. المستغانمي: أولًا: تحدّاهم {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ }[الطور:34], وهو تدرج -فقط أضيف لما تفضلت- {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ}[الطور:34] عجزوا { قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ }[هود:13], ألستم الذين تقولون افتراه؟ {أم يقولون افتراه}[هود:13] بمعنى اختلقه, { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ }[هود:13], لم يستطيعوا, {فأتوا بسورة من مثله}[البقرة:23]  أي من مثل القرآن أو من مثل محمد صلى الله عليه وسلم, وسنقف عندها في سورة البقرة -إن شاء الله-، لمّا عجزوا نزل قوله تعالى مُجهِزًا على قول كل خطيب {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء:88], ظهيرًا أي معينًا؛ لا يستطيعون, هذا كلام نسجته العناية الربانية, ولا تنتهي عجائبه ولا تنفد غرائبه ولا يخلق على كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء ولا يمل منه الأتقياء.

المقدم: ربما يقول قائل بأننا نناقض أنفسنا نقول بأن العرب كانوا فصحاء ويعلمون عظمة القرآن إلا أنهم يقولون بأن هذا مفترى, كيف يعلمون بأن هذا الكلام لا يمكن أن يؤتى بمثله وفي ذات الوقت يقولون: هو شاعر ويقولون: هو كاهن ويقولون: هو ساحر  ويقولون: هو مفترى, كيف؟.

د. المستغانمي:لو كان فقط الأمر متعلقًا بالناحية اللغوية لرحّبوا به أيّما ترحيب كما رحبوا بالمعلّقات السبع وعلّقوها على جدران الكعبة, إنما الذي كان يتعبهم, والذي كان يقلقهم هو ردّ الألوهية لله, ردّ الحكم لله, عندما يؤمن أبو جهل -مثلاً- بالقرآن؛ هو فصاحة القرآن تعجبه وتروقه, وكانوا يستمعون سرًا ويتأثرون, ولكن عندما رجع بهم إلى الطريق المستقيم؛ إلى الصراط المستقيم وما به من أحكام هنا الثقل؛ هنا قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}[المزمل:5], هو القرآن ليس ثقيل، القرآن مُيسّر وثقيل, {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}[القمر:17]. يقرأه عالِم الأزهر العظيم والإمام العظيم, ويقرأه الولد الصغير الشاب, مُيسَّر؛ ويتقنه ويحفظه, ويحسن تلاوته, تيسير. تأتي إلى التطبيق لا بد من جهد, {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }[العنكبوت:69], هم كانوا يتخوّفون من الحاكمية, من الأحكام التي فُرضت عليهم, أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ }[الأعراف:54], {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ }[العنكبوت:61] لأنه من يأمركم؟! اللات , العزى, الشهوات, الهوى.

أما لا تنفد غرائبه -أريد أن أضيف شيئاً فقط إلى سؤالكم-  "لا تنفد غرائبه ولا تنتهي عجائبه", هم يعلمون أنه لا ينتهي، أنا أسألك سؤالًا الآن أو أوجِّه نظرك إلى سؤال: الكون الآن هل انتهى العلم الحديث؟! هل انتهت ناسا من جميع العلوم الفلكية؟!, لا, ما وجدوا إلا عشر مِعشار ما في هذا الكون أو أقل من ذلك {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا }[الروم:7], ليس الظاهر {ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}[الروم:7] لو قال: "الظاهر" جيد, النكرة في سياق الإثبات أو النفي تفيد شيء بسيط, فإذا كانت أسرار الكون لا تنتهي كذلك أسرار القرآن لا تنتهي، في لغته؛ حتى الإعجاز اللغوي والبلاغي وسوف يرى المشاهد الكريم في الحلقات القادمة, الإعجاز البياني ما زال غضاً طريًا, الإعجاز العلمي، الأجنّة, الفلك، البحار, المحيطات، سبحان الذي أنزل هذا القرآن!.

المقدم: وهذا يذكرني بقول الله سبحانه وتعالى في ختام سورة الكهف :{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}[الكهف:109].

المقدم: دكتور أنا أشكرك على هذه المقدمة الجميلة وأنا أشعر بأنني سوف أكون أكثر المستفيدين إن شاء الله بعد البرنامج -بإذن الله- نستفيد من علمك جزاك الله خيراً ومن خبرتك الطويلة, وخاصة أنك ألّفت وكتبت في هذا المجال جزاك الله خيراً, دعنا الآن نبدأ شيئاً فشيئاً نلج البرنامج, حينما نقول: "في رحاب سورة", في اللغة ما معنى السورة؟ وفي الاصطلاح ما الذي تعنيه كلمة "سورة"؟

د. المستغانمي: كلمة "سورة" في اللغة العربية لها عدة جذور لغوية -كما يقول العلماء من الناحية اللغوية- كلمة "سورة" في اللغة العربيه معناها منزلة, ومعناها العلو -علو المنزلة-.

المقدم: هي آتية من الجذر: سَوَر.

د. المستغانمي: يقول العلماء مستشهدين ببيت النابغة عندنما يقول:-

ألم ترى أن الله أعطاك سَورةً -وتقرأ سُورة-  ترى كل ملك دونها يتذبذب.

أي مكانة ومنزلة، هذا المعنى الأول.

والمعنى الثاني: من السُور؛ من سور المدينة, والمدن الإسلامية كلها فيها سور, يمنعها ويحيط بها, يقيِّد ويُحصِّن ويمنع؛ كأن السورة تُحصِّن ما بها, تُحصِّن دين محمد صلى الله عليه وسلم، ما بها من أحكام وتفرده في هذا القالب, ومنها السِوار للساعد والمِعصم, فالعلماء منهم من يقول: من أسأرت أي أفضلت؛ أبقيت شيئاً؛ وهي تُبقي لنا هذا الدين محفوظًا في هذا القرآن، فالجذور اللغوية متشابهة تدور حول الإحاطة والعلو, والمنزلة, فالسورة القرآنية ذات علو وذات منزلة, وتُحصِّن المعلومات والمعارف التي أنزلها الله متكاملة.

إذا انتقلنا إلى المعنى الاصطلاحي, مَنْ الذي جعل هذه سورة وهذه سورة؟ الله سبحانه وتعالى. إذن ما دام الله جلَّ ثناؤه أمر جبريل بأن يقول هذه سورة؛ أي هذه طائفة من القرآن مستقلة, مسوّرة محفوظة, إذن فيها شيء؛ فيها سرّ, فيها معاني معينة, وحاشا لله أن يجعلها شيئاً من دون سبب, إذن هذا يقودنا إلى التعريف الاصطلاحي: هي طائفة من القرآن لها فاتحة وخاتمة, وأقلُّها ثلاث آيات, علماء القرآن يقولون هذا, طائفة من القرآن مستقلة لها فاتحة وخاتمة وأقلّها ثلاث آيات.

جاء أحد الأئمة المعاصرين, صاحب "مناهل العِرفان" وهو عالم مصري عظيم, قال:طائفة مستقلة لها مطلع ومقطع, نفس التعريف، لم يذهب بعيداً، هذا التعريف الاصطلاحي، وهذا التعريف اللغوي الذي أتحدث عنه.

المقدم: لكن مفردات السورة أو لبناتها أو وحدتها التكوينية هي الآية القرآنية, فما هي الآية؟

د. المستغانمي: الآية في اللغة -كما تعرف- الآية لها جذور أيضًا:

المعنى الأول: يقولون:جاء الناس بآيتهم أي بجماعتهم- قديمًا- نحن نتحدث بلسان العرب, جاء الناس بآيتهم أي بجماعتهم؛ مثلما نقول: بقضّهم وقضيضهم؛ أي بكلِّهم؛ هذا المعنى الأول.

كلمة آية تعني في اللغة: العَجَب, نقول فلان أو فلانة آية في العلم, في الجمال كما كان يوسف عليه السلام، يوسف آية في الجمال, إذن؛ عَجَبٌ في الجمال, هذا المعنى الثاني.

يقولون: آية بمعنى علامة, حتى في القرآن, {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ}[البقرة:248], علامة ملكه,

إذن معنى الآية القرآنية مقتبس من هذه المعاني, أولًا هي تجمع مجموعة من الكلمات والحروف بالمعنى الأول, هي عجب عجاب في نظمها, وهذا الذي قاله العلماء ابن الزبير الغرناطي يقول: هي عَجَبٌ في نظمها وترتيبها, وهي آية على دين محمد صلى الله عليه وسلم, وهل كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم إلا آيات القرآن؟! لم يأتي بسيف إنما أتى بآيات، كان يستفتح ويدخل القلوب بدون استئذان.

إذن المعنى الاصطلاحي: هو مجموعة من الكلمات القرآنية تأتي في سياق؛ لها بداية ونهاية. السؤال الذي سيأتيني منك, من حدَّد الآيات؟!

المقدم: صحيح؛ بالفعل، ومن حدد السور بدايتها ونهايتها؟! ومن وضعها في هذا الموضع؟

د. المستغانمي: هذا كله توقيفي؛ بتوفيق الله سبحانه وتعالى, أولًا الآيات لا يوجد خلاف واحد على موضعها وأماكنها وعلى كونها من الله محددة, متفق عليه إجماع من جميع علماء الأمة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم والتابعون, كلّ المفسرين؛ الآيات القرآنية لا خلاف فيها؛ هي أمرٌ توقيفي.

المقدم: مع أن القرآن لم ينزل في آياته كلها في ذات الوقت إلا أنه نزل منجّمًا, وأحيانًا ربما تأتي آية وبعدها آية نزلت ربما هذه في المدينة وهذه في مكة, إلا أنها كذلك شأن توقيفي.

د. المستغانمي: جميل، نعم، هذا هو الكلام ا

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل