دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة الثالثة

دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس 

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ الأخت أمة الله جزاها الله خيرا لموقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة الثالثة:

بسم الله الرحمن الرحيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا رب العالمين. وبعد، فإني أحييكم بتحية الإسلام وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يشرح صدورنا وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته..

نلتقي في لقائنا الثالث عن تدبر القرآن الكريم. انتهينا في لقائنا السابق من قول الله تبارك وتعالى (الحمد لله رب العالمين ) وبيَّنتمعنى رب العالمين وكيف أن الله جمع كلمة العالمين. بعد ذلك يقول الله تبارك وتعالى (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) الرحمن الرحيم وصفان لله تبارك وتعالى ابتدأهما بالرحمن ثم اتبعه بالرحيم. في الحقيقة أن في الوصفين مبالغة لإثبات الرحمة لله تبارك وتعالى لكن كلمة الرَّحْمَٰن التي في نهايتها اﻷلف والنون فيها زيادة في المبنى، وعندنا قاعدة نتعلمها أيضًا من قواعد التدبر أن "الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى" وهي قاعدة مطّردة تقريبًا -إلا ما ظهر من عدم اطرادها فسننبه عليه- لكن زيادة المبنى أي زيادة أحرف الكلمة تدل على زيادة في معنى الكلمة فمعنى غَسَلَ غير معنى غَسَّلَ. غَسَلَ محمد يده أي أنه غسلها ولم يكن عليها ما يحتاج للإزالة، يعنى يده ما كان عليها شيء إﻻ أنه غسلها فهو غسل خفيف. لكن غَسَّلها أي أن يده كان عليها ما يوجب اﻹزالة بعد اﻷكل مثلًا بعد فعل شيء ما أن يديه كان عليها ما يحتاج للإزالة. لذلك الباب المفتوح غير الباب المُفَتَّح، المُفَتَّح هو غير المغلق إطلاقًا، المفتوح مغلق لكن مَنْ بالخارج يستطيع الدخول دون أن أفتح له، حتى وأنت في الغرفة من يدق عليك الباب تقول له اُدخل الباب مفتوح، معنى مفتوح أنك تستطيع أن تفتح وتدخل دون أن تحتاج أن أقوم وأفتح لك أنا. أما مُفَتَّح فهو مُفَتَّح على آخره لذلك كما قال الله تكريمًا ﻷهل الجنة والمتقين (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ ﴿٤٩﴾جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ (50) ص) وهذا يدل على أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى. وقال أهل اللغة أن الغضبان غير الغاضب، فالغاضب هو الغاضب غضبًا عاديًا، الغضبان هو الممتلئ غضبًا.

إذن الرحمٰن صفة لله تبارك وتعالى وإن كان البعض يرى من استعمالات القرآن يرى أنها اسم لله ﻷن الله تبارك وتعالى استعمل كلمة الرحمٰن في مواطن كثيرة وكأنها اسم لله تبارك وتعالى كما قال الله تعالى (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ) [الرعد:30]. إذن كلمة الرحمٰن التي فيها زيادة في المبنى الدالة على زيادة في المعنى لكن هنا ستُثار مشكلة عند البلاغيين وأهل التدبر لا بد أن يكونوا بلاغيين، المشكلة أن أهل البلاغة إذا وصفوا موصوفًا واحدًابوصفين في صفات الكمال فإنهما يرتقيان من اﻷقل فاﻷعلى ومن الخاص فالعام إلى آخره، وفق نظرة أهل البلاغة أنه كان ينبغي أن تتقدم الرحيم على الرحمٰن طالما أن الرحمٰن فيها قمة الدلالة على الرحمة وفيها تمكن الرحمة من رحمة الرحمٰن فإن كلمة الرحيم -وفق نظر أهل البلاغة- كان ينبغي أن تتقدم على الرحمٰن، لكن هذا له جواب. الجواب أن كلمة الرحمٰن صفة ذاتية لله تبارك وتعالى فهي تدل على اتصاف ذاته بصفة الرحمٰن دون صفة الرحيم التي تدل على إيقاع رحمته على المرحومين، بمعنى إنك عندما تجد إخبارًا من الله تبارك وتعالى عن إيقاع الرحمة على العباد يستعمل رحيمًا ولا يستعمل رحمانًا، يستعمل رحمانًا عند الدلالة على أن العباد في أمسُّ الحاجة إلى رحمة الرحمٰن ويستعمل رحيمًا عند إيراد إيقاع الرحمة على العباد مثل (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب : 43] (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة : 117] لكن لم يقل إنه بهم رَءُوفٌ رحمٰن ولم يقل وكان بالمؤمنين رحمٰنًا، فهي صفة ذاتية له لكن عندما يوقعها على العباد تأتي صفة الرحيم التي تدل على إيقاع رحمته على العباد. ويستعمل الرحمن عندما يشير إلى أن العباد في أمس الحاجة إلى رحمة الرحمن وهذه من أسس التدبر. مثلا في مواقف الآخرة نجد أن الحق تبارك وتعالى لا يستعمل إلا اسم الرحمن (رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ) [النبأ: 37] (لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا) [النبأ: 38] (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: 108] (يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) طه)، حتى في حوار إبراهيم مع أبيه (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ) [مريم: 45] يلفت نظره إلى أنك في أشد الحاجة لرحمة الرحمٰن، وأنت ستكون في مواقف تكون فيها في أمسُّ الحاجة لرحمة الرحمٰن، حتى مريم عندما جاءها الملك وتمثّل لها بشرًا سويًا قالت (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18) مريم) تستدعي رحمة الرحمٰن. إذن في المواقف الصعبة الشديدة أنت في أشد الحاجة لرحمة الرحمٰن حتى يوقع رحمته بك تبارك وتعالى.

استعمال الرحمة في القرآن

استعمال الرحمة في القرآن نجدها على ثلاثة أقسام: هناك رحمة عامة، وهناك رحمة خاصة، وهناك رحمة لخاصة الخاصة. كلمة الرحمٰن لم تكن معروفة عند العرب قبل نزول القرآن يعني لم تطلق أبدًا على مخلوق قبل نزول القرآن ولا بعد نزول القرآن. كلمتان لم يطلقها أيُّ إنسان حتى الكافر والمشرك لم يطلق هذين الاسمين على أي مخلوق: الرحمٰن ولفظ الجلالة (الله) لم يتجرأ أحد بأن يسمي مخلوقًا بهذين اﻵسمين ولذلك القرآن يذكر لنا ذلك (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ) ما يعرفون وما يعلمون فقالوا وما الرحمن؟ (أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا)[الفرقان:60] القضية أنهم (وَزَادَهُمْ نُفُورًا) فكان عليهم أن يؤمنوا بالرحمٰن لا يؤمن بالرحمٰن إلا المؤمن ولا يعترف بالرحمٰن إلا المؤمن ولذلك هذا هو السبب الذي قالوا فيه أن الرحمٰن خاصة بالمؤمن، لكن الرحمٰن صفة ذاتية في الله أنت تدعوه فتقول يا رحمٰن لكن عندما يوقع صفة الرحمة عليك نقول هو رحيم بك.

الرحمة في القرآن الكريم على ثلاثة أنواع:

الرحمة العامة:وهي التي يمنحها الله لجميع الخلق، للمؤمن والكافر والفاسق والعاصي، الكل ينال تلك الرحمة. هذه الرحمة التي هي العامة وهي التي ذكرها الله في القرآن في قوله (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156] فهي رحمة عامة لجميع الخلق. منها رحمة الله بالكافر أنه يُرزَق وأنه تشرق عليه الشمس وأنه يعيش ويأكل ويشرب وأمعاؤه تعمل وكبده يعمل ويعيش كباقي الخلق تشرق عليه الشمس وينزل المطر ويرزق إلى آخره وهذا كله من رحمة الله العامة.

هناك الرحمة الخاصة: وهي خاصة بعباد الله المؤمنين، رحمة التوفيق ورحمة التأييد ورحمة النصر ورحمة العزة ذكرها الله في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) نداء للناس جميعا (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) النساء) البرهان رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والنور المبين هو القرآن (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) النساء) هذه هي الرحمة الخاصة رحمة الله لعباده المؤمنين، رحمة الله بعباده المؤمنين. فتلك الرحمة مشروطة باﻹيمان بالله والاعتصام بحبل الله تبارك وتعالى.

هناك رحمة لخاصة الخاصة:هي التي يدّخرها الله تبارك وتعالى عنده ويمنحها من يشاء من عباده لا يمنحها لكل العباد، بل يمنحها لمن يشاء من عباده. وفي القرآن الكريم ما يعطينا دلالة على أننا كيف نطلب من الله الرحمة التي هي لخاصة الخاصة؟ سأبيَّنها لكم: الرحمة التي هي لخاصة الخاصة لها علامات في التدبر، ما علاماتها؟ تقترن بظرف (رحمةً من عندنا)، (رحمةً من لدنَّك)، (رحمةً من لدنَّا)، إما (من لدن) وإما (من عند) فإذا وجدت (رحمة من عندنا) فهي رحمة لخاصة الخاصة، (من عندنا) أي مدخرة عندنا نمنحها لمن نشاء ولذلك منحها الله للعبد الصالح الذي أرسل إليه موسى قال الله تعالى (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) الكهف)‏ والله تبارك وتعالى علّمنا أننا عندما ندعوه نطلب قمة أنواع الرحمة نطلب الرحمة التي ادّخرها الله لعباده الخاصة (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران) وفي نفس الوقت علّمنا الله تبارك وتعالى لكي نطلب الرحمة التي هي لخاصة الخاصة أن نتمثل ثلاثة أمور لكي تكون ‏صادقًا في طلب رحمة الله الخاصة التي يعطيها لخاصة الخاصة:

اﻷمر اﻷول: أن تأخذ باﻷسباب للحصول على تلك الرحمة، اقرأ في سورة الكهف ‏‏(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)الكهف) يأتي دور التدبر يعني نحن لا نقرأ هكذا وانتهى، لا، (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) يعني أخذوا باﻷسباب قبل أن يطلبوا الرحمة، اﻹيواء ‏إلى الكهف أخذٌ باﻷسباب ولذلك قال الله لهم هناك (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) [الكهف: 16]‏ يعني اﻹيواء إلى الكهف يأتي بعده أن ينشر الله عليهم رحمته كما أخبر. إذن رقم واحد اﻷخذ بأسباب الرحمة: أن تكون لله طائعًا وأن تكون حيث أمرك موجود وحيث نهاك مفقود غيَّر موجود، فإذا كنت كذلك وتطلب من الله ‏رحمته الخاصة فيمنحك إياها الله تبارك وتعالى.

اﻷمران اﻵخران حتى نتعلم التدبر عندنا في قصة واحدة في القرآن ذكر الله تبارك وتعالى موقفًا معيَّنًا لنبي من اﻷنبياء وهو ‏نبي الله أيوب ذكره مرتين: مرة في سورة اﻷنبياء ومرة في سورة ص. في سورة اﻷنبياء قال الله تعالى (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ‏وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) الأنبياء) هذة هي رحمة الله التي هي لخاصة الخاصة. وفي سورة ص قال الله تعالى (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) ص) هذة المرة (رحمة منا) وليس (من عندنا). تعالوا نتدبر سويًا لنلاحظ الفرق في اﻷسلوب. لماذا موضع سورة الأنبياء (رحمة من عندنا) والموقف واحد والنبي واحد والله يحكيه بأسلوبين؟ لكن في سورة اﻷنبياء نجد أن الله يحكي أن لجوء أيوب لربه كان فيه تذلل وخضوع وانقياد لله تبارك وتعالى وكان فيه أدب في الطلب مع الله. أدب في الطلب وخضوع وانقياد وذلّة، يذل نفسه لله، ظهر اﻷدب في الطلب في قوله ( أَنِّي ‏مَسَّنِيَ الضُّرُّ ) ولم يقل أنت آذيتني وأنت أمرضتني أو جعلت الضر يمسني، لا، ولكن قال (مَسَّنِيَ الضُّر) نسب المسُّ إلى ‏الضُّر، الضُّرُّ مَسَّنِيَ أنا. والتذلل في قوله (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) عندما تبدأ دعاءك لله وتقول: يا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، أنت أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فلمن ألجأ يَا رحمن؟! تذلل لله وانكسار وأدب فكان الجواب (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) اﻷنبياء) (رحمة من عندنا) وأيضًا لاحظوا معي ما بعدها (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) الذكرى هنا ليست ﻷيّ أحد وإنما للعابد الخاضع المُنقاد لله. الذكرى هنا للعابد بخلاف هناك سنقف عليها. هناك ابتدأ وقال ‏(مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) [ص:41] فنسب مسّ النُصب والعذاب الضر إلى الشيطان ولذلك قال الله هنا (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا) قال رحمة منا وليست من عندنا، (وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) الذكرى هنا هذة المرة ليست للعابد، لا، الذكرى ﻷولي اﻷلباب ﻷصحاب العقول السليمة الذين يعقلون، لكن هناك ﻷن هناك تذلل وانكسار وفيه خضوع لله تبارك وتعالى فالذكرى للعابد. إذن هذه أُسس  لطلب الرحمة التي هي من عند الله تبارك وتعالى وهذا خير مثال على ذلك، هذه (رحمة من عندنا) وهذه (رحمة منا) والموقف واحد ولكن كما رأيتم اﻷسلوب مختلف ﻷن القصص يذكره الله تبارك وتعالى في القرآن كما قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف : 111]‏ ما ذكره الله من ذل أيوب عليه السلام ومن أدبه إلى آخره ما كان إلا ليكون عبرة لنا  ليقول لنا أردتم رحمة الله التي هي ‏لخاصة الخاصة عليكم أن تسلكوا هذا المسلك ﻷن الله قال (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: 111]‏

فما يذكره الله في القصص إنما هو للعبرة والاعتبار لذلك تدركون أن هناك أمورًا كثيرة في القصة لا يذكرها الله تبارك وتعالى ﻷنها لا عبرة لنا فيها، ليس لنا فيها عندنا من العبرة ما نأخذه، ولذلك مثلا في قصة نبي الله موسى عليه وعلى نبينا ‏الصلاة والسلام أطول قصة في القرآن وذكرت في ثلاثين موضعًا، هل تعلمون أن موسى عليه السلام منذ أن ردّه الله لأمه ورضع منها ما ذكر شيئاً عن قصته إطلاقًا إلا عندما دخل المدينة وقتل القبطي. بينما يذكر الله تبارك وتعالى ‏أمورا قد لا ترونها ضرورية أنتم لكن الله تبارك وتعالى يريد منا أن نعتبر لذلك حتى في الاعتبار نحتاج إلى تدبر، ﻻ بد ‏عندما تريد أن تعتبر لا بد أن نكون من أهل التدبر. سأضرب لكم مثال بسيط في قصة نبي الله يوسف بعد أن سمعت ‏امرأة العزيز بمكر النسوة وأجلستهن وأعطت كل واحدة منهن سكينًا وقطّعن أيديهن وقلن (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) قالت (قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [يوسف: 32]. ما معنى (فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)؟ ماذا قصدت امرأة  العزيز من هذة الجملة؟ (قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) أليست تلك المرة تلتمس العذر لنفسها؟ يعني أنتم تلومونني على فعلتي وأنتم لم تتحملوا النظر إليه لحظة وهو ينام معي في بيتي وأنا سيدته وهو ملك لي وأمامي ليل نهار، أنتم لم تتحملوه لحظة فلماذا تلومونني فيما فعلت؟! هذا معنى كلامها. لكن سأنتقل إلى سؤال آخر: هل ذكر الله تلك الجملة حتى يقول لنا: صاحب المعصية معذور أحيانًا؟! القرآن قال (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولي الألباب) والله لم يذكرها لنا إلا لتكون عبرة، فهل معنى ذلك أن صاحب المعصية لو كان في حالة ضنك شديد فهو  معذور؟ بالتأكيد لا. لمَ ذكر الله تلك الجملة؟ الله لا يذكر لنا إلا ما فيه العبرة، لا بد أن نأتي بالجملة التي بعدها التي اعترفت بها ‏(وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: 32] هذا باقي اعترافها. إذن الله تبارك وتعالى يريد أن يعطينا عبرة من هذين اﻷنموذجين لنفسَيْن بشريتين:

نفس فتحت الباب أمام نفسها لتفعل وتأخذ ما تشاء هذه النفس اﻷولى تركت لنفسها الباب مفتوحًا، ما حاولت أن تعالج نفسها، فالنفس تحب الفجور (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) القيامة) والله ألهم النفس الفجور قال ‏(فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا) [الشمس: 8] وما قدَّم الفجور إلا ليقول لك انتبه أنت في مهمة صعبة تحتاج إلى أن تجاهد نفسك. فالله يضرب لنا مثلًا عمليًا: نفس فتحت ‏الباب أمام نفسها لتفعل ما تشاء ونفس أخرى استعصمت بالله وأتى بالدلالة على النفس اﻷخرى، نفس يوسف على لسان امرأة العزيز ‏(وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ)

الله يقول لك انتبه هذا الأمر في أشد رغبة للنفس البشرية فيه، ومع ذلك النفس التي اعتصمت بالله عصمها الله والنفس التي فتحت الباب أمام نفسها وقعت فيما وقعت فيه فأنت تخيّر من أي النفسيْْن تكون؟ إذن العبرة -وهي من أقوى أسس التدبر أن تفهموها- العبرة من النموذجين للنفس البشرية: نفس تركت نفسها، واحد ماشي في الشارع فرأى امرأة أفضل من زوجة يقتل زوجه ويقول أنا أريدها، واحد رأى أحدًا يركب سيارة وما عنده سيارة فيأخذها بالقوة، هذا ما ينفع! أنت مطالب بأن تضع لنفسك ضابطًا ورابطًا. استعصمت بالله عصمك الله، تركت نفسك للشيطان والهوى وقعت في الهوى. هذا هو الدرس الذي نأخذه من تلك اﻵية. هذا من أسس التدبر التي ينبغي أن يعرفها الإنسان، قارئ القرآن على اﻷقل مُطالب بأن يعلم هذا.

هل تعلمون أن كل انسان فينا فيه الحسد يعني أنت وأنا وكل انسان فيه صفة الحسد وصالح لها وبدليل القرآن: اقرأوا سورة الفلق (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد) إذن هناك حاسدٌ شرّ وهناك حاسدٌ ليس بشرّ، هناك حاسد يستعاذ منه، من هو الحاسد الشر الذي يسُتعاذ منه؟ أيّ حاسد يكون شرّا فيستعاذ بالله منه؟ الذي يحسد إذا حسد والحاسد الآخر جاهد نفسه فلم يحسد. أنت فيك الحسد ولكن أنت تجاهد نفسك وتمنعها أن تحسد أحدًا ‏وتقنعها بذلك وتجاهدها فتُؤجر. حاسدٌ لا يحسد فيُؤجَر، كل النفوس فيها غريزة الحسد، لو لم يودِع الله فينا الغرائز ‏لكُنّا ملائكة، إذن أنت مطالب بأن تجاهد نفسك حتى تفوز برضوان الله تبارك وتعالى.

إذن الرحمٰن صفة ذاتية لله تبارك وتعالى ﻷنه في ذاته رحمٰن، ورحيم في إيقاع الرحمة على العباد أو بالعباد. ولذلك مثلًا تعالوا نفكر سويًا بصوت عالي، سورة الملك أليست هي الثلاثون آية المنجية من عذاب القبر؟! نتدبر سويًا سورة تبارك الملك نجد اسم ‏الرحمٰن وقعت فيها تقريبا ثماني مرات في مواضع ألوهية مواضع كان من الممكن أن يأتي فيها لفظ الجلالة الله (مَّا تَرَىٰ‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ من تفاوت)[الملك: 3] (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) [الملك: 19] (يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ) لفظ ( الرَّحْمَٰن) ورد في السورة ثماني مرات كأن النجاة من عذاب القبر تتطلب منك التمسك برحمة الرَّحْمَٰن، أن ‏تطلب من الله رحمة الرحمٰن، أن تفرّ إلى رحمة الرحمٰن ﻷن رحمة الله الخاصة التي يمنحها لعباده المؤمنين تتطلب منك حضورًا فيها. هل تعلمون أن القرآن الكريم ذكر مواطن تنزّل رحمة الله لعباد الله المؤمنين ورحمة الله لعباده المؤمنين لا تتنزل في كل مكان! مثلًا نحن في تلك الغرفة المباركة نتدارس كلام الله تعالى ونذكر اسم الله ومنا من يسبّح ومنا من يستغفر، فهذا مواطن تنَزُّل رحمة الرحمٰن علينا بإذن الله نسأل الله ذلك، أليست هناك غرف أخرى فيها ما فيها؟! هل تتوقع أن تتنزل رحمة الله على تلك الغرف؟ طبعًا لا يمكن. مثلًا وقت الصلاة وقت طاعة أناس يذهبون إلى المسجد فيصلّون وأناس يجلسون في المقاهي والملاهي ويتكلمون ويغتابون هل ‏تتوقع أن تنزل رحمة الله على الذين يجلسون بعيدًا عن الصلاة أثناء تأدية الصلاة؟ طبعا لا. أقصد رحمة الله تبارك ‏وتعالى لها مواطن، الذي يفر إلى مواطن رحمة الله تبارك وتعالى تناله رحمة الله حتى ولو كان مقصّرًا ﻷن رحمة الله ‏تنزل على غيرك، رحمة الله لو جلست في مجلس صالحين لو معنا أحد الآن -نسأل الله العفو والعافية- لكنه جلس مع عباد الله الطائعين نسأل الله أن تناله ‏رحمة الله. الله ذكر مواطن لرجاء الرحمة:

الموطن اﻷول: كل موطن تؤدى فيه طاعة لله تتنَزُّل رحمة الله عليك (وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) النور) افعلوا تلك الأفعال وأنتم ترجون رحمة الله تبارك وتعالى.‏

الموطن الثاني: موطن قرآءة القرآن والاستماع للقرآن (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون َ(204) الأعراف) –من ضمن أمور التدبر أيضًا -(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ) عندما يخاطب الله بقرآءة القرآن في مواطن أخرى يقول (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) النحل) إذا قرأت أنت، هنا اﻷمر اختلف (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ) أي قُرئ منك أو من غيرك، لا عذر ﻷحد أن يستجلب رحمة الله بقرآءة القرآن والاستماع ‏والانصات، لا تقل لي أنا لا أحفظ، أنا لم اذهب إلى الكُتَُّاب، عندك أولادك ذهبوا للكُتَُّاب وحفظوا هات ولدك يقرأ بجوارك ما حفِظ. المجالس في زماننا كانت للاختبار وأيّ ضيف يزورنا لا بد وأن أقرأ له ما أحفظ وأنا حفظت القرآن وعندي خمس سنوات – وكان خالي يقول لي اقرأ قصة سحرة فرعون مع موسى مرتبة كما وردت في القرآن فكانت هكذا المجالس لوجود التنافس في الحفظ في الكتاتيب-

(فاستمعوا له وانصتوا) هل هناك فرق بين الاستماع واﻹنصات؟ -سامحوني على الاستطراد فأنا أؤصّل للمسائل بحيث كلّ يصب في دائرة التدبر - السمع والاستماع يمر بثلاث مراحل:

المرحلة اﻷولى منه: سَمِعَ، هذا معناه أنك سمعت دون أن تعطي أذنك أو قلبك للشيء المسموع، أحيانًا تكون في الشارع وواحد ‏فاتح أغاني تسمع أم لا تسمع؟ تسمع ولكن هل أعطيت أذنك أو قلبك؟ لا. هذا اسمعه سمع أي سمعت غصبًا عني دون أن أعطي أذني أو قلبي.

المرحلة الثانية: استمع، تسمى عندنا صيغة افتعل وهي صيغة فيها تكّلف وبذل جهد ومشقة. (سمِع) أنت ما بذلت جهدًا، (استمع) هذه صيغة فيها تكلّف، بذل جهد، مشقّة. استمع يعني أعطيت أذني وقلبي للقرآن لكن لا يمنع أن تعمل جوارحي بعض اﻷشياء الخفيفة، لا يمنع أن أسمع بأذني وبقلبي وأنا أقود السيارة أو يدي بها أوراق تفتش عن شيء أو أشرب كوب شاي أو إحدى أخواتنا في المطبخ، لا يمنع، المهم أن اﻷعضاء اﻷخرى تعمل بحيث لا تُشغِل القلب هذا يسمى استماع. والدليل من القرآن الكريم -فأنا لن أقول  كلامًا من عندي أبدًا- قال الله تعالى (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا) [الأحقاف: 29] (فَلَمَّا حَضَرُوهُ) يعني كانوا ماشيين، كانوا يتحركون، (قَالُوا أَنصِتُوا) اجلسوا هنا، كل اﻷعضاء تخشع وتسمع. إذن الإنصات مرحلة أعلى، كل اﻷعضاء تسمع بإنصات كأنك في ‏الصلاة، القلب واليدين وكل أعضائك تُنصت والدليل (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ ‏قَالُوا أَنصِتُوا) [الأحقاف: 29] هم استمعوا ولكنهم كانوا ذاهبين إلى مكان مجيء صوت القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا. هذا هو الفرق بين الاستماع واﻹنصات، إذن الإنصات مرحلة أعلى.

أيضًا من مواطن تتنَزُّل رحمة الرحمٰن ويستطيع كل واحد منا أن يفعلها وهو الاستغفار. وعندما تقرآون اﻵية التي يعاتب الله فيها العباد اسمعوها بقلبكم (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [سورة النمل:46] ماذا يكلّفك الاستغفار؟ حتى لو أنك اضطرت لتجلس في مجلس غير لائق تستطيع أن تجنب نفسك هذا فتستدعي الاستغفار، باستغفارك يُنزل الله عليك رحمته تبارك وتعالى.

أيضًا دلّنا الله تبارك وتعالى آية في سورة الزمر على كيفية رجاء الرحمة فدلّك على الزمان والمكان (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) [الزمر: 9] (آنَاءَ اللَّيْل) -أظن والله أعلم من خلال ذاكرتي- لا تأتي (آنَاءَ اللَّيْل) إلا ومعها (أطراف النهار) إلا في هذا الموضع جاءت (آنَاءَ اللَّيْل) فقط ليدلّك الله على الزمان ﻷنك في النهار كما قال الله في سورة المزمل (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)المزمل) السبح هو الجري السريع في الماء، فالله يقول لك اننت في النهار مشغول وتجري في قضاء أمورك يكفيك أن تصلي الفريضة والسنن الرواتب لكن أين وقتك مع ربك؟ لا بد أن يكون لك وقت مع ربك ليلًا ولو كان قليلًا، آنَاءَ اللَّيْل، وقت بين حال ظاهر وحال باطن، الظاهر (سَاجِدًا وَقَائِمًا) والباطن (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو ‏رَحْمَةَ رَبِّهِ ) فإذا كان هذا حالك فأنت بذلك ترجو رحمة ربك تبارك وتعالى. إذن أنت لا بد أن تعمل على أن تنال رحمة الله تبارك ‏وتعالى.

في قول الله تبارك وتعالى (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) [يوسف: 53] (إن النفس لأمارة بالسوء) إخبار من الله تبارك وتعالى لكن الاستثناء يفتح لنا باب اﻷمل (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) لكن أين المستثنى منه؟ لا بد أن يكون معي مستثنى منه وأستأذنكم أن نؤجل تلك اﻵية للقاء القادم.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل