دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة الثانية

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد. ثم  ‏

تفريغ الأخت أمة الله جزاها الله خيرا ‏لموقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة الثانية:‏

بسم الله الرحمن الرحيم. ‏وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما ‏علمتنا وبعد، فإني أحييكم بتحية الإسلام وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يشرح صدورنا وأن ينير قلوبنا بفهم كتابه وتدبره ‏والعمل بما فيه، وأني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يشرح صدورنا وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله ‏وخاصته..‏

وفي الحقيقة قبل أن أبدأ أود أن أتكلم عن بعض القواعد المهمة التي تعيننا على التدبر في كل محاضرة نبدأ ببعض ‏القواعد التي تعيينا على التدبر وهي التي تدور معنا على مدار القرآن الكريم كله.

أما القاعدة اﻷولى فهي معاني حروف العطف والسر في إيثارها في الاستعمال أحيانًا. عندنا حروف العطف: الواو، الفاء، وثمّ عليهم مدار الكثير من ‏العطف في القرآن الكريم وللعطف بالواو دلالات في المعنى وللعطف بالفاء دلالات أخرى في المعنى وللعطف بثمّ دلالات ‏كذلك في المعنى. إذن علينا أن نعرف معنى الواو والفاء وثمّ ومتى يؤثِر القرآن العطف بكل حرف من تلك الأحرف؟

الواو حرف عطف يفيد مطلق الجمع بمعنى أنه لا ترتيب فيه، ليس بين المعطوف والمعطوف عليه ترتيب، بمعنى أن ما ‏بعده قد يكون هو الذي حدث أولًا: أكلت وشربت قد أكون شربت ثمّ أكلت أو أكلت ثم ّشربت إلى آخره أو ‏أنى جمعت بينهما وسيتبين لك الفرق في استعمال القرآن الكريم لحرف الواو، هذا حرف الواو لا ترتيب فيه على ‏الراجح عند أهل النحو.

أما حرف الفاء فهو يفيد الترتيب والتعقيب والسرعة، ترتيب بمعنى أن ما بعده حدث بعد الذي قبله بالضرورة وتعقيب أي أنه عقبه في الحدث وسرعة أي أنه ليس بينه وبين المعطوف عليه زمن وإنما كان الوقت سريعاً وسيتبين ذلك بإذن الله تبارك وتعالى من ‏خلال استعمال القرآن الكريم أيضاً.

وأما ثمّ فنؤجل معناها اﻵن، بعد أن تبين الفرق بين العطف بالواو والفاء .‏

معنا آية كريمة في سورة الكهف .في قصة أصحاب الكهف يقول الله تبارك وتعالى (وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ‏فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ‏‏(19) الكهف)‏

ماذا تلاحظون في تلك اﻵية الكريمة في العطف بالواو أو الفاء؟ ‏

(فَلْيَنظُرْ) عطف بالفاء، (فَلْيَأْتِكُم) عطف بالفاء، (وَلْيَتَلَطَّفْ) عطف بالواو، (وَلَا يُشْعِرَنَّ) عطف بالواو، فلماذا عطف اﻷفعال ‏اﻷولى بالفاء وعطف الفعلين اﻷخيرين بالواو؟ ﻷن اﻷفعال اﻷولى مترتبة على بعضها، ﻷنه (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) أولًا (فَلْيَنظُر) أي أنه لن ينظر إلى الطعام أيها أزكى إلا إذا أُرسل، فبعد أن يرسل فلينظر عطف بالواو لأن كونه ينظر إلى الطعام مرتّب ‏على بعثه. (فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ) أيضاً لن يأتي برزق من الطعام إلا بعد أن ينظر أيها أزكى طعاما فهو مرتب على الذي ‏قبله. (وَلْيَتَلَطَّفْ) لماذا وليتلطف جاء العطف بالواو؟ ﻷن التلطف ليس مرتبًا على ما قبله وإنما التلطف مطلوب منه ‏منذ أن يخرج من مكانه إلى أن يصل إلى مكان الطعام ثم إلى أن يعود إلى البيت مرة أخرى ‏

(وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا) التلطف وعدم شعور أحد بهم هذان الفعلان مطلوبان في كل حركة منذ خروجهم من المكان إلى أن يعودوا فكان لا بد من العطف بالواو هاهنا. أظن من ‏خلال تلك اﻵية الكريمة أدركنا الفرق بين العطف بالواو وبين العطف بالفاء. إذن العطف بالواو للمطلق الجمع والعطف ‏بالفاء فللترتيب والتعقيب والسرعة والواو كما أنه لا ترتيب فيها فلا سرعة فيها.

تعالوا نتخير بعض اﻵيات في بعض القصص القرآني في موضع كان التعبير بالواو وفي موضع كان التعبير بالفاء و‏يكاد السياق يكون واحدًا إلا بعض الفروق الدقيقة التي ينبغي على المتدبر أن يتدبرها: في قصة لوط في سورة اﻷعراف ‏( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿٨١﴾ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) الأعراف) ‏أما موضع سورة النمل (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿٥٤﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿٥٥﴾ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) النمل)‏

القصة واحدة والتعبير في موضع الأعراف بالواو (وما كان جواب قومه)، أما في موضع سورة النمل كان بالفاء (فما كان جواب قومه) فما السبب في هذا التعبير؟ وهل يجوز أن نضع الواو محل الفاء أو العكس؟ أبدًا، لا يجوز. تعالوا نبحث عن السبب الذي ‏كان التعبير فيه هنا بالفاء وهنا بالواو.

في سورة الأعراف التي فيها التعبير بالواو نجد ان اتهام لوط للقوم أخفّ من اتهامه لهم في النمل ﻷنه هنا في ‏البداية قال ‏(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80) الأعراف) ‏لكن هناك في النمل قال ‏(‏ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) النمل) (وأنتم تبصرون) فيها بعض الشدة والتعنيف وقد عنّفهم في النمل بينما كان حواره هادئًا في اﻷعراف، هذه أول لقطة في السياق. ‏

(إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81)الأعراف) ‏اتهمهم بالإسراف هناك في النمل اتهمهم بالجهل (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)النمل )‏

وبالتأكيد نعلم أن هناك فرق بين الاتهام بين الإسراف والجهل ،الاتهام بالإسراف أقل حدة في الحوار بينما الاتهام ‏بالجهل فيه شدة وتعنيف فلما شدد عليهم وعنّفهم في النمل بقوله (وأنتم تبصرون) وبقوله (بل أنتم قوم تجهلون) فكان ‏لا بد أن يردوا بسرعة ‏(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) فكان لا بد من الرد بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب والسرعة لأنهم بادروا بالردّ حتى صرّحوا بالاسم في النمل بينما ‏لم يصرحوا بالاسم هناك، في النمل صرّحوا بـ(آل لوط) (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) النمل) ‏إنما في اﻷعراف (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 82)الأعراف)‏ فالحوار كان أكثر هدوءا فكان التعبير بالواو في اﻷعراف ﻷن التعنيف كان أقل فكان ردهم ليس سريعًا لا يحتاج إلى ‏الفاء ولا يحتاج إلى التصريح بآل لوط. إذن موضع الواو لا بد أن يكون التعبير فيه بالواو ولا يمكن لنا أن نأتي بالفاء محل ‏الواو ولا أن نضع الواو محل الفاء كما تبين لنا من تلك اﻵيتين في قصة واحدة لكن السياق -كما رأيتم- يجعلني أتدبر ‏لماذا هذا الموضع كان بالواو ولماذا هذا الموضع كان بالفاء؟ ويختم الله عز وجلّ هذا الحوار في اﻵيتين التعليل لقولهم (أخرجوهم ‏من قريتكم) أو (أخرجوا آل لوط من قريتكم) ومن هذا التعليل نأخذ منه درسًا. ماذا قال الله في تعليلهم؟ (إنهم أناس يتطهرون) التطهر ‏ميزة أم عيب؟ هل التطهر عيب في الإنسان أم أنه ميز فيه؟ هو بالتأكيد ميزة فيه لكن الحمقى والجهلة يرون التميز في أهل التميز عيبًا ﻷنه ليس على هواهم، كمن يتحدثون عن ‏الملتزمة التي تغطي وجهها وغيرها ويتحدثون عن الملتحي وعن غير الملتحي (إنهم أناس يتطهرون) فاعلموا أن الجهلة والحمقى يرون الميزة في ‏أهل التميز عيبًا بدليل تلك اﻵية الكريمة .‏

ومن المواضع التي تبين لنا سر التعبير بالواو والفاء ما ورد في سورة هود. سورة هود ورد فيها أربع قصص ذكر الله في نهاية قصتين منها (ولما جاء أمرنا) بالواو وفي نهاية قصتين أخريين منها (فلما جاء أمرنا) بالفاء. نجد أن القصتين اللتين انتهيتا بقوله تعالى (فلما جاء ‏أمرنا) بالفاء هما قصة ثمود مع صالح وقصة لوط. لماذا كان التعبير فيهما بالفاء؟ ﻷن الوعد الذي وعدهم الرسول بنزول ‏العذاب بهم كان وعدًا محددًا بميقات محدد لم يكن وعدًا مفتوحًا (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب(65)هود) الوعد محدد بثلاثة أيام . (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ( 66)هود) كان التعبير بالفاء دلالة على أن العذاب الذي وعدهم به كان في موعده المحدد لم يتخلّف ولم يتأخر وإنما نزل في ‏الموعد الذي حدده الله تبارك وتعالى.

أيضا في قصة لوط نجد ‏(إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: 81]‏ فكان التعبير بالفاء دلالة على ان أمر الله جاء في موعده المحدد ‏( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82)هود)‏.

أما في قصة هود وشعيب نجد أن الوعد بالعذاب كان وعدًا مفتوحًا ليس محددًا بميقات معين، اقرأ في قصة هود (فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ‏حَفِيظٌ (57)هود)‏ (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ) وعد مفتوح ليس محددًا بميقات فكان التعبير بالواو دلالة على أن الوعد مفتوح ليس محددًا (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)هود )‏. وأيضًا في قصة شعيب (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ ‏رَقِيبٌ (93)هود) ‏وعد مفتوح (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ ‏رَقِيبٌ) ‏(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏‏(94)هود) ‏

هذا سر دقيق من أسرار بلاغة القرآن الكريم ومن اﻷسرار التي تعيننا على التدبر ولذلك هذا يدعونا إلى أن نتدبر في ‏سورة يوسف سويًا وأنتم في تلك المرة الذين تتدربون على التدبر ﻷنه قد ذكر الله تعالى في سورة يوسف (ولما) تقريبًا ثماني مرات و (فلما) أظن مثلها ثماني مرات نجد أن هناك فرقًا دقيقًا بين التعبير بـ(ولما) و (فلما) وهذا يعينكم على الحفظ ‏والفهم والتدبر. مثلًا في أول سورة يوسف ‏(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُون (َ15) يوسف)‏ (فلما ذهبوا به) لماذا التعبير بالفاء؟ قلت أن التعبير بالفاء يرتبط بالسرعة وبالترتيب والتعقيب وفيه سرعة ﻷنه كما تعلم أن أخوة ‏يوسف كانوا يحاورون أباهم أن يوافق لهم على أن يذهب يوسف معهم (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) يوسف) ‏إلى أن وافق الأبّ، فلما وافق كانوا يسارعون في الذهاب به والخروج من البيت، القرآن يعطينا هذا المفهوم وتلك الدلالة ﻷنهم ‏خافوا أن يرجع أبوهم في كلامه مرة أخرى، (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) ذهبوا به بسرعة.

أما بعدها (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)[يوسف: 22]‏ فنجد أن ما بينها وبين ما قبلها مسافة (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[يوسف:21] الرجل اشتراه (ولما بلغ أشدّه) بعد فترة، هناك فترة زمانية بين بلوغه اﻷشدّ وبين شراء الرجل له.

يتضح ‏اﻷمر أكثر في آيتين وأترك لكم الباقي لتدبركم. الآية الأولى: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٥٨﴾ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ) [يوسف: 59]‏ هناك في الموضع الآخر (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) [يوسف: 70] في الأولى (وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ) وفي الثانية (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) ما الفرق؟ لماذا في الموضع اﻷول (ولما) وفي الموضع الثاني (فلما)؟ في الموضع اﻷول كان أول لقاء ﻷخوته به وهو يريد أن يجعلهم يقفون أطول مدة، ما يريد أن يجعلهم يتحركون ويمشون بسرعة فلم يكن سريعًا في قضاء طلبهم، ما كان يريدهم أن ينصرفوا فما كان يسارع وكان يجهّز جهازهم ببطء أما في الموضع الآخر فهو يريد أن يجعل السقاية في رحل أخيه يعني يدس دسيسة في رحل أخيه ‏والذي يدس دسيسة يكون سريعًا حتى لا يدركه أحد فكان بسرعة (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) فكان سريع الحركة في ‏تجهيزهم هاهنا. أنتم مطالبون باستخراج كل (ولما) وكل (فلما) في سورة يوسف وتحاولون أن تتدبروا قدر اﻹمكان. (ولما) يكون معها بطء في الحركة ويكون معها عدم سرعة ويكون معها ميقات مفتوح، (فلما) فيها ترتيب وفيها تعقيب وفيها سرعة بإذن الله يكون من السهل أن تبدأوا بهذا ..‏

إذن الواو التعبير بها في القرآن الكريم له دلالة والفاء التعبير بها له دلالة حتى نتعلم ﻷن هذه قواعد تقابلنا تقريبًا في ‏أغلب اﻵيات. الفاء أسرع من الواو، الفاء تدل على سرعة وقوع ما بعدها. الواو لا ترتيب فيها على الرأي الراجح، قد تكون للمعية وليست للمعية قولًا واحدًا والفاء للترتيب والتعقيب والسرعة. وستقابلنا في آيات كثيرة ولكني أردت أن أضعها بين أيديكم حتى ننتبه سويًا ونكون أسرع في تحصيل المعلومة.

نتكلم عن (ثم). (ثمّ) فيها ترتيب وتراخٍ يعني هناك تراخٍ بين ما بعدها وبين ما قبلها لكني سأقول لكم معلومة انتبهوا لها جيدا: التراخي في (ثم) على نوعين: تراخي زمني يعني ما بعد (ثم) وقع بعد الذي قبلها بفترة زمنية: أكلت ثم شربت يعني شربت بعد فترة هذا يسمى تراخي زمني. هناك تراخي يسمى تراخي رُتبي يعني أن ما بعد (ثم) أهم وأولى في الذكر من الذي قبلها، مثلًا أنت كنت تعرف أني صائم وعطشان بقوة فجاء أذان المغرب وأفطرنا بفضل الله أنت تسألني بعدها هل شربت؟ أقول ‏لك نعم أكلت ثم شربت ليست القضية هاهنا ترتيبًا زمنيًا ﻷنك يعنيك أن تعلم أني شربت أم لا، فإني أعطف بـ(ثم) ﻷبيّن ‏لك أهمية الشرب عندك.

نقرأ قول الله تعالى (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) ‏أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) البلد) يعني فك الرقبة وإطعام اليتيم في اليوم ذي مسغبة المجاعة الشديدة أهمّ من الإيمان أم أن الأهم أن يكون من الذين آمنوا؟ (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا) أي أن ما بعد (ثم) وهو كونه من اﻹيمان جاء التعبير بـ(ثم) ليفيد أن ما بعدها أهمّ مما قبلها.

مثال آخر: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ‏آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) الحج) هل اﻷهم أن يلقي الشيطان في اﻷمنية ثم ينسخ الله ما يلقي الشيطان وبعد فترة زمانية يُحكم الله آياته؟ أم أن إحكام الله ‏للآيات أولى وأهم وهو حاصل منذ نزول الوحي ومنذ نزول اﻵية؟ الإحكام أهم، فما بعد (ثمّ) أولى وأهمّ. وتلك القضية ستقابلنا كثيرا.

وأحيانا يكون في (ثمّ) التعبيرين: التراخي الزمني ويكون له دلالة، التراخي الرتبي ويكون له دلالة، اقرأ قول الله تبارك وتعالى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى) [البقرة: 262] هاهنا (ثم) تؤدي معنى التراخي الرتبي ﻷن عدم اتباع الإنفاق بالمنّ واﻷذى أولى من الإنفاق مع الاتباع بالمنّ واﻷذى بدليل (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) البقرة ) فهاهنا (ثم) للتراخي الرتبي ﻷنه هو اﻷهم يعني أنكم لا تتبعون ما أنفقتم منًّا ولا أذى. والزمني له دلالة هنا، لماذا ‏الزمني له دلالة هنا أيضًا؟ ﻷن الزمني يعطيني دلالة أنه لا ينبغي أن تتبع لا تتبع ما أنفق منًّا ولا أذى أبدًا مهما طال الزمن على إنفاقك عليه لو مرّ مثلًا ثلاثون عامًا هل ينبغي أن تمنّ عليه وأن تؤذيه بصدقتك حتى ولو بعد خمسين سنة؟! هذا يحتاج إلى التراخي الزمني. إذن التراخي الزمني أنك لا تُتبع ما أنفقت منًّا ولا أذى مدى حياتك، فمن الناس من يعيّر الناس ويمنّ عليهم بإعطاء صدقة للجدّ ويأتي للحفيد ويمنّ عليه. فالله تبارك وتعالى يريد منا ألا نمنّ على من تصدّقنا عليه أبدًا مهما طال الزمن وأن عدم إتباع الصدقة بالمنّ واﻷذى هو اﻷوْلى. هذا معنى (ثم) وسيقابلنا كثيرًا لكن هذا تأصيل بسيط وأرجو أن تكونوا قد استوعبتم تلك القضية.

هناك قضية أخرى في العطف أود أن أبينها لكم ستقابلنا كثيرا وهو أحيانًا تأتي المتعاطفات بدون حرف عطف لا واو ولا ‏فاء ولا ثمّ كما هو في سورة الفاتحة (الحمد لله رب العالمين) رب العالمين صفة لله، (الرحمن) صفة، (الرحيم) صفة، (مالك يوم ‏الدين) صفة، كل هذه صفات بدون واو. متى يسقط حرف العطف بين المتعاطفات؟ إذا أردت أن تجعل الصفات المتعاطفة كلها كالصفة الواحدة للموصوف ‏وليست على نيّة الاستقلال هذه تُسقط حرف العطف. اقرأ قول الله تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏‏(23) الحشر) لا يوجد هنا حرف عطف ﻷنك تريد أن تجعل هذه الصفات كلها كالصفة الواحدة في الموصوف فلا تريد أن تجعل صفة منها على سبيل الاستقلال إنما لو أردت أن تبين أن كل صفة فيها قائمة في الموصوف على الاستقلال تأتي بحرف العطف، اقرأ قول الله تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) الحديد) كل صفة منها على نية الاستقلال للموصوف. إذن إذا ذُكر حرف العطف بين المتعاطفات فأنا قصدت أن كل صفة منها ‏على نية الاستقلال وأن هناك فرق بين هذه وتلك أما إذا سقط حرف العطف فأنا أريد أن الصفات كلها كالصفة ‏الواحدة في المعطوف، ولذلك نجد في صدر سورة غافر قول الله تعالى (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِۖ)[غافر: 3] هذه أربع صفات، ماذا تلاحظون؟ أتى بواو العطف بين اﻷولى والثانية بعد ذلك لم يأت بحرف العطف لا بين الثانية والثالثة ولا بين الثالثة والرابعة لماذا؟ ﻷن غفران الذنب وقبول التوب يظن الناس أنهما صفة واحدة فأراد الله أن يبين أن كلًا منهما صفة على سبيل الاستقلال، لو سقط حرف العطف سيظن الناس أنهما صفة واحدة غفر الذنب وقبل التوب، لا، هما صفتان. فالله تبارك وتعالى يغفر ‏الذنب وأيضا يقبل التوبَ لكن ما بين الصفات اﻷخرى لا يوجد هذا التوهّم. وقال البعض في توجيه ذلك أن غفران ‏الذنب إساءة ﻷنك أذنبت فأنت أسأت في حق نفسك وفي حق الله وقبول التوب إحسان منك لنفسك وإحسان منك لله ﻷنك رجعت إلى ربك فللفرق بين اﻹساءة وبين اﻹحسان كان حرف العطف موجودًا. هذه وجود حرف العطف بين الصفات المتعاطفة وعدم وجود حرف العطف وهذا سيقابلنا كثيرًا. هذة قواعد وأسس لا بد أن نعلمها في البداية.

تدبر الفاتحة:

في قول الله تعالى (الحمد لله رب العالمين) رب العالمين بمعنى خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم إلى آخره، وهو رب ‏العالمين، لماذا جمع العالمين مع أنها كان من الممكن أن تكون مفردة رب العالم، ما السر في جمعها؟ هناك سر في جمعها لكن نبدأ من بيان (ال). (ال) في كلمة العالم وعندما تدخل على أيّ نكرة فيكون لها ثلاثة معانٍ رئيسة:

المعنى اﻷول أنها تفيد الجنس، جنس العالم فكلمة العالم تكون دالة على الجنس حينئذ (العالم).

وقد تكون للعهد أي اﻷمر المعهود بينك وبين المخاطب يعني إذا قلت أن (العالم) للعهد تكون العهد الذي بيني وبينك، هناك عالم معين معهود بيني وبينك فأنا أقول لك العالَم قصدتُ العالم الذي بيني وبينك. مثلًا نحن التقينا في ‏المكتبة وكان هناك كتاب أود شراءه فلم أستطع شراءه في الوقت الذي كنت معي، في اليوم الثاني ذهبت واشتريته فأنا ‏أكلمك وأقول لك أنا اشتريت الكتاب، أيّ كتاب؟ أنت ستعرفه أم لا تعرفه؟ هو الكتاب المعروف بيننا، هذا اسمه المعهود بيننا. والعهد على نوعين: عهد ذكري يعنى مذكور في الكلام وعهد ذهني يعني المعهود في ذهني وذهنك، عهد ذهني -كالمثال الذي ضربته اﻵن-‏ وهناك عهد ذكريّ يعني شيء نكرة استعملته في الكلام عندما أقول لك قرأت كتابًا واشتريت الكتاب. أيّ كتاب اشتريته؟ اشتريت الكتاب الذي قرأته. وفي قول الله تبارك وتعالى في سورة المزمل (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴿١٥﴾‏ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴿١٦﴾‏) أيّ رسول عصاه فرعون؟ الرسول الذي أرسله الله إليه المذكور في اﻵية (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا) (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) أي الرسول الذي أرسلناه، هذا عهد ذكريّ أي مذكور في الكلام والأول عهد ذهني.

وهناك (ال للاستغراق) استغراق جميع أفراد الجنس (العالم) الكلام مستغرق لكل فرد فرد. إذن ما الفرق بين الاستغراقية ‏والجنسية؟ الجنسية تحكم على الجنس بأكمله وليس فردًا فردًا فقد يخرج من الجنس بعض اﻷفراد، عندما أقول رب العالم تفيد الجنس جنس العالم ولا تشمله فردًا فردًا إنما لو قلت للاستغراق فإنها تفيد استغراق ‏العالم فردًا فردًا وشيئا شيئا ما تترك شيئا من العالم، والعالم كما تعلم هو كل شيء ما سوى الله تبارك وتعالى.

قاعدة: جمع النكرة المقترنة باللام يكون دلالة على استغراقها، (رب العالمين) يعني اللام للاستغراق قولًا واحدًا بدليل الجمع، إذن الجمع له دلالة، لو كانت "رب العالم" كانت تحتمل أن تكون للعهد، عالم معهود بيني وبينك أو للجنس الذي لا يشمل كل اﻷفراد، فلما أراد الله ‏أن يجعلها للاستغراق قولًا واحدًا جمعها حتى تشير إلى أن ربوبيته مستغرقة للعالم أجمع وهو لكل شيء ما سوى الله تبارك وتعالى. إذن الجمع هاهنا دليل على أنها للاستغراق قولًا واحدًا، نحن نتكلم في قواعد مهمة تعيينا في التدبر. تكلمنا عن حروف العطف والآن نوضح اللام الداخلة على النكرة ومعانيها لأنها ستقابلنا كثيرا ولا بد أن نكون على علم بها حتى نستطيع أن نتدبر الكلمات التي ترد فيها.

إذن (الحمد لله رب العالمين) الجمع أفاد الاستغراق لجميع أفراد العالَم كما ذكر الله تبارك وتعالى.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل