دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة الأولى

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد

تفريغ الأخت أمة الله لموقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة الأولى:

بسم الله الرحمن الرحيم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبعد..  فإني أحييكم بتحية الإسلام وإني اسأل الله تبارك وتعالى أن يشرح صدورنا وينير قلوبنا لتدبر كتابه والعمل بما فيه، وهانحن نلتقى في لقائنا اﻷول عن تدبر القرآن الكريم وتدبر القرآن الكريم من العلوم التي أهملها كثير من الناس فلم ينشغل به إلا من ندر مع أن الحق تبارك وتعالى جعل التدبر الغاية من إنزال كتابه قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ص).

ونحن في هذه اللقاءات المباركة بحول الله وقوته سأضعكم على عتبة التدبر، سأضعكم على خطوات التدبر، وأحاول قدر الإمكان أن نتعلم سويًا وأن نحاول أن نفهم وأن نحاول أن نتدبر كلام الله تبارك وتعالى، وقد تخيرت الجزء الثلاثين من القرآن الكريم لنبدأ به وهو جزء سورة النبأ.

التدبر هو المحطة اﻷخيرة في فهم معاني القرآن الكريم قدر الطاقة البشرية ﻷنه لا يملك أحد أن يزعم أنه وصل إلى مراد الله تبارك وتعالى لكن الكل يجتهد قدر طاقته البشرية ويحاول قدر طاقته البشرية وفق أسس وضوابط ...

سيكون العمل على محاولة الفهم ومحاولة التدبر من الجميع وسيكون اﻷمر بالتكرار لدرجة أن تستطيعوا أن تتدبروا أنتم فيما بعد بإذن الله. التدبر كما قلت هو المرحلة اﻷخيرة أو المحطة اﻷخيرة.

المحطة اﻷولى في بيان المعاني هو التفسير ثم بعد التأمل ثم بعد ذلك التفكّر ثم بعد ذلك التدبر، ولكل عنوان من هذه العناوين مرحلة معينة ..

التفسير في البداية، التفسير هو الكشف والبيان لمعاني القرآن الكريم لكنه بيان لمعنى واضح ومعنى غير متعمق إنما هو المعنى الواضح الذي يبينه أهل التفسير وسآتيكم بمثال إن شاء الله، بآية قرآنية نتعلم منها ..

تأتي بعد التفسير مرحلة التأمل وهو النظر في الآية مرة بعد مرة للوصول إلى المراد قدر الطاقة البشرية. الإنسان يتأمل الآية مرة بعد مرة بعد مرة إلى أن يصل إلى وضع سؤال من عنده وفق أسس أيضًا.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التفكر، التفكر هو الحتّ في اﻷمر للوصول إلى الحقيقة، نحتّ اﻷمر حتًّا ولذلك يرى البعض أن فكر أو فكّر أصلها فَرَكَ والفرك هو الحتّ في الشيء للوصول إلى حقيقته كمن يقع على ملابسه مثلا بعض اﻷشياء من عصائر من كذا إلى آخره، فاﻹنسان يحت الثوب حتّا بمعنى يحكّه بقوة وقد يشمّه وقد يتذوقه بلسانه ليعرف حقيقة الشيء الذى وقع على ثوبه هذا هو الفرك(الحت بالتاء و ليس بالثاء)

الفرك هو الحتّ للوصول إلى الحقيقة فالتفكر نحتّ اﻷمر حتا حتى نصل إلى حقيقة نعلنها في التدبر. إذن التدبر هو التتبع والنظر في عاقبة الأمر ولذلك الدبر هو الخلف عقب اإنسان لذا التدبر هو التتبع للنظر في الوصول إلى حقيقة المعنى المراد قدر الطاقة البشرية.

سآتيكم بآية قرآنية وأطبق عليها: في قول الله تبارك وتعالى (إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [النور: 32]

تلك الجملة وقعت في آية النكاح (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) النور)

نظرة المفسر سيقول لي أن هذا وعد من الله تبارك وتعالى بإغناء الزوج عند الزواج، وعدٌ بالإغناء عند الزواج، هذا قول المفسّر.((إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) وعدٌ من الله بالإغناء عند الزواج.

يأتي دور المتأمل يتأمل في الجملة(إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [النور: 32] يقول نعم هذا وعد من الله بالإغناء لكن وعدٌ غير مذكور فيه المشيئة، يعني لم يقل الله تبارك وتعالى: "إن شاء" فقال (إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) ولم يذكر المشيئة مع أن كل وعد من الله تبارك وتعالى معلّق على المشيئة لكن الله لم يذكر المشيئة هنا وهذا دور المتأمل.

أما المتفكّر يقول نعم، ولقد ذكر الله تبارك وتعالى المشيئة عند الوعد بالإغناء لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم في آية أخرى تخاطب الصحابة رضي الله عنهم وفيها المشيئة في قول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَاۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) التوبة) الله تبارك وتعالى يعد بالإغناء صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وكبار الصحابة ويذكر المشيئة (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ)، هناك يعد بالإغناء عند الزواج دون ذكر لفظ المشيئة وهنا يعد بالإغناء وهو يخاطب الصحابة ومع ذلك يذكر لفظ المشيئة ما هذا؟!

يأتي دور المتدبر يقول نعم لم يذكر الله لفظ المشيئة معنا هنا ﻷن هذا الإغناء يتعلّق بحياة أُسرية اجتماعية وما يريد الله أن يعلّق الإغناء على المشيئة لفظًا حتى يُطمئن القلوب بأن الزواج يتحقق معه الإغناء لا محالة فيريد الله أن يُطمئن القلوب بأن الإغناء محقق وليس معلقًا على مشيئة تأكيدًا أنه محقق لماذا؟ ﻷنه أمر اجتماعي، إقامة أسرة والله تبارك وتعالى يريد للأسرة أن تستقر. إذن لكي يطمئن القلوب بأن الإغناء محقق لم يذكر لفظ المشيئة ولذلك حتى في الطلاق قال (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء : 130] وهذا أمر اجتماعي ﻷن التفرّق لم يرد إلا بعد اﻷخذ بكل أسباب الإصلاح فوعد بالإغناء ولم يعلق على المشيئة ليطمئن كل فرد منهما أن الإغناء محقق لا محالة. بينما في آية التوبة التي خاطب الله فيها الصحابة(وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء) هذا تثبيت إيمان ويقين في القلوب ما يريد الله أن يكون اليقين في القلب والإيمان في القلب متعلّقًا بمادة، لا، (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) أي فقرًا (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) بالتسويف في المستقبل (إِن شَاء) يعني قد يشاء وقد لا يشاء يعني قد يغنيكم وقد لا يغنيكم من أراد أن يثبت على اﻹيمان على هذا الاعتبار فأهلا وسهلا به ومن أراد أن يتزحزح إيمانه لقلة المال فليذهب حيث يشاء ..

هذا دور المتدبر الذي أخذ اﻷمر بعد أن بيّن له المفسّر ثم بيّن له المتأمل ثم المتفكّر ثم جاء هو ليقول: هذا أمر فيه إيمان ويقين في القلوب، اﻹيمان واليقين في القلوب ما ينبغي أن يتوقف على مال ولا ينبغي أن يتوقف على إغناء وإنما لا بد أن يكون مبنيًا على التعلق بالله تبارك وتعالى. إذن هذا نموذج بالنسبة للتدبر والتفكر والتأمل.

نتعمق قليلًا فمثلًا عندنا في سورة الغاشية وستقابلنا إن شاء الله (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8))

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ (8) الغاشية) ماذا تلاحظون في هذه اﻵية؟ أليست معطوفة على (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) الغاشية) لماذا لم يأتي سبحانه وتعالى بواو العطف ولم يقل ووجوه يومئذ ناعمة؟ بينما اﻷصل فيها أن تكون معطوفة فالمفسر يقول يتحدث الله عن أهل الوجوه الناعمة بعد أن تحدّث عن أهل الوجوه الخاشعة العاملة الناصبة، تحدث عن وجوه أهل النار ثم وجوه أهل الجنة. المتأمل سيدرك أن الواو العاطفة لم تأتي والمتفكّر سيقول الواو أتت في سورة عبس قال (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (38) ضاحكة مستبشرة (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) عبس) وعطف في سورة القيامة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) القيامة) (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) القيامة) إنما هنا لم يقل "ووجوه" فلماذا لم يعطف؟

عندنا قاعدة: المعطوف يشترك مع المعطوف عليه في الحكم. عندما أقول أكرمت محمدا وعلياً يعنى أكرمت عليًا أيضًا هذه القاعدة ستقابلنا كثيرًا فلو جاءت الواو العاطفة لاشترك أهل الوجوه الناعمة مع أهل الوجوه الخاشعة في حديث الغاشية وحديث الغاشية عذاب استهلّ الله سبحانه السورة بهذا السؤال، فما أراد الله أن يشرك أهل الوجوه الناعمة مع أهل الوجوه الخاشعة في الغاشية في العذاب فأخبر الله عن أهل الوجوه الناعمة بما يسمى الاستئناف البياني. ما هو الاستئناف البياني؟ الاستئناف البياني سؤال يُثار من خلال الكلام السابق دون أن يُسأل فنُجيب دون أن نُسأل، يعني اﻷجابة على سؤال مقدر. مثال: لو واحد قال لك أحضر معك الكتاب الفلاني معك غداً يا شيخ نقول له نعم، فتأتي في الغد أول ما تراه تقول له لم أحضر الكتاب دون أن يسألك هو لم يسأل لكنك توقعت السؤال. فلما تحدث الله عن أهل الوجوه الخاشعة والعذاب المعدّ لهم يثار سؤال: ما موقف أهل النعيم؟ ما موقف أهل التقوى والمتقين؟ أين سيكونون في هذا الوقت؟ فأخبر الله عنهم بقوله (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ (8) الغاشية) هذا يسمى استئناف بياني، جواب على سؤال مقدّر لم يُسأل، ما موقف أهل النعيم؟ أتى الجواب (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ (8) الغاشية) وهكذا التدبر يحتاج منا إلى أن نعي ونستوعب ..

نأتي لذكر التدبر في القرآن:

في قول الله تبارك وتعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ص) طبعاً كتاب مبارك، لماذا؟ ﻷن كل آية في القرآن إما أن تأمر بخير أو تنهى عن شر فهو مبارك من هذه الناحية كل آية هكذا. (ليدبروا آياته) الضمير في ليدبروا يعود على من؟؟ من الذين يتدبروا آياته؟ مع التذكر قال سبحانه وتعالى (وليتذكر أولوا اﻷلباب) عرفنا من الذين سيتذكرون لكن من المخاطبون بالتدبر (ليدبروا)؟ أين المؤمنين الذين يعود عليهم الكلام؟ المرجع لا بد أن يكون له عائد، أولو الألباب سيتذكروا، (ليدبروا) كل الناس ﻷن الله ذكر قبل تلك اﻵية تقسيم للناس من ناحيتين: الناحية اﻷولى (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْض) [ص: 28] إذن الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدون في الأرض (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص : 28] المتقون والفجار، وهذا تقسيم ثاني، هؤلاء المتقون والفجار والذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدون في اﻷرض مخاطبون بالتدبر ﻷن المراد من التدبر أن يدركوا أن لهم إلهًا واحدًا فيتوجهون إليه بالعبادة والتوحيد وبالطبع هم مطالبون أيضاً بالتدبر، إن لم يتدبروا هم نحن مطالبون أن نوصلهم التدبر، نتدبر نحن ثم نخاطبهم بهذا التدبر ولذلك ربنا في آيات أخرى قال (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد) بأسلوب الاستفهام الإنكاري، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) لو تدركون معنى (أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) أقفالها كأن لها أقفال خاصة صنعوها للقلوب، كأن الله يقول إن هؤلاء الناس صنعوا أقفالًا محكمة على قلوبهم فكل واحد له قفل على مقاس قلبه ووضع القفل على قلبه حتى لا يصل القرآن إليه. (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) وليس أم على قلوب اﻷقفال لا، (أقفالها) أقفال مخصوصة صنعت، كل واحد صنع قفلًا بقدر مقاس قلبه وفي اﻵية اﻷخرى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) النساء) إذن الكل مطالب بتدبر القرآن ونحن أهل القرآن مطالبون بداية ونهاية، ما ينبغي أبداً أن نقرأ القرآن هكذا ولا نحاول أن نتدبر فيه شيئًا، المفروض أن نتدبر لننقل لغيرنا لكن نحن انقلب اهتمامنا بأشياء أخرى دنيوية أكثر منها أخروية وأصبح الجري وراء أشياء لا داعي لذكرها لكن التدبر حتى تُكلِّم أحد الناس في التدبر وتقول له تعالَ نعلمك التدبر وستخرج متعلمًا وستخرج بإذن الله تبارك وتعالى وأنت قد تعلمت التدبر.

إذن التدبر كما بينت أننا جميعًا مطالبون فيه ومطالبون به حتى نستطيع أن نقرأ كلام الله. بالتأكيد قبل أن نبدأ مع الجزء لا بد أن نستفتح بفاتحة الكتاب وهي سورة أم القرآن وأنا سأهتم بأمور التدبر وأدخل فيها مباشرة حتى ﻻ أشغلكم بأمور أخرى واﻷمور اﻷخرى تستطيعون أن تقرأوها في الكتب.

سورة الفاتحة

السورة الكريمة تبدأ بـ(الحمد لله رب العالمين) "الحمد لله" جملة إسمية تتكون من مبتدأ وخبر، (الحمد) هو المبتدأ ولفظ الجلالة الجار والمجرور في محل رفع خبر للمبتدأ. الكلام في لغتنا على نوعين، الجمل على نوعين: إما خبري وإما إنشائي أي جملة ننطق بها إما أن تكون خبرًا وإما أن تكون إنشاء، أقول لك: أنا سافرت مكة باﻷمس هذا خبر، وعندما أسألك: هل سافرت مكة باﻷمس؟ هذا اسمه إنشاء، الفرق بينهما أن الخبر له واقع يدل عليه ويقع فيه ولذلك يقولون الجملة الخبرية هي التي تحتمل الصدق والكذب لذات الخبر، مثال: قلت لك لقد نجح ولدك في المدرسة، هذا خبر. أنت تستطيع أن تذهب إلى المدرسة وتتأكد إذا كان ولدك قد نجح فالخبر صادق بصرف النظر عن كون المخبِر صادقًا أو كاذبًا ما له دخل. لو كان المخبر صادقًا أيضًا الجملة تحتمل الصدق والكذب يعنى لها واقع أستطيع أن أصل إلى حقيقة الخبر من خلاله. إذا لم يكن الخبر قد حصل يكون الخبر كاذبًا وليس المتكلم هو الكاذب. الجملة الخبرية معناها تحتمل الصدق والكذب لذات الخبر الجملة الإنشائية ليس لها واقع ﻷنها لم تقع أصلًا وإنما هي مستقبلية.

لو قلنا جملة (الحمد لله) خبرية أم إنشائية؟ الخبرية معناها أن الله يخبرنا أن الحمد لله ثابت ومستقر ومستمر سواء حمده العباد أم لم يحمدوه ولم يطالبنا أن نحمده. والإنشائية معناها أن الله يطلب منا كيف نحمده. فالعلماء فعلًا قالوا: الجملة خبرية إنشائية الله يخبر وفي نفس الوقت يطالبنا أن نحمده تبارك وتعالى.

ووردت الجملة انشائية في بعض اﻵيات القرآنية قولاً واحداً (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: 59] عندما يأتي قبلها (قل) تكون إنشائية هذه إنشائية قولاً واحداً. (الحمد لله) لم يرد الحمد في القرآن لله جملة فعلية أبداً وإنما ورد جملة اسمية فقط يعني لم يرد المؤمنون يحمدون الله أو أحمدوا الله أو حمدوا الله (الحمد لله) كلها جمل إسمية. لماذا كان التعبير بالجملة الإسمية؟ الجملة الإسمية لها دلالة، دلالة الجملة الإسمية الثبوت والدوام والاستمرار كأن الله يخبرنا بالجملة الإسمية ليقول لنا أن الحمد لله ثابت ودائم ومستمر سواء حمده العباد أو لم يحمدوه، حمدوه أم لم يحمدوه فالحمد ثابت له مستمر، هذا التعبير بالجملة الإسمية، رد إبراهيم عليه السلام بالفرع (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) الذاريات) قال (سَلَامٌ) بالرفع تكون جملة إسمية أي سَلَام ٌعليكم ثابت ومستمر لكن هم قالوا سلاماً أي نسلّم سلامًا.

الله عز وجلّ افتتح خمس سور بقوله (الحمد لله)، هذه السورة،

والثانية اﻷنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)الأنعام)

والثالثة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ (1) الكهف)

والرابعة سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) سبأ)

والخامسة فاطر (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) فاطر)

تعالوا نبحث رابط بين السور الخمس ننظر كيف ربط القرآن الكريم بين السور الخمس بالذات:

في الفاتحة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يعلمنا أن نحمده لربوبيته للعالمين، تجد السور الباقية تؤكد ربوبية الله للعالمين، تؤكد هذا المفهوم.

في سورة اﻷنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)الأنعام) فيه تأكيد على ربوبيته فهو رب ﻷنه هو الذى خلق السموات واﻷرض.

في سورة سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) سبأ) أيضاً تؤكد ربوبيته وألوهيته.

في سورة فاطر (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) فاطر) أيضاً تؤكد الربوبية واﻷلوهية من خلال تلك السور. (فاطر السموات واﻷرض) فطر بمعنى خلق على هيئة تمكّن المخلوق من تأدية مهمته في الكون، خلق الشمس والقمر فطرهما وفطر السموات واﻷرض بمعنى أنه خلقها على هيئة تمكّنها من تأدية دورها وفطر الإنسان بمعنى أنه خلق على هيئة تمكّنه من تأدية دوره.

تبقى سورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ (1) الكهف) (أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ) أدخلها ضمن السور التي تؤكد ربوبيته وألوهيته كأني بالقرآن الكريم اتزان الكون، إن لم يكن هناك من يحفظ القرآن ويفهم القرآن ويتدبر القرآن في الكون الكون يختل ﻷن الله علّمنا وسط هذه السور أن نحمده أنه أنزل على عبده الكتاب. (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا) ما معنى (ولم يجعل له عوجا) ثم بعدها (قيّما)؟ أليست ولم يجعل له عوجا تُفهم أنه قيّم؟؟ كلمة عِوَج تطلق على العوج الحسي والعوج المعنوي، مثلًا: شارعكم فيه اعوجاج هذا اعوجاج حسي، وكلامك فيه اعوجاج أي اعوجاج معنوي واختلف أهل اللغة في كلمة (عوجا) بين كسر العين وفتحها أن واحدة منهما للعوج الحسي واﻷخرى للعوج المعنوي البعض يرى أن العِوج بالكسر هو العوج الحسي والعَوج بالفتح هو العوج المعنوي والبعض يرى العكس .القرآن الكريم أضرب عن هذا اﻷختلاف ولم يُنزل قرآءتين في كلمة عوجا وإنما جعل حرف الجر الذي يتعدى للعوج هو الذي يدل على المعنوي أو الحسي فإذا كان العوج معنويًا قال (له) (باللام) (ولم يجعل له عوجا) وإذا كان العوج حسيًا قال (فيه) كما قال الله تعالى عن الجبال (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)) لا ترى فيها عوجا لأنه عوج حسي. ثم قال بعدها (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ) [طه:108] ﻷنه عوج معنوي، إذن العوج المعنوي يتعدى بـ(له) والعوج الحسي يتعدى بـ(في) وهذا من بلاغة القرآن في التدبر ينبغي أن نعرفه ونعلمه.

كيف وصف الله القرآن بأنه قيّم بعد أن نفى كون العوج فيه؟ أليس نفي العوج فيه ما يدل على أنه قيّم؟ ويفهم منها أنه قيّم؟ ولماذا ذكر قيّم مرة ثانية؟ نفي العوج عن الشيء يؤكد صلاحه للانتفاع به لكن صلاح في ذاته، تأكيد على صلاح القرآن في ذاته (ولم يجعل له عوجا) دليل على صلاح القرآن في ذاته، هو صالح في ذاته وقيّم تدل على صلاح القرآن للانتفاع به لمن أراد الانتفاع.

(ولم يجعل له عوجا) صلاح في ذاته

(قيمًا) صلاح للغير

ولذلك يتحير الناس في قول الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185]

وآية (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) فيقولون: هل القرآن هدى للناس أم هدى للمتقين؟ المتقون جزء من الناس. نقول أن الله أخبر بأن القرآن هدى للناس متى؟ يوم الحديث عن إنزاله (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185] يعني أن الله أنزل القرآن صالح لهداية الناس جميعًا حتى لا يقول أحد أن القرآن نزل للعرب والمسلمين فقط، لا، أنزله الله صالح لهداية كل الناس، لكن هل الناس جميعا اهتدوا؟ طبعًا لا، من الناس من اهتدى ومنهم من لم يهتدي فمن اهتدى هم المتقون وهم المؤمنون وهم المحسنون الذين ذكرهم الله بعد ذلك، هؤلاء الذين انتفعوا بالقرآن: المتقون هم الذين انتفعوا بالقرآن، والمحسنون هم الذين انتفعوا بالقرآن، والمؤمنون هم الذين انتفعوا بالقرآن، إنما هؤلاء لم ينتفعوا بالقرآن. إذن ذكر الله أنه هدى للناس يوم أن تحدث عن إنزال القرآن الكريم من السماء حتى نعلم أن الله تبارك وتعالى أنزله هدى للناس جميعًا لكن المشكلة في الناس أن الناس هم الذين لم يهتدوا والناس هم الذين لم ينتفعوا بالقرآن، أعرضوا عن القرآن.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

(رب العالمين) مالكهم وخالقهم ورازقهم. فالحمد لله أنا أقول دائمًا أن من رحمة الله بالعباد أن علمنا كيف نحمده بكلمتين اثنتين سهلتين، (الحمد لله) كل الناس يستطيعون أن يقولوا الحمد لله حتى الذين لم يتعلموا، حتى من لم يتعلم قطّ يستطيع أن يقول الحمد لله وهذه رحمة الله لو ترك الله لنا أسلوب الثناء عليه لنتخيره نحن لكان مثلا ﻷهل البلاغة وأهل الفصاحة سبقٌ على الناس كانوا سيتخيرون جُملًا رنانة وكلمات معسولة لا يستطيعها الرجل العادي لكن الكل يقول (الحمد لله) ويبقى حضور القلب هو الفيصل، بين أن يقول واحد الحمد لله والآخر حضور قلبه هو الفيصل بين هذا وذاك وهو الذي عليه التفضيل بين هذا وبين ذاك، فمن كتب له الله الهداية والتوفيق وفقه أن يحمد الله على كل حال في كل وقت.

(الحمد لله رب العالمين) هذه الجملة بالذات سنقولها في الآخرة (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) الزمر) (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (الحمد لله الذي هدانا لهذا) (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور (ٌ34) فاطر) هذه سيقولها الذين أورثهم الله الكتاب وكما نعلم أن اﻷصناف الثلاثة داخلون في تلك اﻵية (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿٣٢﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴿٣٣﴾ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٣٤﴾ فاطر) هل تعلمون أن (غفور شكور) لم ترد في القرآن ختامًا إلا لثلاث آيات فقط هذه واحدة، الثانية (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴿٢٩﴾ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) فاطر) الثالثة (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) الشورى) ركزوا معي حتى تتحرك قلوبكم لهذا التدبر غفور لا ترد إلا حيث يكون هناك ذنوب للعباد قد ارتكبوها والله يفتح لهم باب التوبة والمغفرة. آية (إن الذين يتلون كتاب الله) كلها طاعات ولا يوجد فيها معاصي ولا ذنوب أبدًا لماذا ختمت هذه اﻵية باسم الله الغفور؟ ﻷن الله يعلم أن فعل الناس للطاعات نسبي يعني من الناس من يفعل الطاعات وقلبه حاضر بنسبة تسعين بالمئة وناس خمسين بالمئة وناس عشرة بالمئة فالله يذكر أنه غفور ليطمئن الناس أصحاب المعدلات المتدنية ليقول لهم: غفرت لكم النقص بشرط أن تجتهدوا وترفعوا الهمة فتصلوا إلى شكور يعني شكور ﻷصحاب الدرجات العالية وغفور ﻷصحاب الدرجات المتدنية ليرفع الله من همتهم، ليقول لهم اِرفع همتك غفرت لك النقص الذي حدث عندك لكن بشرط أنك ترتفع إلى شكور لا تظل هكذا، لا تظل محلك لازم ترفع نسبتك. وشكور ﻷن عطاء الله تبارك وتعالى للعباد مدهش، عطاء الله للعباد فوق ما تتصور وما تتخيل والله تبارك وتعالى يرزقك من حيث لا تدرى ويعطيك عندما يعطيك لا يعطيك من حيث تعلم، لا، يعطيك من حيث تجهل ومن حيث يجهل الناس. أنت ممكن أن تعمل مشروعًا وتظن أن هذا المشروع سينجح وأن هذا المشروع سيأخذ بيدك الله يقول لك ﻻ، هذا المشروع سيفشل لكن يعطيك من ناحية أخرى لم تكن تعلمها أنت ما تدري أين الخير فالله سبحانه وتعالى يعطي من حيث يجهل الناس ..

اﻵية الثالثة في سورة الشورى (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) الشورى) أيضا مع اقتراف الحسنة الاقتراف أصله نزع القشرة عن الجرح يعنى لو يدك بها جرح وظهر لك قشرة حمراء أنت تنزعها مع وجود ألم تتحمله في سبيل أن تأتي الجلدة السليمة الجميلة. والاقتراف إذا أُطلق في القرآن يكون المراد به الذنب والسيئة (سيجزون ما كانوا يقترفون) لكن هنا مقيد بالحسنة من يقترف حسنة، أي من يتعب نفسه في سبيل طاعة مثال أنت مثلًا لست من أهل الفجر فأتعبت نفسك وبذلت جهدًا لأن تكون من أهل الفجر الله سبحانه وتعالى وعدك بأن يزيد لك هذا الحسن حسنا (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) جواب شرط على غير العادة، على غير عادة الناس لكن رب العباد يريد منك أن تتعب نفسك في سبيل حسنة. نفسك لا تحب العفو فجاهدت نفسك حتى عفوت عن أحد الناس الله يجعلك من أهل العفو دائمًا يزيد لك فيها حسنا يجمّلها لك، يحليها لك ..

ختمت اﻵية بـ(إن الله غفور) لماذا؟ ﻷن اقتراف الناس للحسنة نسبي ليس الكل سواء يعني ليس الكل على وتيرة واحدة فالبعض نسبته عالية والبعض الآخر نسبته متدنية.

إذن في الموضوع اﻷول الذي ذكرناه (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور (ٌ34) فاطر) هؤلاء دخلوا الجنة ويقرّون لربهم بأنه غفور شكور كيف هذا بعد أن دخلوا الجنة قالوا (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور) ويقرون لربهم بأنه غفور شكور؟ لماذا يقولون إنه غفور شكور؟! ﻷنك ستدرك أن هناك ذنوبًا كثيرة أنت فعلتها وترى ربك قد سترها عنك في اﻵخرة غفرها لك فتقرّ بأنه غفور. يقر أهل الجنة بأن الله غفور عندما يرون ذنوبا وسيئات ارتكبوها وغفرت لهم، وشكور عندما يرون أفعالًا بسيطة فعلوها ويمكن ما كانوا يرون أنه سيكون لها هذا الجزاء يعني استغفر الله مرة بقلب مخلص، يعني أنت في هذه المحاضرة تذكرت الله واستغفرته وسبحته وجلست تستمع للمحاضر بقلب خاشع فتجد هذا في اﻵخرة جزاؤه عظيم، تسبيحة واحدة لله في الدنيا تجد جزاءها عظيم فتقرّ بأنه شكور تبارك وتعالى وهذا هو السر في ختام اﻵيات بقوله (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور).

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل